ذاكرة لبنان التراثية (2) – غفران حداد

ذاكرة لبنان التراثية (2) – غفران حداد

أبو وجيه.. أقدم شرطي مرور في بيروت

«رزق الله ع أيامك يا ابو وجيه « جملة نسمعها مراراً من سائقي سيارات الأجرة كلما تكون شوارع بيروت «عجقة»، والمواطنين الشباب او المغترب العربي لا يفهم معنى الجملة في بادئ الأمر، لكن البيروتيين القدامى خصوصا من جيل الستينات والسبعينات الذين عاصروا «عبد الرحمن برو «أبو وجيه «أشهر شرطي في تاريخ سير مرور بيروت ،يعرفونه جيداً ويدركون قيمة انضباطه للسير.

كان مكان عمله في «تقاطع بشارة الخوري«  وهو اكبر تقاطع والأكثر صعوبة كونه الشريان الرئيس الذي يربط مناطق العاصمة وشوارعها وأحياءها وتفرعاتها، رقعة جغرافية مزدحمة جدا خصوصاً في فترة الصباح، كان ابو وجيه أشبه برجل متحرك، مليء بالإشارات الإضافية، التي لم يتقنها غيره، هندامه مميز، طويل القامة، ممشوق القوام، مفتول العضلات كأنه جسد ملاكم، لم يحمل يوماً الصافرة، ولا دفتر المحاضر، فقط إذا ارتكب مخالفة أحد السائقين عن السير، أو لم يمتثل لإشاراته، كان يعاقبه بقبضته الفولاذية بضربة على غطاء محرك السيارة  فتكون الخسارة أكبر من قيمة محضر ضبط، يصل في حينه الى خمس ليرات، ماكان هذا العقاب كافياً لخوف اي سائق يفكر بأن لا ينضبط في السير او عدم الامتثال لإشاراته، لذا كان سائقي السيارات يهابونه كثيراً، وخاصة سائقي السيارات العمومية، رغم ذكائه ونجاحه في عمله كشرطي مرور لكنه لم يدخل المدرسة يوماً، كان أمياً ويقال أن ضابطه أمره ذات مرة بإحضار رقم سيارة مخالفة، فذهب وانتزع اللوحة منها، وأحضرها للضابط، لأنه لا يجيد القراءة والكتابة.

مفارز السير

جاء عبد الرحمن برو «ابو وجيه« الى مفارز السير من بلدية بيروت، حيث في البداية كان يعمل حارسا بلديا في العاصمة ثم عمل لمدة قصيرة في السكك الحديد، عندما كان لبيروت تراموي يربط بين شارع بلس ومنطقة النهر والحرش، ليتم إسناد له مهمة شرطياً بلدياً عندما تكاثرت السيارات ودمج هذا الجهاز بقوى الامن الداخلي، التحق به ومعه خبرته وذكائه في تعاطيه مع سلوكيات السائقين وزحمة شوارع بيروت التي لا تهدأ.

اصيب ابو وجيه بسرطان الرئة، لكثرة ما تنشق من انبعاثات السيارات من غازات سامة.. انقطع الرجل عن الحياة بعد ان توقف عن اداء دوره على مسرح العمل والحركة، لكن حتى بعد رحيله، لازالت الناس عبر مواقع التواصل الإجتماعي تتذكره بحسرة كبيرة بانه من رجالات سير مرور بيروت التي لن تتكرر، غيبته ايام الحرب الأهلية اللبنانية، ويروى انه عاش سنواته الأخيرة من حياته في فقر وبؤس ولم يحصل على معاش تقاعدي تثميناً لسنوات شبابه التي افناها في عمله.