
ثالثاً سؤال الكينونة – عبد الكريم يحيى الزيباري
ورابعاً وخامساً وأولاً وثانياً. مَنْ مِنَّا لم يسمع صرخة هاملت: أكون أو لا أكون؟ كيف يستطيع الإنسان أنْ يكون، إذا لم يكن حُرّاً؟ كيف يستطيع الإنسان وهو حر، بأنْ يفعل ما يشاء، ويترك أنْ يكون؟ لماذا يريد أنْ يبدو ولا يريد أنْ يكون؟
وأيَّة حرية هذه التي لا تسمح للإنسان بأنْ يكون؟ وبحسب هايدغر (ليست الحرية إمكانية الفعل أو عدم إمكانيته عن كل قيد، وليست أيضاً الاستعداد للقيام بما هو مطلوب أو ضروري، الحرية قبل كل ذلك: الانصراف إلى كشف الكائن بما هو كذلك) وهي عينها الحرية بحسب سقراط: اعرف نفسك، وهو عينه شِعار معبد دلفي قبل سقراط بمئات السنين، وهو عينه عنوان ميشيل فوكو (الانهمام بالنفس) وهو عينه طريق بعض المتصوفة (مَنْ عَرَفَ نفسهُ، عَرَفَ ربَّهُ، ولا يهلك من عرَفَ ربَّهُ).
إنَّ ربط ماهية الحقيقة كصواب وخير وجمال، بماهية الحرية كشرط للصواب، هذا الارتباط لا يصمد أمام الواقع، إلا إذا كنا مستعدين لإجراء تجربة في الكينونة، تغييرٍ في طريقة تفكيرنا، خاصَةً وأنَّ الموتى والحمقى فقط، هم الذين لا يغيرون آراءهم.
وإلا كيف لإنسانٍ حُرٍّ سويٍّ عاقلٍ أنْ يكون مصدراً للاحقيقة؟ كيف يمكن أنْ يفعل الخطأ وهو يعتقد صوابَ فعلهِ؟ كيف يمكن للخطأ(الباطل) أنْ يتعانق مع (الحق) الصواب ويبدو مثله حتى لا يميز بينهما إلا الآحاد؟ إنَّ ربط الحقيقة بحرية الإنسان، يعني ربطها بذات الإنسان، بأهوائه المتأرجحة، وهذا اغتيالٌ للحقيقة، حتى لو استطاعت هذه الذات البشرية الانسلاخ من الذاتية إلى الموضوعية، ستظلُّ ذاتاً بشرية متأثِّرة بالعواطف والمشاعر والخيالات والعناد والغرور وغير ذلك. ليس ثَمَّة أكاذيب وغش وخُدَع وخراب وظلم ولا حقيقة إلا وكان الإنسان مصدرها، بذاته البشرية النَّافرة من الموضوعية.
إمكانية تداخل الحق والباطل، الحقيقة واللا حقيقة، الخطأ والصواب، لرفع التداخل والالتباس يجب أنْ تتوفر الحرية، هل يمكن اعتبار حكم شخصٍ مكره؟ قول الحق يعتمد على الحرية؟ كيف لقاضٍ غير حر أنْ يحكم بالعدل؟ ما هو الإكراه الذي يقع على الإنسان؟ يقع داخليا من: الساحرة السبعية = الكبرياء + الغضب + التكبر. الساحرة الشيطانية = الحسد + الجشع + الطمع. الساحرة البهيمية = الشهوة + الكسل + الشره + الخوف. ويقع الإكراه خارجياً من السلطة الفاسدة، القمعية. يقول تعالى (وَلا تَلْبِسُوا الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُوا الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ) البقرة: 42. (وَلَلَبَسْنَا عَلَيْهِمْ مَا يَلْبِسُونَ) الأنعام: 9.
وقالت الخنساء
(ترى الجليس يقول الحقَّ تحسبُهُ
رُشْدَاً وهيهات فانظرْ ما بهِ التَبَسَا)
أخوة يوسف عليه السلام في مجلس واحد، وفي لحظة واحدة وفي جملة واحدة، قالوا عن أخيهم (قَالُوا إِن يَسْرِقْ فَقَدْ سَرَقَ أَخٌ لَّهُ مِن قَبْلُ) يوسف: 77. ثم (قَالُوا يَا أَيُّهَا الْعَزِيزُ إِنَّ لَهُ أَبًا شَيْخًا كَبِيرًا فَخُذْ أَحَدَنَا مَكَانَهُ إِنَّا نَرَاكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ) يوسف 78. كيف يكون السارق محسناً؟ رأوه بعين الحسد والكراهية المكبوتة فقالوا سارقاً، وقولهم عين اللاحقيقة، وقالوا بعين الظاهر: محسن. مقولتهم الأولى: تعتمد الحكم المسبق المخزون في نفوسهم المريضة بالحــــــــقد والحسد. مقولتهم الثانية: عذراء. (ونهض الحارث بن حوط الليثي إلى علي بن أبي طالب، وهو على المنبر، فقال: أتظن أنَّا نظن أن طلحة والزبير كانا على ضلال؟
قال: يا حار، انه ملبوس عليك، إن الحق لا يعرف بالرجال. فاعرف الحق تعرف أهله) وقد استقرَّ فِي نفوس بعض الجهَّال، تعظيمُ رجلٍ، حتى لو رأوه يقتل ويسرق ويكذب لَمَا انخدشَ تعظيمهم له. وقد يكون التعظيم مُتوَارَثاً، ولو حاججتهم (قَالُوا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِم مُّهْتَدُونَ) الزخرف: 22. أخبرنا تعالى عن يوسف عليه السلام في السجن (وَدَخَلَ مَعَهُ السِّجْنَ فَتَيَان قَالَ أَحَدُهُمَا إِنِّي أَرَانِي أَعْصِرُ خَمْرًا وَقَالَ الْآخَرُ إِنِّي أَرَانِي أَحْمِلُ فَوْقَ رَأْسِي خُبْزًا تَأْكُلُ الطَّيْرُ مِنْهُ نَبِّئْنَا بِتَأْوِيلِهِ إِنَّا نَرَاكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ) يوسف 36. وأخبرنا عنه تعالى وهو عزيز مصر ووزيرها (قَالُوا يَا أَيُّهَا الْعَزِيزُ إِنَّ لَهُ أَبًا شَيْخًا كَبِيرًا فَخُذْ أَحَدَنَا مَكَانَهُ إِنَّا نَرَاكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ) يوسف 78. وفي نفس اللحظة وصفوه كسارق (قَالُوا إِن يَسْرِقْ فَقَدْ سَرَقَ أَخٌ لَّهُ مِن قَبْلُ) يوسف: 77. يقول مارتن هايدغر (إنَّ كون اللاحقيقة تصدر عن الإنسان يثبتُ فقط بكيفية غير مباشرة ماهية الحقيقة في ذاتها التي تقوم فوق الإنسان، وتمثل هذه الحقيقة بالنسبة للميتافيزيقا الخالد والأبدي الذي لا يمكن أبداً أن يتأسس على سطحية وهشاشة الكائن البشري، فكيف يمكن إذن -والحالة هذه-أن تجد ماهية الحقيقة، كيانها وأساسها في حرية الإنسان) .























