رجال من وطني: محمد يونس السبعاوي (3)

رجال من وطني: محمد يونس السبعاوي (3)

ا . د عدنان البك

– انضمامه لكتلة القومية العسكرية:

انضم (السبعاوي) منذ عام ١٩٢٩ الى الكتلة القومية العسكرية بجناحها المدني٬ وعلى ما يبدو ان جملة دوافع حدت به الى تعزيز اتصاله بالجيش وتوثيق صلته بالكتلة٬ منها حماسته واندفاعه في توثيق هذه الصلة الى الحد الذي أثار انتباه أصدقائه٬ الذين نصحوه بترك هذه العلاقة وكان يجيبهم بـ (لنا الصدر دون العالمين أو القبر) ٬ ليشمل من جملة هذه الدوافع لارتباطه بهذه الكتلة قاسم مشترك هو العروبة وحب الوطن وكره المحتلين المستعمرين والأخلاق العربية الاصيلة وروح الشهامة والاقدام.

أخذ يتردد على اجتماعاتها سواءً في بيوت أعضائها أو النادي العسكري٬ وسعى أيضا الى الترويج لمبادئ الكتلة والتبشير بين صفوف الشباب والفئات السياسية الأخرى.

وهكذا تصاعد نشاط هذه الكتلة بجناحيها المدني والعسكري بين عامي (١٩٢٧- ١٩٤١) بل امتد جناحها العسكري ليشمل عدداً كبيراً من الضباط المعروفين بحسهم القومي٬ فضلاً عن العقداء الأربعة (صلاح الدين الصباغ وفهمي سعيد وكامل شبيب ومحمد سلمان)٬ ضم التنظيم عدداً من القادة العسكريين أمثال: إبراهيم الراوي وسعيد يحيى وعبد الرزاق حسين وضباط من ذوي الرتب الأدنى أمثال: محمود الدرة ويوسف علي ورشيد فليح البحر وعامر حسك ومدلول عباس وعبد الوهاب الشيخ علي وكاظم جعفر. أما الجناح المدني فكان من أبرز أعضائه: محمد يونس السبعاوي ومحمد صديق شنشل وجمال المفتي وصادق حبة والدكتور محمد حسن سلمان وعلي محمود الشيخ علي وغيرهم.

لقد شهدت الفترة (١٩٣٦ – ١٩٤٠) ظاهرة الانقلابات العسكرية٬ وكان انقلاب عام ١٩٣٦ احدى الانقلابات الذي قاده بكر صدقي واطاح بوزارة ياسين الهاشمي في ٢٩ تشرين الأول ١٩٣٦. وتكليف حكمت سليمان بتأليف الوزارة الجديدة٬ في حين بقي بكر صدقي الذي غدا رئيسا لأركان الجيش وراء الستار يمارس قوة مؤثرة على الحكومة.

أبدى السبعاوي معارضة شديدة لحكومة الانقلاب ووحد عمله مع قادة الكتلة القومية العسكرية لإعداد العدة للتخلص من بكر صدقي – ففي ٣ تشرين الثاني ١٩٣٦ اجتمع في فندق (كلارج) في بغداد مع فهمي سعيد وجمال المفتي وبعد استعراض حالة البلاد في ظل حكومة الانقلاب٬ قرروا أن الحل الوحيد لإسقاط الحكومة هو اغتيال بكر صدقي (قائد الانقلاب)٬ وبالفعل تولى صلاح الدين الصباغ في بغداد وفهمي سعيد في الموصل مسؤولية القيام بهذه المهمة.

بلغ الى مسامع بكر صدقي ما يقوم به (السبعاوي) فقيل انه أعد من يقوم باغتياله لولا تدارك صديقه (إسماعيل صفوت) الذي كان من المقربين من بكر صدقي٬ عندما حذر السبعاوي من ذلك٬ أثرها غادر السبعاوي العراق وأخذ ينتقل بين دمشق والقاهرة وبيروت٬ وكان الغرض بالسياسيين العراقيين المتواجدين في هذه الأقطار ومعرفة مدى استعدادهم للعمل ضد الانقلاب.

بعد عدة محاولات تم التخطيط لها لاغتيال بكر صدقي وبرغم الحيطة والحذر٬ فقد نجحت الكتلة من اغتياله في الموصل في ١١ آب ١٩٣٧. إذ استغل فهمي سعيد وزملاؤه من أعضاء الكتلة وجود بكر صدقي في حديقة دار استراحة القوة الجوية في الموصل٬ فعزموا على تنفيذ خطة الاغتيال التي قام بها نائب العريف الخيال محمد عبد الله بالإجهاز على بكر صدقي وكذلك المقدم محمد علي جواد (قائد القوة الجوية) الذي حاول التصدي للقاتل.

لقد كان اغتيال بكر صدقي الذي نفذته الكتلة القومية العسكرية أشبه ما يكون بمثابة انقلاب عسكري جديد أطاح بحكومة حكمت سليمان.

في ١٧ آب ١٩٣٧ شكل جميل المدفعي الحكومة الجديدة وأعلن انتهاجه ما عرف بـ (سياسة اسدال الستار) متوخيا بين الاتجاهات السياسية المتصارعة لاسيما داخل الجيش اذ أعلن عن سياسته هذه في المجلس النيابي عندما قال:” نحن لا نريد أن تفتح أبواباً تعيد للذكرى مرارة الماضي الذي يعلمه الجميع إنما نريد من ممثلي الامة أن يتحدوا ويتظافروا مع الحكومة للوصول الى غايتها وهي قبر الماضي وفتح صفحة جديدة للإخاء والمناقشة والمذاكرة في شؤون الدولة بروح نزيهة بريئة.

عاد السبعاوي الى العراق في ٢١ آب ١٩٣٧ أي بعد خمسة أيام من تشكل المدفعي لحكومته٬ الا انه سرعان ما غير موقفه من الوزارة القائمة وسياستها٬ ولا سيما بعد أن أدخل المدفعي الى وزارته عناصر لا تمت الى الكتلة القومية بسابق صلة أو تعاطف يذكر. وأخذت معارضته لسياسة المدفعي تتصاعد٬ وتفاقم الأمر بعد قيام حكومة المدفعي بتعطيل جريدة المستقبل في ٣٠ حزيران ١٩٣٨ والتي كانت تنطق باسم (جمعية الدفاع عن فلسطين) وكان السبعاوي (مديرها المسؤول)| وأحد أعضاء هذه الجمعية٬ مما عزز شكوك الكتلة من نوايا المدفعي اتجاهها٬ الأمر الذي دفعه والكتلة للتحرك وبسرعة من أجل الإطاحة بهذه الوزارة.

ونشر السبعاوي مقالا طريفا في احدى الصحف البغدادية بعنوان (أخونا جميل) ذكر جميل المدفعي بوعوده للضباط القوميين والاتفاق الذي تم معهم٬ كما ذكره بموقف الضباط الذين عملوا على تولية رئاسة الوزراء. كما حاول السبعاوي أن يستخدم نهج الضغط الإعلامي على الوزارة عن طريق انتقاء (الاغنية) كأسلوب في تضمين التهكم والانتقاد الى سياسة الحكومة٬ فقد عهد في حينه الى بعض أصدقائه من موظفي الحكومة إذاعة احدى أغنيات المطرب (محمد القبانجي) وهي اغنية (عيني جميل اشبدلك) ولعدة مرات في اليوم مما حدا بوزارة الداخلية الى منع اذاعتها بعد أن تنبأت ان القصد من اذاعتها هو المدفعي بشخصه.

خضع الملك غازي لرغبة الكتلة القومية العسكرية لتبديل المدفعي بنوري السعيد، وبالفعل قدم المدفعي استقالته في 24 كانون الاول 1938 وحل محله في اليوم لتالي نوري السعيد بتشكيل وزارته الثالثة.

ادرك (السبعاوي) خطورة اجراءات نوري السعيد للتخلص من خصومه وابدى معارضة لذلك، لذا فقد حاول السبعاوي مع محمد صديق شنشل لفت نظر ضباط الكتلة القومية وتحذيرهم من مغبة ذلك، الا ان مسعاهما بهذا المجال لم يجد له وقعا فعالا لدى ضباط هذه الكتلة.

أعلنت حكومة نوري السعيد في بيان جاء فيه ان الملك غزي قد توفى ليلة 3/4 نيسان 1939، على أثر اصطدام سيارته التي كان يقودها بنفسه بعامود الكهرباء، وما لبثت هذه الحكومة أن أعلنت عن تولية ابنه الأمير فيصل ملكا على العراق باسم الملك (فيصل الثاني) وتنصيب خاله الامير عبد الاله بن علي وصيا لحين بلوغه سن الرشد.

ويبدو ان مصرع الملك غازي (الغامض) قد ترك تأثيره على السبعاوي لاشتراكهما كما يظهر في بعض النقاط البارزة، فكلاهما كان يولي القضايا العربية اهتماما ملحوظا، وكلاهما كان يجاهر ايضا بالعداء للانكليز واهدافهم ومخططاتهم، وفي وقت لاحق لاسيما بعد قيام ثورة نيسان – مايس 1941، كلف السبعاوي أحد الضباط للقيام باجراء تحقيق واسع في مصرع الملك غازي، ربما أراد من خلال ذلك الضغط السياسي على الوصي عبد الالهوالموالين له بل والانكليز أيضا.

سعت حكومة نوري السعيد الرابعة (6 نيسان 1939 – شباط 1940) الى السيطرة على الاوضاع الداخلية، لاسيما ان تطورات الوضع الاوربي كانت تنذر بالحرب. ويبدو ان نوري السعيد وعلي جودت الايوبي قد أعلنا استعدادهما لاعلان العراق الحرب على ألمانيا والمشاركة بها. وعلم السبعاوي بالخبر عن طريق رشيد علي الكيلاني الذي كان آنذاك يشغل منصب (رئيس الديوان الملكي)، فقام السبعاوي بنقله الى الكتلة القومية العسكرية، وعلى أثرها اتجه وفد يضم محمد يونس السبعاوي ومحمد أمين العمري واسماعيل نامق وكامل شبيب الى دار طه الهاشمي في نقطتين أساسيتين: الاولى: أن معهدة 1930 العراقية – البريطانية لا تلزم العراق دخول الحرب الى جانب بريطانيا في حالة اندلاعها – والثانية: ان اعلان الحرب على ألمانيا يعني وضع أعباء جديدة على كاهل العراق، ومن الافضل للعراق الاعلان فقط عن قطع العلاقات البلوماسية معها.

أثر الاجتياح الالماني لبولندا في أوائل شهر أيلول 1939، طلبت الحكومة البريطانية من الحكومة العراقية الالتزام بتعهدات العراق ازاء بريطانيا بموجب معاهدة ١٩٣٠ ٬ لذا عقد مجلس الوزراء في ٥ أيلول اجتماعا برئاسة الوصي عبد الاله٬ وعلى ما يظهر ان السبعاوي ورفاقه قد أثرا على رأي طه الهاشمي الذي حضر الاجتماع وعارض مسألة قيام العراق بإعلان الحرب على ألمانيا وطالب فيه بقطع العلاقات فقط٬ وفعلا اسفرت نتيجة الاجتماع عن الإعلان عن قطع العلاقات الدبلوماسية مع ألمانيا. واحتجز نوري السعيد الرعايا الالمان وسلمهم أسرى حرب لحكومة الهند. كان موقف السعيد هذا بمثابة البداية الأولى (لافتراق) السبعاوي والكتلة القومية العسكرية عن نوري السعيد ومسوغا لازدياد مخاوف بريطانيا٬ لاسيما بعد أن أصبح الجيش يشكل أبرز مواقع المعارضة٬ وازدادت شقة الخلاف بينهم وبين السعيد بعد لجوء الحاج محمد امين الحسيني (مفتي القدس) الى بغداد في ٥ تشرين الأول ١٩٣٩٬ الذي وثق صلاته بقادة الجيش ونخبة من الشباب ذوي الميول الوطنية والقومية وعدد من كبار الساسة في العراق٬ كما أخذ السبعاوي يكثر من اتصالاته بالمفتي الحسني والتردد عليه.

 

كان نوري السعيد وبعض السياسيين ومعهم العقداء الأربعة يميلون لفكرة تأليف الكيلاني للوزارة البديلة٬ وتم ارسال السبعاوي وجمال المفتي الى (أمين العمري) في محاولة لرأب الصدع وتطمينه بأن العقداء الأربعة حريصون على وجوده داخل الجيش وعلى وحدة الجيش وترابطه. والتمس المبعوثان (السبعاوي والمفتي) من أمين العمري الابتعاد عن كل محاولة ترمي الى تمزيق الوحدة الوطنية. لان في ذلك خدمة لأعدائهم من الإنكليز واعوانهم٬ غير ان محاولة السبعاوي وزميله المفتي باءت بالفشل. أثرها وضع اللواء أمين العمري الوحدات التي تحت أمرته في معسكر الوشاش بالإنذار والاستعداد لكل طارئ. كما قام العقداء بوضع وحداتهم في معسكر (الهنيدي) الرشيد بالإنذار. حضر السبعاوي في صباح ٢٢ شباط ١٩٤٠ الى معسكر الرشيد واجتمع هناك مع العقداء الأربعة ونوري السعيد وطه الهاشمي وحميل عبد الوهاب وسامي شوكت استعدادا لمواجهة الموقف٬ لاسيما بعد أن تمكنوا من عزل معسكر الوشاش عن باقي وحدات الجيش وكان السعيد قد سحب استقالة وزارته من الوصي٬ وقرر إحالة حسين فوزي وأمين العمري وعبد العزيز يا ملكي على التقاعد وأذعنوا للآمر. وهكذا انفرد العقداء الأربعة في السيطرة على الجيش بعد هذه الإحالة وأصبحوا بذلك قوة فاعلة تؤثر على مجرى السياسة العراقية٬ لا سيما بعد تعينهم والموالين لهم في مناصب جديدة٬ فقد جرى تعيين (أمين زكي سليمان – رئيسا لأركان الجيش وكالة) وصلاح الدين الصباغ (قائدا للفرقة الثالثة) وكامل شبيب (قائدا للغرفة الأولى) ومحمود سلمان (قائدا للقوة الجوية) وفهمي سعيد (آمرا للقوة الآلية) وقاسم مقصود (قائدا للفرقة الثانية).

أعاد نوري السعيد تشكيل الحكومة للمرة الخامسة في ٢٢ شباط ١٩٤٠ بعد اعتذار رشيد عالي الكيلاني ومحمد الصدر ومجموعة من السياسيين عن تولي رئاسة الوزارة٬ الا ان نوري السعيد أيقن بعد حين بضرورة التخلي عن رئاسة الوزارة٬ على أن يدخل هو ضمن التشكيلة الوزارية الجديدة٬ وزيرا للخارجية وطه الهاشمي وزيرا للدفاع. الا ان الكيلاني تردد بادئ الامر٬ ثم ما لبث أن وافق على ذلك بعد أن تبلورت لديه فكرة تأليف (حكومة ائتلافية).

شكل الكيلاني وزارته الثالثة في آذار ١٩٤٠ واحتفظ لنفسه بوزارة الداخلية٬ وقد ضمت في صفوفها أعضاء سياسيين بارزين فقد تولى نوري السعيد الخارجية وطه الهاشمي للدفاع وناجي شوكت للعدل وناجي السويدي للمالية وعمر نظمي للأشغال ومحمد أمين زكي للاقتصاد وصادق البصام للمعارف ورؤوف البحراني للشؤون الاجتماعية. وبدت منذ بداية تشكيلها وكأنها حكومة موازنة بين الاتجاهات الوطنية والعسكرية من جهة والبريطانية من جهة أخرى وتستهدف الاستقرار السياسي.

لم يمضي اكثر من شهرين على حكومة الكيلاني حتى واجهت التغييرات السريعة في الموقف الحربي في أوربا الى جانب تصاعد حدة النشاط الوطني والقومي٬ ومن ثم تدهور علاقاتها مع بريطانيا٬ ففي نيسان ومايس ١٩٤٠ احتل الالمان الدنمارك والنرويج وهولندا وبلجيكا٬ كما أعلنت إيطاليا دخولها الحرب الى جانب ألمانيا في العاشر من حزيران على أثر الاجتياح الألماني لفرنسا في الأول منه ودخولهم باريس في ١٤ حزيران٬ حينها طلبت الحكومة البريطانية من حكومة الكيلاني قطع العلاقات مع إيطاليا كذلك٬ إلا ان الحكومة العراقية رأت ان من الأنسب ووفق معاهدة ١٩٣٠ التريث في الامر واتخذت بذلك قرارا على أثر اجتماع مجلس الوزراء في ١١ حزيران ١٩٤٠.

كان السبعاوي ومنذ اندلاع الحرب من جملة الداعين الى التزام جانب الحياد والى حين انجلاء الوضع وما سيتمخض من نتائج الحرب من تطورات٬ كما كان من رأيه كذلك مجابهة بريطانيا معتقدا منذ البداية بأنه ليس من حقها أن تفرض على العراق أي موقف ضد مصلحته.

أجرت حكومة الكيلاني اتصالات مع الحكومة الألمانية من خلال ناجي شوكت خلال لقائه مع فون بابن (السفير الألماني في إسطنبول) خلال شهري تموز وآب ١٩٤٠ ٬ فضلا عن محادثات أجراها الكيلاني مع غابريللي (الوزير المفوض الإيطالي في بغداد) بين حين وآخر. وكان السبعاوي مؤيدا لهذه المساعي التي يقوم بها الكيلاني للاتصال بدول المحور.
لم تكن تحركات الوزارة الكيلانية خافية على الإنكليز٬ لذا مارست الحكومة البريطانية ضغوطا شتى على الوزارة القائمة٬ وأعلنت على لسان سفيرها في العراق٬ أثر اجتماعه بالوصي ونوري السعيد في ١٦ تشرين الثاني ١٩٤٠ بعدم ثقتها بالحكومة القائمة وعلى العراق أن يختار أحد حلين. اما الاحتفاظ بالكيلاني رئيسا للحكومة واما الاحتفاظ بصداقة بريطانيا٬ وقد اعترضت الحكومة العراقية على هذا التدخل البريطاني الفاضح والصريح في شؤون العراق رسميا٬ غير ان الوصي وبدعم من نوري السعيد وتنفيذا لرغبة بريطانيا طلب في ١٧ كانون الأول ١٩٤٠ من الكيلاني تقديم استقالة حكومته٬ غير ان الكيلاني وطه الهاشمي وناجي السويدي احتجوا لدى الوصي على اقتراحه هذا وعدوه امرا غير دستوري. على أثر ذلك اجتمع السبعاوي والكيلاني والعقداء الأربعة في دار المفتي الحسني٬ وقرروا أن يصدر الكيلاني تصريحا يطمئن الحكومة البريطانية تجاه الوزارة القائمة٬ وقد صدر التصريح في خطاب ألقاه الكيلاني في 21 كانون الاول 1940 في المجلس النيابي، وأكد على استمرار العلاقة القائمة بين العراق وبريطانيا بموجب معاهدة 1930. على الرغم من صدور هذا التصريح فقد استمرت بريطانيا في ممارسة الضغط على الوزارة، ولتخفيف الازمة اقترحطه الهاشمي أن يستقبل نوري السعيد وناجي شوكي. لكن الوضع ظل متأزما بين الكيلاني وبين الوصي ومن معه على الرغم من استقالة نوري السعيد وناجي شوكت على التعاقب في 19 و 25 كانون الثاني 1941، في الوقت الذي استمر فيه القادة الاربعة في مساندة الكيلاني فضلاعن تحريض السبعاوي لهم وتصميمه على بقاء الكيلاني في رئاسة الحكومة في 28 كانون الثاني 1941 تم تعيين السبعاوي وزيرا للاقتصاد في وزارة الكيلاني الثالثة بموجب الارادة الملكية رقم 37 لسنة 1937، وعلى ما يظهر فان السبعاوي استبشر خيرا بهذا التكليف ليكون وسيلة لتحقيق الاهداف الوطنية والقومية التي كان يصبوا الى تحقيقها.

واستقالت حكومة الكيلاني في 31 كانون الثاني 1941 عندما عزم الوصي عبد الاله على احراجها واجبارها على الاستقالة، وذلك بتركه بغداد والتجائه الى الديوانية، وقد ترتب على ذلك أزمة سياسية ودستورية حادة في البلاد، وعلى أثرها اجتمع مجلس الوزراء الذي حضره كذلك قادة الجيش (باستثناء كامل شبيب) والمفتي ووكيل رئيس أركان الجيش، وقد استقر رأي الوزارة وقادة الجيش على ضرورة استقالة الوزارة. الا ان السبعاوي انفرد معارضا هذا القرار ونادى بوجوب منع مجلس النواب من عقد اجتماعه المرتقب ووجوب استمرار الوزارة في المقاومة والصمود. ويذكر صلاح الدين الصباغ في مذكراته المنشورة (فرسان العروبة) ص 252 وما بعدها، ان السبعاوي عد الاذعان لطلب الوصي بمثابة الانصياع له، واعلاءا لشانه على حساب مصلحة البلاد الوطنية والقومية، وذلك لان الوصي من خلال مسايرته للانكليز، باعتقاد السبعاوي (يسوق البلاد الى كارثة اذ يزج بها في أتون الحرب). ومع ذلك فقد تغلبت فكرة استقالة الوزارة بعد حضور محمد الصدر (رئيس مجلس الاعيان) وطه الهاشمي، اجتماع مجلس الوزراء، وقد حث الكيلاني على ضرورة تقديم الاستقالة، وبعد ان وضعت مسودة الاستقالة أجرى عليها بعض التعديلات، الا انه لم يرق للسبعاوي مضمون الاستقالة، لا سيما انها خلت من الاشارة في نص مسودتها الاصلية الى (الضغوط البريطانية) بشكل خاص والتي كانت لها اليد الطولى في ازاحة الوزارة عن سدة الحكم. وهنا تعمد السبعاوي أن يضيف الى نصها وبخط يده عبارة (الايدي والمصالح الاجنبية).ولابد ان السبعاوي قد قصد ما يمكن اعتبار هذه العبارة رد جزئيا اتسم في حينه بالروح الوطنية والقومية الجياشة التي كان يؤمن بها بقوة واندفاع شديدين – جسد بعضا منها في احاديثه في مجلس النواب العراقي – كما سنرى – . يتبع