تركيا القوية يستوطون حائطها
فاتح عبدالسلام
تركيا في موقف لا تحسد عليه. كل شيء ينقلب أمامها رأساً على عقب وهي واقفة مكانها تراوح تحت لافتات وشعارات بعضها أمنيات أو كما يقول بعضهم؛ أوهام. ولعلّ تركيا لم تمسك ملفاً بوصفه مكسباً إلاّ وانقلب ضدها ثم تقف تتابع ردود أفعاله. رعت أنقرة طوال سنتين المفاوضات غير المباشرة بين سوريا واسرائيل ثم انقلب الحال عليها، فساءت علاقتها مع تل أبيب بعد قتل البحرية الإسرائيلية مواطنين أتراكاً في سفينة مرمرة المتجهة إلى غزة.
كما انتكست علاقتها مع الرئيس بشار الأسد الحليف الأثير إلى قلب رئيس الوزراء التركي رجب طيب أردوغان.
وتركيا ذاتها عملت على تليين موقف الغرب من إيران بشأن الملف النووي الايراني ونقلت رسائل من طهران إلى الولايات المتحدة وأوربا واستضافت في اسطنبول المفاوضات الأوربية الإيرانية النووية، ثم انقلبت الأمور فجأة فصارت إيران تنازل تركيا في ميادين مختلفة في العراق أو سوريا بشكل مبطن أو صريح.
تركيا العضو في حلف الأطلسي وجدت نفسها بعد ثلاثة شهور من الأزمة السورية الدموية وحدها في الميدان. وصارت كل الملفات التي بيدها ازاء سوريا تخص اللاجئين والعلاقة مع العسكريين السوريين المنشقين من دون ان تستطيع ان تفيد من موقعها الاسراتيجي وثقلها التاريخي في المنطقة لجعل دولة كبرى واحدة تؤيد خياراتها في المنطقة العازلة داخل سوريا للحد من تدفق اللاجئين إلى أراضيها.
وتركيا التي أجبرت النظام السوري على التخلي في ليلة وضحاها عن عبد الله أوجلان زعيم التمرد الكردي ضدها وبنت على ذلك تحسين علاقاتها مع دمشق تواجه مشكلة مزدوجة في إطلاق النظام السوري يد العمال الكردستاني على حدودها من جهة وفي تهديد نوري المالكي بإلغاء الاتفاقية الحدودية لملاحقة الحزب الكردي لمسافة معينة داخل العراق ما يعني أنّ الحكومة العراقية تتبنى خيار استخدام العمال الكردستاني ضد أنقرة اليوم.
تتشاور تركيا مع حلف الأطلسي لمقتل من مواطنيها بقذيفة سورية كما تشاورت من قبل عندما أسقطت صواريخ الأسد مقاتلة تركية وقتلت طياريها، ثم تعلن إنّها قصفت أهدافاً داخل سوريا من دون أن يعلن الطرف السوري حدوث هجوم ضده. أهذا هو كل الردّ. وضد من يكون الردّ ضد قوات الأسد أم ضد العمال الكردستاني في الحسكة وعفرين؟
تركيا لم تفز بالورقة الأثيرة إلى قلبها في الالتحاق بالاتحاد الأوربي. ولم تفز بموقع أفضلية في حلف الأطلسي الذي خدمته أكثر من سواها بسبب جغرافيتها المهمة ولم تستطع أن تأخذ حقاً أو باطلاً من تل أبيب بعد حادثة غزة، وثبت أنه ليس لديها رجال داخل الحكم في بغداد كما لدى إيران.
إنها تركيا الواقعة في مأزق استخدام حق الردّ أو عدمه، برغم عوامل القوة التي في يديها ولا جواب مباشر على عدم استخدامها تلك العوامل لتظهر قوة إقليمية تجبر مجلس الأمن ودول العالم على الإصغاء لخياراتها كما تفعل إيران بمساعدة حليفيها في دمشق وبغداد وحزب اللّه.
FASL























