تحذير أمريكي للبرهان من قمع تظاهرة المليون سوداني

الخرطوم‭- ‬واشنطن‭- ‬الزمان‭ 

رغم‭ ‬تصاعد‭ ‬العنف‭ ‬في‭ ‬الخرطوم‭ ‬حيث‭ ‬سقط‭ ‬ثمانية‭ ‬قتلى‭ ‬و170‭ ‬جريحا‭ ‬منذ‭ ‬الاثنين،‭ ‬يحشد‭ ‬أنصار‭ ‬الحكم‭ ‬المدني‭ ‬لتعبئة‭ ‬عامة‭ ‬ومسيرات‭ ‬يريدونها‭ ‬‮«‬مليونية‮»‬‭ ‬السبت‭ ‬في‭ ‬السودان‭ ‬ضد‭ ‬انقلاب‭ ‬العسكر‭ ‬بقيادة‭ ‬الفريق‭ ‬أول‭ ‬عبد‭ ‬الفتاح‭ ‬البرهان‭ ‬الذي‭ ‬أطاح‭ ‬بالمدنيين‭ ‬من‭ ‬السلطة‭. ‬

وعشية‭ ‬التظاهرات،‭ ‬تعالت‭ ‬الأصوات‭ ‬الدولية‭ ‬محذرة‭ ‬السلطات‭ ‬العسكرية‭ ‬من‭ ‬استخدام‭ ‬العنف‭ ‬ضد‭ ‬المحتجين‭.  ‬وحضت‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬الجيش‭ ‬السوداني‭ ‬الجمعة‭ ‬على‭ ‬عدم‭ ‬قمع‭ ‬تظاهرات‭ ‬السبت‭. ‬

وقال‭ ‬مسؤول‭ ‬أميركي‭ ‬كبير‭ ‬لصحافيين‭ ‬‮«‬نحن‭ ‬قلقون‭ ‬فعلا‭ ‬حيال‭ ‬ما‭ ‬سيحصل‭ ‬غدا‮»‬،‭ ‬مضيفا‭ ‬‮«‬سيكون‭ ‬الأمر‭ ‬اختبارا‭ ‬فعليا‭ ‬لنوايا‭ ‬العسكريين‮»‬‭. ‬

ودعا‭ ‬الأمين‭ ‬العام‭ ‬للأمم‭ ‬المتحدة‭ ‬أنطونيو‭ ‬غوتيريش‭ ‬الخميس‭ ‬الجيش‭ ‬السوداني‭ ‬الى‭ ‬‮«‬ضبط‭ ‬النفس‮»‬‭ ‬السبت‭ ‬في‭ ‬التعامل‭ ‬مع‭ ‬المتظاهرين‭. ‬

ولكن‭ ‬السودانيين‭ ‬المعارضين‭ ‬للانقلاب‭ ‬مصرون‭ ‬على‭ ‬مقاومته‭. 

وطالب‭ ‬مجلس‭ ‬الأمن‭ ‬الدولي‭ ‬في‭ ‬بيان‭ ‬صدر‭ ‬بإجماع‭ ‬أعضائه‭ ‬الخميس‭ ‬العسكريين‭ ‬في‭ ‬السودان‭ ‬‮«‬بعودة‭ ‬حكومة‭ ‬انتقالية‭ ‬يديرها‭ ‬مدنيون‮»‬،‭ ‬مبديا‭ ‬‮«‬قلقه‭ ‬البالغ‭ ‬حيال‭ ‬الاستيلاء‭ ‬العسكري‭ ‬على‭ ‬السلطة‮»‬‭. ‬

وقال‭ ‬الرئيس‭ ‬الأميركي‭ ‬جو‭ ‬بايدن‭ ‬‮«‬رسالتنا‭ ‬معا‭ ‬إلى‭ ‬السلطات‭ ‬العسكرية‭ ‬في‭ ‬السودان‭ ‬واضحة،‭ ‬ينبغي‭ ‬السماح‭ ‬للشعب‭ ‬السوداني‭ ‬بالتظاهر‭ ‬سلميا،‭ ‬وإعادة‭ ‬السلطة‭ ‬إلى‭ ‬الحكومة‭ ‬الانتقالية‭ ‬التي‭ ‬يقودها‭ ‬مدنيون‮»‬،‭ ‬مؤكدا‭ ‬أن‭ ‬‮«‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬ستواصل‭ ‬الوقوف‭ ‬إلى‭ ‬جانب‭ ‬الشعب‭ ‬السوداني‭ ‬ونضاله‭ ‬اللاعنفي‭ ‬للمضي‭ ‬قدما‭ ‬نحو‭ ‬أهداف‭ ‬الثورة‭ ‬السودانية‮»‬‭.  ‬وقال‭ ‬هيثم‭ ‬محمد‭ ‬الجمعة‭ ‬لوكالة‭ ‬فرانس‭ ‬برس‭ ‬‮«‬حصد‭ ‬أرواح‭ ‬المتظاهرين‭ ‬بالرصاص‭ ‬غير‭ ‬مقبول‭ ‬ولن‭ ‬يجعلنا‭ ‬نتراجع‮»‬‭. ‬

والجمعة‭ ‬تظاهر‭ ‬العشرات‭ ‬في‭ ‬أم‭ ‬درمان‭. ‬وقال‭ ‬طه‭ ‬عبد‭ ‬الرحمن‭ ‬لفرانس‭ ‬برس‭ ‬‮«‬إننا‭ ‬نستعد‭ ‬ليوم‭ ‬غد،‭ ‬سنقول‭ ‬للعالم‭ ‬إننا‭ ‬نريد‭ ‬تحولا‭ ‬ديموقراطيا‭ ‬وليس‭ ‬انقلابات‭ ‬عسكرية‮»‬‭.  ‬وانهمر‭ ‬أثناء‭ ‬الليل‭ ‬وابل‭ ‬من‭ ‬الرصاص‭ ‬والرصاص‭ ‬المطاطي‭ ‬والغازات‭ ‬المسيلة‭ ‬للدموع‭ ‬على‭ ‬المتظاهرين‭ ‬في‭ ‬اثنين‭ ‬على‭ ‬الأقل‭ ‬من‭ ‬أحياء‭ ‬الخرطوم،‭ ‬هما‭ ‬حي‭ ‬بري‭ ‬بشرق‭ ‬الخرطوم‭ ‬وبحري‭ ‬في‭ ‬شمالها‭.  ‬لكن‭ ‬محمد‭ ‬قال‭ ‬‮«‬إن‭ ‬هذا‭ ‬لن‭ ‬يزيدنا‭ ‬إلا‭ ‬تصميما‮»‬‭.  ‬ومنذ‭ ‬الاثنين،‭ ‬تغير‭ ‬المشهد‭ ‬تماما‭ ‬في‭ ‬السودان‭ ‬بعد‭ ‬سنتين‭ ‬من‭ ‬حكم‭ ‬انتقالي‭ ‬هش‭. ‬ففي‭ ‬العام‭ ‬2019،‭ ‬اتفق‭ ‬العسكريون‭ ‬الذين‭ ‬تولوا‭ ‬السلطة‭ ‬بعد‭ ‬الإطاحة‭ ‬بعمر‭ ‬البشير‭ ‬إثر‭ ‬حركة‭ ‬احتجاجات‭ ‬شعبية‭ ‬عارمة‭ ‬غير‭ ‬مسبوقة،‭ ‬والمدنيون‭ ‬الذين‭ ‬قادوا‭ ‬تلك‭ ‬الاحتجاجات،‭ ‬على‭ ‬تقاسم‭ ‬السلطة‭ ‬لمرحلة‭ ‬انتقالية‭ ‬يتم‭ ‬في‭ ‬نهايتها‭ ‬تسليم‭ ‬الحكم‭ ‬الى‭ ‬حكومة‭ ‬مدنية‭ ‬منتخبة‭ ‬ديموقراطيا‭. 

لكن‭ ‬البرهان‭ ‬أعلن‭ ‬الاثنين‭ ‬حل‭ ‬مؤسسات‭ ‬الحكم‭ ‬الانتقالي،‭ ‬مطيحا‭ ‬بشركائه‭ ‬المدنيين‭ ‬من‭ ‬السلطة،‭ ‬وأيضا‭ ‬بآمال‭ ‬التحوّل‭ ‬الديموقراطي‭. ‬

فجر‭ ‬الاثنين،‭ ‬اعتقل‭ ‬جنود‭ ‬رئيس‭ ‬الوزراء‭ ‬عبد‭ ‬الله‭ ‬حمدوك‭ ‬والعديد‭ ‬من‭ ‬أعضاء‭ ‬حكومته‭ ‬والأعضاء‭ ‬المدنيين‭ ‬في‭ ‬مجلس‭ ‬السيادة‭ ‬المسؤول‭ ‬عن‭ ‬قيادة‭ ‬المرحلة‭ ‬الانتقالية‭. ‬

وأعيد‭ ‬حمدوك‭ ‬بعد‭ ‬أيام‭ ‬الى‭ ‬منزله،‭ ‬ولكنه‭ ‬‮«‬لا‭ ‬يتمتع‭ ‬بحرية‭ ‬الحركة‮»‬،‭ ‬بحسب‭ ‬مسؤولين‭ ‬دوليين‭ ‬تمكنوا‭ ‬من‭ ‬الحديث‭ ‬معه‭ ‬عبر‭ ‬الهاتف،‭ ‬لكن‭ ‬لم‭ ‬يتمكن‭ ‬أحد‭ ‬من‭ ‬مقابلته‭. ‬

وأصبح‭ ‬وزراء‭ ‬حكومة‭ ‬حمدوك‭ ‬الذين‭ ‬لم‭ ‬يعتقلوا،‭ ‬الناطقين‭ ‬باسم‭ ‬المطالبين‭ ‬بعودة‭ ‬‮«‬السلطات‭ ‬الشرعية‮»‬،‭ ‬ووضع‭ ‬حد‭ ‬لحكم‭ ‬العسكر‭ ‬الذي‭ ‬تواصل‭ ‬بشكل‭ ‬شبه‭ ‬مستمر‭ ‬في‭ ‬السودان‭ ‬منذ‭ ‬استقلاله‭ ‬قبل‭ ‬65‭ ‬عاما‭. ‬

وقال‭ ‬هيثم‭ ‬محمد‭ ‬‮«‬الجيش‭ ‬مثل‭ ‬النظام‭ ‬السابق‭ ‬تماما‮»‬،‭ ‬في‭ ‬إشارة‭ ‬الى‭ ‬عمر‭ ‬البشير‭ ‬الذي‭ ‬وصل‭ ‬الى‭ ‬السلطة‭ ‬عام‭ ‬1989‭ ‬بانقلاب‭ ‬أطاح‭ ‬آنذاك‭ ‬حكومة‭ ‬الصادق‭ ‬المهدي‭ ‬المنتخبة‭ ‬ديموقراطيا،‭ ‬واستمر‭ ‬ثلاثين‭ ‬عاما‭. ‬

ويواجه‭ ‬الفريق‭ ‬أول‭ ‬البرهان‭ ‬مقاومة‭ ‬على‭ ‬الأرض‭. ‬فرغم‭ ‬قطع‭ ‬الإنترنت‭ ‬في‭ ‬البلاد،‭ ‬ينظّم‭ ‬المتظاهرون‭ ‬أنفسهم‭ ‬للنزول‭ ‬الى‭ ‬الشوارع‭ ‬في‭ ‬الخرطوم‭ ‬ومدن‭ ‬أخرى‭. ‬ورغم‭ ‬إعلانه‭ ‬حل‭ ‬النقابات‭ ‬المهنية،‭ ‬إلا‭ ‬أن‭ ‬هذه‭ ‬المؤسسات‭ ‬التي‭ ‬دعت‭ ‬الى‭ ‬‮«‬عصيان‭ ‬مدني‮»‬،‭ ‬وما‭ ‬زالت‭ ‬تحشد‭ ‬أعضاءها‭ ‬وقادرة‭ ‬على‭ ‬تنظيم‭ ‬‮«‬إضراب‭ ‬عام‮»‬‭ ‬حوّل‭ ‬العاصمة‭ ‬السودانية‭ ‬الى‭ ‬مدينة‭ ‬أشباح‭ ‬منذ‭ ‬الاثنين‭. ‬

ويحاول‭ ‬العسكريون‭ ‬إسكات‭ ‬المعارضة‭ ‬عبر‭ ‬اعتقال‭ ‬شخصيات‭ ‬سياسية‭ ‬وناشطين‭ ‬وأشخاص‭ ‬بشكل‭ ‬عشوائي‭ ‬وكذلك‭ ‬بالسيطرة‭ ‬على‭ ‬وسائل‭ ‬الإعلام‭. ‬

واقتحم‭ ‬جنود‭ ‬مقرّ‭ ‬التلفزيون‭ ‬الرسمي‭ ‬الذي‭ ‬أقيل‭ ‬رئيسه‭ ‬الخميس،‭ ‬وقد‭ ‬كان‭ ‬مدافعا‭ ‬شرسا‭ ‬عن‭ ‬الحكم‭ ‬المدني‭. ‬كما‭ ‬اقتحموا‭ ‬مقرّ‭ ‬وكالة‭ ‬الأنباء‭ ‬السودانية‭ ‬الرسمية‭ (‬سونا‭). ‬وتتعرّض‭ ‬وسائل‭ ‬الإعلام‭ ‬الخاصة‭ ‬كذلك‭ ‬للترهيب‭. ‬

‭- ‬‮«‬رسالة‭ ‬واضحة‮»‬‭ – 

فقد‭ ‬استهدفت‭ ‬الجمعة‭ ‬صحيفة‭ ‬‮«‬الديموقراطي‮»‬،‭ ‬عندما‭ ‬جاء‭ ‬جنود‭ ‬وأرغموا‭ ‬حارس‭ ‬المبنى‭ ‬على‭ ‬الرحيل،‭ ‬وقالوا‭ ‬له‭ ‬‮«‬لا‭ ‬تعد‮»‬،‭ ‬وفق‭ ‬ما‭ ‬روى‭ ‬أحد‭ ‬الصحافيين‭ ‬في‭ ‬الوسيلة‭ ‬الإعلامية‭. ‬

والخميس،‭ ‬تمّ‭ ‬وقف‭ ‬جميع‭ ‬المحطات‭ ‬الإذاعية‭ ‬التي‭ ‬تبث‭ ‬على‭ ‬موجة‭ ‬‮«‬أف‭ ‬أم‮»‬‭ ‬بينها‭ ‬راديو‭ ‬‮«‬هلا‮»‬‭. ‬

ونقل‭ ‬التلفزيون‭ ‬الرسمي‭ ‬خطبة‭ ‬الجمعة‭ ‬التي‭ ‬دعت‭ ‬الى‭ ‬دعم‭ ‬العسكريين‭. ‬وقال‭ ‬الخطيب‭ ‬الذي‭ ‬جلس‭ ‬قبالته‭ ‬العديد‭ ‬من‭ ‬الجنود‭ ‬بزيهم‭ ‬العسكري‭ ‬‮«‬لا‭ ‬بدّ‭ ‬أن‭ ‬يكون‭ ‬لنا‭ ‬ولاء‭ ‬وحبّ‭ ‬للقوات‭ ‬النظامية‭ ‬وألا‭ ‬نسيء‭ ‬اليها‮»‬‭. ‬وأضاف‭ ‬‮«‬إن‭ ‬أسأت‭ ‬لقواتك‭ ‬النظامية،‭ ‬فكأنك‭ ‬أسأت‭ ‬الى‭ ‬وطنك‮»‬‭. ‬

ويؤكد‭ ‬البرهان‭ ‬أن‭ ‬قراراته‭ ‬‮«‬ليست‭ ‬انقلابا‮»‬،‭ ‬إنما‭ ‬هي‭ ‬إجراءات‭ ‬‮«‬لتصحيح‭ ‬مسار‭ ‬الثورة‮»‬‭. ‬

في‭ ‬هذا‭ ‬الوقت،‭ ‬يصعّد‭ ‬المجتمع‭ ‬الدولي‭ ‬الضغوط‭ ‬على‭ ‬العسكريين‭. ‬

‭ ‬