
حرية التعبير.. شروطها وقوانينها وحدودها – تمام عدنان حسين
كثيرا ما نقع في تصورات خاطئة بشأن حرية التعبير، حتى من هم أكثرنا وعيا وتحررا، ولا يمكننا رؤية الخط الرفيع الذي يفصل الحرية عن الممنوع قانونيا وغير المقبول أخلاقيا. لست أود الدخول في تفاصيل مملة حول هذا الشأن، ولكنني أود توضيح المسائل الرئيسية التي تلتبس على أكثر الأصدقاء، ليستطيعوا بعد قراءتهم الموضوع التمييز بين الحرية المشروعة وغير المشروعة.. وبين ما هو قانوني وغير قانوني وبقية التفصيلات..
تعرف الحرية_حرية التعبير بشكل ادق_ على أنها: إمكانية طرح الآراء والأفكار بعمومها ومناقشتها دون القيود التي تعوق ابداعها وترهب مبدعيها، ولا يستثنى من ذلك حتى الآراء المضللة والأكثر تعصبا واثارة لغضب القراء! فالملحد: يمكنه التعبير عن قلقه بشأن الأديان، ناهيك عن سبها وقذفها والتشهير بها.. والمؤمن المسلم: يمكنه التعبير عن ازدراءه الإلحاد او بقية الأديان ومعتنقيها وسب مذاهبها والتشهير بها.. كذلك الأمر بالنسبة لبقية معتنقي التوجهات والأفكار..
قد يكون لهذه الإباحة سلبياتها بنظر الكثير، وقد يراها البعض اداة لتفرقة المجتمع وتدنيسه بشتى الآراء غير الصالحة، ولكن، لو تمعنا جيدا بمعنى أن تكون هنالك حرية مباحة للجميع، بغض النظر عن رأينا بما يمكن ان تنتجه فسنرى بأن الإباحة العامة عامل رئيسي في تآلف المجتمع ونهوضه وإنتاجه. فلو إننا ذهبنا لفرض القيود على فئة من الناس لا تعجبنا آرائهم سيكون من حق فئة أخرى المطالبة بتحجيم آرائنا لأنها لا تعجبهم، ولوقعنا بشرك ما يطلق عليه “المنحدر الزلق” على حد تعبير نايتشل ووربيرتن ويعني سلسلة المنع التي اذا ما بدأت بحجب رأي واحد لا يعجب فئة من الناس سيتعاظم المنع ليشمل اغلب الاراء المختلفة.. فتنشأ عن ذلك ديكتاتورية مستبدة برأيها(حتى وان كان رأيها هو رأي الأغلبية) فيسلب بذلك الحق الطبيعي للافراد بالتعبير عن آرائهم واستعبادهم فكريا وهذا ما لا يمكن قبوله في ظل نظام تعددي ديموقراطي. ومن ناحية أخرى سيؤدي منع الرأي المخالف لرأيي باعتناقي رأيا ضعيفا “كعقيدة ميتة” كما أسماها فيلسوف الحرية مل، ولا شيء أخطر على الحقيقة من العقيدة الميتة التي يعتقد صاحبها بعصمته من الخطأ ولا يفسح المجال للآراء الجديدة بالظهور، فيتم حرمان البشرية من الحقيقة أخيرا.لا يهم كم هو رأيك صائب وجيد وعميق اذا ما لم تمارس الدفاع عنه ضد آراء تحاول تفنيده، لأنه سيمسي رأيا ضعيفا لا يستحق الاحترام.
“عن الحرية”
للفيلسوف الفيكتوري جون ستيوارت مل، هو الكتاب الأكثر أهمية حول مسألة الحرية في تاريخ البشرية الحديث، وهو المرجع الأساسي لأية مناظرة حول حرية التعبير، ذلك أن مل نجح برسم الخطوط الفاصلة بين المقبول إيجازه وغير المقبول عبر مبدأ عرف ب “مبدأ الضرر” والذي يحدد فيه وجوب منع الرأي المحرض على الإيذاء الجسدي، أو المهدد لأمن واطمئنان وسلامة الغير.. واعتبر مل ان الاراء الكريهة بكل اشكالها نافعة لإثارتها الجدل الفكري الذي يفضي في نهاية الأمر لتلاقح الافكار وانتاج الجديد ودحر القديم والتأكد من صحة السائد..اما على المستوى التفصيلي، فيمكن إيجاز حالات المنع المقبول للآراء عبر الآتي:
– التحريض المباشر على العنف: لما يحتويه من خطورة تهدد سلامة الأفراد الجسدية وتؤثر سلبا على شعورهم بالامان.
– التعدي غير الأخلاقي على الغير: ويشمل تعاطي الصور الجنسية للأطفال، ونشر الصور الشخصية بغايات التشهير لما يمكن أن يؤدي الى ايذاء نفسي وجسدي بحق المعتدى عليهم، وجرائم الإبتزاز بنشر الصور الفاضحة والملفات الشخصية وغيرها..
– سرقة الحقوق الفكرية: ويشمل التعدي على الممتلكات الفكرية للغير.. واستخدامها دون إذن واقتباسها واستخدامها في أعمال فنية أخرى وغيرها.. (حسب القانون الألماني المتبع في عموم اوربا).
اي وبشكل عام فإن الحرية لا يمكن ان تكون مستساغة على المستوى القانوني والأخلاقي اذا ما تحقق مبدأ الضرر بالغير.. اما حالات البواح فليست قابلة للتحديد، لأن تحديدها يعني فرض الوصاية الأبوية على الافكار وما يمكن ان ينتج عنه من تعاظم سلبي غير مستساغ كما أدلفنا سلفا.
الخلاصة: الحرية حق طبيعي للإنسان الحر، وشرط أساسي للإبداع والتطور وتحقق الوصول الى الحقيقة، ومنع أي انسان من ابداء رأيه _مهما كان رأيه سيئا_ معناه منع جميع البشر من إبداء ارائهم. اي مثلا لو ان كاتبا سيئا وبغيضا في رأي الجميع منع قسرا من ممارسة حرية الكتابة وإبداء الاراء السياسية توجب على كل مثقف حر وكل مدافع عن حق الكلام أن يغضب وينبري ?نصافه بنفس الدرجة التي ينصف بها شخصا مشابها لآراءه منع من حرية الكتابة. حتى لو كان ذلك الكاتب لا يؤمن بهذا المبدأ! ولا شيء اوضح من تعبير كينان ماليك حول هذه النقطة حين قال:
“حرية الكلام للجمع.. فحتى حق، التعدي على العقيدة الليبرالية بنفس أهمية حق الإساءة للمعتقدات الدينية أوالحق في معارضة التقاليد الرجعية”. وحسبنا قول فولتير “قد لا أوافق على رأيك، لكنني مستعد للموت من أجل حقك بالتعبير عنه.” يختزل كل القضية.























