
دموع الشعب – عبد الكريم يحيى الزيباري
كلُّ الشعوب تصمد في الحرب، لكن أيُّ شعبٍ يتحمَّل ويلات حربٍ طويلة؟
كيف يمكن للنفوذ الأمريكي أنْ يمتد ويقوَى بلا حروب؟
كيف استطاعت روما أنْ تحكمَ العالَمَ أكثرَ من ألف عام؟ بالسخرية من دموع الشعوب الضعيفة الغبية؟ (يقتطعون جزءاً من أرض المغلوب ويسلمونه للحليف، هكذا يبلغون هدفين: ضمان وفاء مَنْ يخشونه قليلاً ويأملون منه الكثير، وإضعاف من يخشونه كثيرا… يستخدمون الحليف لقتال العدو، ثم دون تهاون ينقلبون عليه ويدمرونه… كلما واجهوا أعداءً، صالحوا الأضعف الذي يسعد بإمهالهِ وإرجاء ساعة هلاكهِ/ مونتسكيو، تأملات في تاريخ الرومان، ص65).
هل هناك إغراءات للغزو وشن الحرب، أكبر من ميل المواطنين إلى السلم وعدم رغبتهم واستعدادهم للحرب؟
هل هناك إغراءات أكبر من فرقتهم وتشتتهم؟ إذا اندلعت الحرب، يخطئ من يريد السلامة بالتزام الحياد؟
هل يمكن لأنقرة أن تدخلَ في حلفٍ مع طهران ضدَّ أربيل؟
أليس من الأقرب أنْ تدخلَ أنقرة وأربيل وواشنطن في حربٍ ضدَّ طهران في جالديران جديدة؟
هل من المعقول أنْ تقع طهران في الفخ؟
لماذا ما زالت موسكو تلتزم الصمت؟ لماذا يبدو موقف واشنطن غامضاً متذبذباً؟
أليس من الأفضل لأنقرة الاحتفاظ بعلاقاتها القوية مع أربيل؟
وقَّعَ إقليم كردستان عقداً كبيراً مع شركة روسنفت الروسية لاستثمار غاز كردستان عبر تركيا وأوروبا. لكن تركيا تُلمِّح إلى غلق الحدود، وبذلك تخسر مورداً اقتصادياً مهما، حيث بلغت صادراتها إلى العراق 9،11 مليار دولار، حصة كردستان 8 مليارات دولار للعام 2013. تجري القوات المسلحة التركية على امتداد كيلومتر من أجل الدخول إلى العراق عبر بوابة الخابور الحدودية لتستمر التدريبات العسكرية، لغاية 25 أيلول بعد يومٍ واحد من إجراء الاستفتاء على استقلال إقليم كردستان العراق.
هاجمَ الجيش السوري حلفاءه الكرد، بعدما سيطر على بلدتي الشويحان وجعيدين 40 كلم جنوبي محافظة الرقة، أغارت مقاتلة سوخوي سورية على القوات الكردية، أسقطتها أمريكا، وهذا إعلان أمريكي خارجي عن تأييد واشنطن للكرد، وباطني أنَّ الحرب المقبلة بين الكرد والعرب في سوريا، ستكون أشرس وأطول!
انفصلت سوريا عن مصر 1961، في أيلول 1962 أرسلَ ناصر ثلاث طائرات حربية وفرقة قوات خاصة إلى اليمن في حرب ظنَّها نزهة، لكن النزهة طالت وتحولت إلى مأساة، اعترضَ كمال الدين حسين عضو مجلس قيادة الثورة المصرية فوضعه ناصر تحت الإقامة الجبرية. دخلت القوات المصرية إلى اليمن وهي لا تعرف شيئاً عن أسباب وأهداف الحرب التي ستخوضها في منطقة وعرة، عام 1965 وقَّع الملك فيصل مع ناصر وثيقة الانسحاب من اليمن، لا أحد يتحدث عن هذه الحرب، لكن بعض الجنرالات المصريين يسمونها فيتنام مصر، هذه الحرب كانت مقدمة النكسة بحسب المؤرخ الإسرائيلي ميخائيل أورين. أصيبَ الجيش المصري بخيرة قواته ودفنَ أكثر من عشرين ألف رجل في اليمن.
نصبت أمريكا فخَّاً للاتحاد السوفيتي في أفغانستان 1979- 1989، انهارَ بعدها الاتحاد إلى جمهوريات، وانتهت الحرب الباردة، وبسبب صعود نجم بوتين واحتلاله الشيشان وأبخازيا نصبت له فخَّاً في سوريا!
اقتحمَ الجيش العراقي الحدود الإيرانية وتوغَّل في المحمرة وعبادان وقصر شيرين وتوقف أمام ديزفول، سقط معظهم في الأسر. كانت المخابرات الأمريكية قد زوَّدت العراق بتفاصيل دقيقة عن انهيار الجيش الإيراني بسبب إعدام الخميني لمعظم القادة والضباط، ووعدت أمريكا بأنَّ العراق سيدخل طهران في ثلاثة أيام، وسيصدر مجلس الأمن قراراً بوقف إطلاق النار في اليوم السادس، والتزمت أمريكا بوعدها، لكن الخميني رفضَ بعنف: لماذا لم يذكر قرار مجلس الأمن وجوب انسحاب الجيش العراقي من الأراضي الإيرانية؟ وكان الفخُّ مزدوجاً.
استدعى صدام أبريل غلاسبي سفيرة واشنطن في بغداد إلى مكتبه الرئاسي في 25 تموز 1990، وأخبرها بمعاناته الاقتصادية، وديون 40 مليار دولار وتخفيض أمريكا لأسعار النفط، مقابل الخدمة التي قدمها العراق بحماية أصدقاء أمريكا وحربه مع إيران، التي سعت أمريكا إلى إطالتها، واعترفَ صدام بالتفوق العسكري الأمريكي، لكن العراق يشعر بالإهانة وهذا سيدفع إلى قيامهِ بتصرفات لا تعرف المنطق. حاولت غلاسبي إيصال فكرة أن الإدارة الأمريكية تسعى إلى تعميق العلاقات مع العراق، وأن واشنطن غير مسؤولة عن الانتقادات التي توجهها الصحافة الأمريكية إلى صدام، لأنها لا تسيطر على الإعلام، وأن الصحف لا تعكس موقف الإدارة. شرحت غلاسبي قلق البيت الأبيض من تصريحات طارق عزيز: تصرفات الكويت توازي الاعتداء العسكري؟
ومن تحريك الحرس الجمهوري العراقي إلى الحدود الكويتية. وبحسب وثيقة ويكليكس، قاطع صدام غلاسبي:
كيف يمكننا أن نجعل الكويت والإمارات تفهمان مدى معاناتنا، لدينا مصاعب مالية سنضطر معها قريباً إلى قطع الرواتب عن أرامل ويتامى الحرب. أشارت غلاسبي إلى أن المترجم وأحد المدونين لمحاضر اللقاء انهارا عصبياً وأجهشا بالبكاء. وكان هذا مثار سخرية البيت الأبيض!
ليست واشنطن أكثر سخرية من شيوخ روما بدموع الشعوب، الذين (لم يشهروا أبداً الحرب على عدو بعيد من دون أن يكون لهم بجواره حليف يضمُّ جنوده إلى جنودهم…
محتفظين بجيشٍ ثانٍ جاهز على التخوم وبثالث في روما على أهبَّة الانطلاق، وبهذه الطريقة لا يغامرون إلا بجزءٍ صغير مما لديهم من عدة، بينما يخاطر العدو بكلِّ قواه/ مونتسكيو، تأملات في تاريخ الرومان، ص71).























