دفاعاً عن حرية الفكر ـ د. حسن حنفى

دفاعاً عن حرية الفكر ـ د. حسن حنفى
ارتبطت الثورات بحرية الفكر قبل حرية الشعوب. مثال ذلك الثورة الفرنسية. فقد قام الفكر الحر عند روسو، وفولتير، ومونتسكيو، ودالمبير وفلاسفة دائرة المعارف بدورهم فى نقد الاستبداد الدينى والاستبداد السياسى. وظلت مؤثرة فى باقى الشعوب مثل الثورة الأمريكية ضد الاستعمار البريطانى. فى حين أن الثورة الروسية بعدها بقرن ظلت وإلى قرن ونصف ثم انتكست هى ومحيطها التى أثرت فيه باستثناء الصين وكوبا لأنها بدأت بالعدالة الاجتماعية أى بالنظام الاجتماعى دون أن تبدأ بتحرير الفكر أولا.
وكذلك الثورة العربية فى مصر فى 1952، والعراق فى 1958، وليبيا فى 1969 وسوريا واليمن بصرف النظر عن مدى تطبيقهما للاشتراكية واتباعها النموذج السوفيتى فقد انقلبت إلى الضد من الاشتراكية إلى الرأسمالية ومن القطاع العام إلى الانفتاح الاقتصادى، ومن التحالف مع الشرق إلى التحالف مع الغرب، ومن تحرير فلسطين إلى الصلح مع إسرائيل. ومنذ البداية تحولت الثورة المصرية من 1952 1954 من ثورة تقوم على التعددية الحزبية إلى ثورة من 1954 إلى نهايتها فى 1970 ثم فى 1981 ثم فى 2011 تقوم على الحزب الواحد لأنها لم تبدأ أيضا بحرية الفكر أولا. فالمثقفون أحرار لكن افرمهم أو اسجنهم .
وجاءت ثورة يناير 2011، ثورة المطحونين والمهمشين، طلابا، وعمالا، والعاطلين، والجوعى. وجعلت الحرية من ضمن أهدافها مع العدالة الاجتماعية والكرامة الإنسانية، ولكنها جازفت بفقدان الكل. وبدأ تضييق الخناق عليها فى السنة الثانية باسم الدين وفى السنة الثالثة باسم الجيش والاستقرار السياسى والحفاظ على البلاد ضد مخاطر الحرب الأهلية. وهو ما لم يمنع البلاد من الوقوع فى الشقاق الوطنى بين فريقين متصارعين، علمانيين وإسلاميين، علمانيين فى الحكم وإسلاميين فى المعارضة، واستحالة المصالحة بين الاثنين بالرغم من تقارب أهداف الشريعة والقيم العلمانية.
فالثورة لم تبدأ بالفكر أولا بل أصبح الفكر تبريريا تابعا للثورة بما فى ذلك أخطائها مثل هزيمة 1967. وغاب الفكر النقدى. واتهم العلمانيون الإسلاميين بالخيانة. واتهم الإسلاميون العلمانيين بالكفر. وبدأت الثورة تضيق بنفسها. لا تسمح لا بنقدها فكرا ولا عملا. فالثورة طريق واحد لا تسمح بالتشتت ولا بالتعدد حرصا على وحدة الأوطان. وبدأت الحرية تقل تدريجيا مهما تم التذكير بالقضية الضباط الأحرار أم المفكرون الأحرار؟ . أصبح الفكر السياسى إما دفاعا عن الثورة وقائدها أو الهجوم على المعارضة الإسلامية. وغاب التحليل العلمى الهادئ لوضع الثورة والطبقات التى انتسبت إليعا وطريقة محاكمة المسئولين من رجال الحكم السابق. وضاقت حرية الإيمان بسيادة التيار الدينى. وغابت حرية الفكر بسيادة الفكر التبريرى. ونشطت الرقابة فى أجهزة الدولة. وغابت الحرية التى كانت أول شعارات الثورة. وعادت الرقابة على المطبوعات. وانتشر زوار الفجر. ولا أحد يستطيع أن يتكلم. فالمعارض السلمى مصيره الاعتقال. والمعارض الإسلامى العنيف مصيره السجن.
وعاد زوار الفجر للقبض على النشطاء دينيا أو سياسيا. وظهر النظام الشمولى سواء باسم الدين أو باسم الدولة. وعادت الرقابة على الصحف والمطبوعات والمصنفات الفنية بطريق غير مباشر. وامتدت الرقابة إلى سلوك المواطنين مما اضطر بعض النشطاء إلى مغادرة البلاد قبل القبض عليهم.
أو وضعهم على قوائم الممنوعين من السفر. وعاد الإعلام والرأى الواحد الذى كان سائدا فى بداية الثورة بعد أزمة مارس 1954. واصطف الإعلاميون فى طريق واحد إما لمدح النظام أو الهجوم على أعدائه. وخرجت نتائج استطلاع الرأى العام دائما 99.9 كما كان الحال قبل ثورة يناير 2011 للدلالة على مدى شعبية النظام الحاكم والتى لم تمنع الجماهير من الثورة عليه. والخوف من البداية بالاستبداد الفكرى على أنه سلمى، ولا يمس إلا المثقفين والانتهاء بالاستبداد السياسى العنيف الذى يعم الخاصة والعامة. فالاستبداد هو الاستبداد على اختلاف أنواعه. وقد يربى فى المستبد به عقدة الخوف إن لم تكن لديه الشجاعة الكافية لمقاومة الاستبداد. وقد تربى لديه عادة النفاق أن يتحول الخطاب السياسى الإعلامى إلى خطاب كاذب. يقول باللسان ما لا يعتقد بالقلب. وقد كان أهم ما نعتز به قبل ثورة يوليو 1952 هى حرية الفكر، حرية الصحافة والمطبوعات. لذلك وصف العصر كله بالعصر الليبرالى والذى يود البعض العود إليه والتخلى عن مكاسب ثورة يوليو 1952. وتمتد هذه الفترة أيضا إلى السنة الأولى من الثورة عندما كان الضباط الأحرار مشغولين بتصفية ما بينهم من صراعات عن الانتباه إلى السيطرة على القوى السياسية الشعبية كالوفد والإخوان والشيوعيين ومصر الفتاة. وهى القوى التى تشكلت منها أيضا مجموعات الضباط الأحرار. وهى أيضا السنة الأولى لثورة يناير 2011 عندما كانت كل الفرق السياسية فى نشوى انتصار الثورة وسقوط الاستبداد.
ثم بدأت الثورة تتجاذبها أطراف وقوى سياسية متعددة. فنشأ الاستبداد الدينى التقليدى الممثل فى المؤسسات الدينية وفى العقائد الشعبية وفى الموروث الدينى التقليدى كالأشعرية فى العقيدة، والحنبلية فى الفقه وأصوله، والإشراقية فى الفلسفة. وهو ما يؤثر فى سلوك الناس عبر المساجد والمواعظ والخطب والموالد والثقافة الدينية الشعبية.
وهناك الاستبداد العسكرى وهو ما تعود عليه الناس فى العقود الأخيرة ويقوم على الأمر والطاعة. وقد يتحد الاستبدادان الدينى والعسكرى فى استبداد بنيوى واحد يظهر فى الاستبداد الاجتماعى الذى تمثله شخصية سى السيد فى ثلاثية نجيب محفوظ. وهو ما يتجلى بالإضافة إلى رب الأسرة، والمدرس، والناظر، والغفير، والعمدة، وشيخ البلد، والشرطى، والأستاذ، والعميد، والمدير، والرئيس.
فهى بنية رأسية واحدة. تصدر الأوامر من أعلى إلى أسفل وتقابل بالسمع والطاعة دون اعتراض. ومن أراد الوصول فعليه بالصعود من أسفل إلى أعلى وليس إلى الأمام فى تصور أفقى. لذلك انتشر التصوف. وذاعت الطرق الصوفية. فالطريق الصوفى يبدأ من أسفل إلى أعلى، من التوبة إلى الفناء.
والسؤال هو كيف نتجنب العودة إلى الوراء فى الثورة العربية، تندلع ثم تنتكس فى تصور دائرى أو على الأقل فى تصور لولبى حيث التقدم الخطى جزءا من الدائرة وليس منفصلا عنها؟ كيف تضمن ثورة دائمة لا انتكاس فيها مهما تعددت الأسماء نكسة، نكبة، هزيمة؟ كيف لا تحدث إحباطات عند أجيال الثوار وهم يرون أن التضحيات التى قدموها أقل بكثير من النتائج التى حصلوا عليها؟ كيف تخرج من إطار ابن خلدون أن الدورة التاريخية لا تتجاوز أربعة أجيال، وإذا كان الجيل أربعين عاما أى أن الثورة لا تتعدى مائة وستين عاما؟ كيف نضمن تراكما ثوريا يجعل الثورة حاملا للتقدم كما هو الحال فى فلسفة التاريخ فى الغرب ابتداء من هردر ولسنج؟ كيف يتم التحرر من الأنساق الذهنية القديمة المترسبة من التراث والتى تجعل خير القرون التى مضت؟ كيف نجد تنويرا، ليس التنوير الغربى بالضرورة، والذى يعتمد على العقل والعلم والحرية والتقدم وهى مقاصد الشريعة مقروءة قراءة جديدة بل تنويرا من صلب التراث وعلومه النقلية العقلية، الكلام والفلسفة والتصوف والأصول، والعلوم العقلية والطبيعية ثم تحويل العلوم النقلية التى تركناها منذ ألف وأربعمائة عام إلى علوم عقلية أو على الأقل إلى علوم نقلية عقلية، اتجاها نحو العقل وتخفيفا من سيطرة النص وتوسطه بين العقل والواقع؟
AZP07