رسالة ماجستير تسترجع حياة السامر وآثاره الثقافية
بحكم وجودي في دار الكتب والوثائق من ثمانينات القرن الماضي للتثقيف الذاتي والإطلاع على أمات الكتب وما كان يصدر حديثاً داخل العراق وخارجه من كُتب ودراسات وبحوث، دفعني وما زال (الجو الثقافي) السائد وبكل ما فيه من إيجابيات وسلبيات، للمساهمة المتواضعة في نشر الوعي المعرفي الجاد في الصحف المحلية والمجلات الدورية في البلدان العربية والخليجية… وكتحصيل حاصل توطدت علاقتي (المكتبية) مع النخب الثقافية التي كانت تتابع بشغف كل ما ينتج ويصدر من كتب حديثة، لتروي نفوساً عطشى وقلوباً متلهفة للتجديد والتغيير بعد طوال غربتها خلف جدار الصمت والحزن الأبدي..! وكان لطلبة وطالبات رسائل الماجستير والدكتوراه المكانة الخاصة في اللقاءات اليومية للتحاور والمشورة فيما يتعلق بالمراجع والمصادر. وبتوفيق من الله، كنت أبذل وكغيري قصارى جهدي وبما أمتلكه من معلومات وتجربة ثقافية وسياسية واجتماعية لتقديم (المعرفة والنصح) لمن كان يطلبها دونما تردد أو (منّة) بل كنت سعيداً وفخوراً لإيماني بالقول المأثور (الكلمة الطيبة صدقة) و(من علمني حرفاً ملكني عبداً).
والرصيد الذي حققته من خلال علاقاتي الثقافية والإنسانية لا يعوض بأي ثمن مادي استمرار التواصل مع نخبة من أساتذة الجامعات الذين كانوا يوماً ما طلبة دراسات عليا يحضّرون لرسائلهم وكنت أشاركهم في كسب المعلومات والتحاور للوصول إلى الحقيقة والمعرفة الجادة ولكل ما هو جديد..! ومن المفاجآت الطيبة وعرفاناً لرد الجميل واستذكار وقفات كانت لبعض الطلبة والطالبات حداً فاصلاً ما بين الصعود إلى قمة المعرفة أو الهبوط إلى درك الفشل، رسالة الطالبة (سعاد مقداد ناجي الأسدي) المقدمة إلى مجلس كلية التربية (ابن رشد) للعلوم الإنسانية، جامعة بغداد، وهي جزء من نيل شهادة الماجستير في التاريخ الإسلامي عام 2013 بإشراف الأستاذ المساعد الدكتور حسين داخل البهادلي، ونالت شهادة الماجستير وبتقدير (أمتياز).. ولأهدائي نسخة من رسالتها تقديراً لمساهمتي المتواضعة ومشاركتها رحلة كتابة الرسالة الموسومة: (فيصل السامر ومنهجه في كتابة التاريخ الإسلامي) والمتكونة من ثلاث فصول ومباحث تفرعت من كل فصل مواضيع لم يسبق لباحث أن توصل إليها أو جازف للدخول في متاهاتها وتشعباتها لأنها أشبه بغوص في بحر ليس فيه قرار، وقد استطاعت وبجهدها الاستثنائي كشف عدد من جوانب (الغموض) التي كانت تكتنف حياة أحد أعمدة المدرسة التاريخية العراقية الحديثة-الأستاذ الكبير د. فيصل السامر. وقد بينت وبصدق بما تيسر لها من وثائق رسمية وصحف محلية ومقابلات شخصية علم ومكانة شخصية (السامر) الفذّة في مجال تخصصها التاريخ الإسلامي على نحو خاص والتاريخ الحديث على نحوٍ عام. ولم تكتفِ الباحثة رغم معرفتها بصعوبة رحلتها الشاقة والمجهولة في أحيان كثيرة من أن تغوص في كينونة شخصية تركت أثرها في محافل ثقافية تجاوزت حدود الوطن لتسبر في أفكارها وميولها ومن ثم الخوض في البيئة التي نشأت فيه وبقيت مجهولة في أعماق زمن سحقت فيه شخصيات كانت لها دور متميزاً في تاريخ العراق القديم والحديث، وقد توصلت الباحثة في رسالتها إلى ما عجز الآخرين عن معرفته عن شخصية (السامر) ومن أقرب الأصدقاء المقربين إليه بل أفراد عائلته الكريمة التي كانت تعيش معه تحت سقف واحد. وأهم القضايا والخبايا المجهولة التي كشفتها الباحثة وتوصلت إليها بعد بذل جهود مضنية ومتابعة ميدانية متعبة، ولقد أمكن لهذه الدراسة أيضاً الخوض في البيئة التي نشأت فيها هذه الشخصية، فضلاً عن الفرص العلمية التي توفرت لها مما جعلها تتبوأ المكانة الفذة في ريادة الكتابة التاريخية الحديثة، ولترسم وبنجاح منقطع النظير مسارها الثقافي والفكري، ولقد توصلت الدراسة في بحثها عن هذه الشخصية أمور عدة منها:
1- توفرت للدكتور السامر بيئة علمية، أمكن من خلالها مواصلة دراسته الأولية والعليا، وكان لدور الأسرة والهيئات التعليمية أبلغ الأثر في مواصلة مشواره العلمي.
2- توصلت الدراسة إلى أن الدكتور السامر ينحدر من أسرة عربية مسلمة، ترجع في أصولها إلى قبيلة الصيامر والتي تتفرع من القبيلة العربية (تميم) ثم حرّفت فيما بعد إلى السيامر، وبعد ذلك إلى السامر.
3- توصلت الدراسة أيضاً إلى أن سنة 1921 هي السنة التي ولِدَ فيها الدكتور السامر استناداً إلى ما ورد في الوثائق الرسمية لهُ أولاً، والحقائق التي أفرزتها المعطيات المتحقق من المقابلات الشخصية وعدداً من الأمور ذات الصلة بحياته ثانياً، وبسيرته الوظيفية ثالثاً.
4- استفاد الدكتور السامر من الفرصة العلمية التي وفّرتها مدرسة كلية الملك فيصل أثناء دراسته فيها، وذلك في إيفاده إلى مصر لإكمال دراسته العليا.
5- على الرغم مما أظهرهُ الدكتور السامر من تفوق في المواضيع الدراسية العلمية، إلاّ أنه رسمَ توجه مبكراً نحو دراسة المواضيع الإنسانية ولاسيّما التاريخ الإسلامي.
6- أتاحت لهُ الدراسة في مصر التعرّف على عدد من أعمدة الثقافة والفكر فيها كطه حسين على سبيل المثل لا الحصر حيث انتفع من آرائهم سواء في ثقافته أو في اختيار موضوعاته التاريخية.
7- أن تسنم الدكتور السامر للمناصب السياسية إنما جاء عن استحقاق لما بذله من جهود وظيفية وإدارية.
8- وإنَّ تلك المناصب قد وفرت له الاحتكاك بعدد كبير من مثقفي عصره، وعدد من الباحثين الغربيين، وقد انعكس ذلك في معظم كتاباته.
9- أسهم في تأسيس نقابة المعلمين العراقيين، وكان أول نقيب لها.
10- أوجد عدداً من التشكيلات الإدارية والعلمية أثناء المدة التي تسنم فيها منصب مدير التعليم العالي.
11- أسهم في مكافحة آفة الأمية المنتشرة في العراق من خلال دوره في مدارس خاصة لمحو الأمية.
12- وفي أثناء عمله في السلك الدبلوماسي في وزارة الخارجية، تعرف على البلاد التي تسنم فيها منصب سفير العراق، حيث احتك بسكانها، مما ساعدهُ على الكتابة عن أحوال المسلمين عندما وطئت أقدامهم لتلك البلاد.
13- برزت توجهاته الاجتماعية والاقتصادية في كتابة التاريخ الإسلامي مبكراً، حيث تناول العديد من الموضوعات التي اهتمت بهذين الجانبين.
14- كان للجوانب الحضارية حيز واضح في كتابات الدكتور السامر، حيث أولى اهتماماً لدخول العرب المسلمين إلى جنوب شرق آسيا، فضلاً عن الطرق التي انتشر فيها الإسلام هناك.
15- إنَّ تنوع النتاج التأليفي والفكري للدكتور السامر، قد أكد على تنوع ثقافته وعلى سعيه الدؤوب في وضع اسمه ضمن روّاد المدرسة التاريخية العراقية الحديثة.
16- أتسم أسلوب الدكتور السامر في الكتابة التاريخية بالسلاسة وجزالة العبارة، كما اهتم أيضاً بالسبك اللغوي، فكانت عباراته مستوعبة لأفكاره وآرائه.
17- اتصف المنهج الذي سلكهُ الدكتور السامر في جلِّ كتاباته التاريخية بالترابط من الناحية الموضوعية، حيث أعطى للجوانب الاجتماعية والاقتصادية منحىً كبيراً، لأنها برأيه عنصر محرّك لإرادة الجماهير.
18- اتصفت نقول الدكتور السامر من المصادر الأولية بالأمانة العلمية، وكان إلى جانب ذلك يُحلّل تلك النقول تحليلاً موضوعياً منسجماً مع توجهات المرحلة التي ينتمي إليها صاحب الأصل الذي نقل منه، وكان في عدد من الأحيان ينقد صاحب الأصل إذا ما ظهر في نقوله ما يخالف الإجماع المتحقق مع المصادر المعاصرة له، أو إذا ما ظهر عدم حياديته فيما يخص أحد الموضوعات التي تناولها، وما انتقاداته لعدد من مرويات ابن الأثير فيما يتعلق بالصراع الزنكي- الأيوبي إلا ّ دليل على ذلك.
19- لم يكتف الدكتور السامر في تأليف الكتب أو بحث الموضوعات المختلفة في دراساته على شكل بحوث أو مقالات، إنما وجه جهوده أيضاً لترجمة الكتب الأجنبية التي يرى فيها فائدة للقارئ أو الدارس العربي.
20- ومن اهتماماته الأُخرى في حقل التاريخ الإسلامي، تحقيق الأصول الخطية أو ما يعرف بالمخطوطات، وكان دائماً يبحث عن المخطوطات التي تُعنى بالعصور المتأخرة، كونها لم تبحث بالشكل الذي يتناسب وأهميتها.
وخلاصة القول: امتازت كتابات (السامر) بوضوح الأسلوب، واستعمال لغة سهلة، جزلة العبارة، بغية إيصال أفكاره وآراه إلى القارئ أو الدارس على حد سواء، وكان يعرض الحادثة التاريخية بشكل سلس بعيد عن التعقيد في الصياغة أو الميل إلى استعمال العبارات اللفظية الرنانة..! وأتبع (السامر) طريقة البحث العلمي، وكان موقفه من الأحداث هو عرضها بشـــــــــكل متتابع، لأنها من حيث الإطار العام مرتبطة ببعضها، ومن حيث المضمون تحوي على فكرة تنقل صورة واضحة عن الموضوع الذي تناوله.
كما سلك (السامر) في كتاباته التسلسل (المنطقي) للأحداث ولاسيما الأحداث (السياسية) لحاجتها للترابط بهدف تتبع الأحداث ورصدها والوصول إلى النتائج العلمية الدقيقة.
جهد كبير بذلته (سعاد الأسدي) وإصرار لا يعرف التوقف أو التراجع وطموح مشروع وباستحقاق لاستكمال مسيرتها العلمية لتصبح يوماً ما أحد أعمدة الفكر العربي الإسلامي بقديمه وحديثه، ونأمل من بيت الحكمة أن يبادر إلى طبع رسالتها لأهميتها العلمية في هذه المرحلة خاصة وأن المكتبات تفتقر لمثل هذه الدراسات القيمة التي يحتاجها الباحث والدارس وتصحح ما كتب من دراسات ومعلومات خاطئة سبقت رسالة (الأسدي).
معتصم السنوي
بغداد























