بسم الله الرحمن الرحيم يا أيُّها الَّذين آمنُوا كُتِبَ عليكُم الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ على الَّذين مِنْ قَبلِكُم لَعَلَّكُم تَتَقُّوُن
المأمون أمر النخبة بحث الناس على الإكثار من إيقاد المصابيح في رمضان
محمّد رجب السامرّائي
كان رسول الله ــ صلى الله عليه وسلم ـ إذا دخل شهر رجب فإنّه يرفع يديه ليدعو خالقه بقوله الكريم اللّهم بارك لنا في رجب وشعبان وبلغنا رمضان . ويُعدُ يوم الثلاثين من شهر شعبان يوم شك عند المسلمين، فقد يشاهد هلال رمضان جماعة ولم يشهد برؤيته من لم تقبل شهادتهم، فيبقى الشك يساور المسلمين هل هو من رمضان وغرته، أو هذا اليوم مكمل لشهر شعبان؟ وقد رسمَ هذا الموقف المشكوك فيه الشاعر ابن الوردي قائلا
قلتُ هِلالُ الصِّيامِ لَيسَ يُرَى
فَلا تَصُومُوا وارْضَوْا بقولِ ثِقَهْ
فغالطُوني حَقِّقُوا فَرَأَوا
وكُـلُّ هذا من قُوّةِ الحَدَقَهْ
ويروى بأن جماعة وفيهم الصحابي أنس بن مالك ــ رضي الله عنه ــ قد حضر لمشاهدة هلال شهر رمضان، وكان عمره قارب المائة سنة، فقال الصحابي أنس رأيته هو ذاك وجعل يشير إلى الهلال فلا يراه أصحابه وكان القاضي إياس حاضراً مع الجماعة المتطلعة صوب السماء، وهو ذو فراسة وذكاء، فنظر إلى الصحابي أنس بن مالك ــ رضي الله عنه ــ وإذا بشعرة بيضاء قد انثنت من حاجبه فوق عينيه، فمسحها القاضي، ثم قال للصحابي أنس يا أبا حمزة انظر؟ فنظر الصحابي ابن مالك وأجابه لا أراه
هلال رمضان
يترقب المسلمون بلهفة وشوق إلى كبد السماء علّهم يلمحون هلال شهر رمضان المبارك فيقرؤون في قسماته، وعلى جنباته آية الله الكبرى، تحلل الحلال وتحرم الحرام لينعم المسلمون الصائمون في مشارق الأرض ومغاربها بهذا الشهر الفضيل الذي يحمل عليهم أجراً كبيراً من الله عزّ وجل. ويتطلع المسلمون كافة إلى هلال رمضان متوسمين في مطالع أقماره تحقيق الآمال التي تحياها الأمم، ولديها تترخص الحياة.. فإليك يارب العالمين ندعوك ها هنا كما دعاك رسولنا العظيم ــ محمد ــ صلى الله عليه وسلم وقد ترامت إلى نظراته الكريمة هلال الصوم المبارك قائلين في بداية الشهر الكريم الّلهم أهله علينا بالأمن والإيمان، والسلامة والإسلام، هلال خيرٍ ورُشد، ربّنا وربُّك الله، آمنا بالذي خلقك، اللهم إنّا نسألك خير ما في هذا الشهر وخير ما بعده…
تولي الدول العربية والإسلامية اهتمامها برصد هلال رمضان عناية كبيرة فترصد مطالعه حتى تتثبت من رؤيته، فيتحقق أول شهر الصيام، ويحق الصيام فيُعْلَن للنّاس عبر وسائل الإعلام المسموعة والمرئية والمقروءة. وبعدما تثبت رؤية الهلال ويكون ذلك من الليالي الغر المشهورة فتنار مآذن المساجد والجوامع، وتحتفل الإذاعات، وتعلن التهاني بقدوم شهر الطاعة وتطلق المدافع ويزداد إقبال المصلين على أداء الفروض وحضور مجالس الوعظ إثر صلاة العصر، إضافة إلى احتفال الصحف بالشهر الكريم بتخصيص أعمدة بالمناسبة الكريمة وبالزائر بعد غياب عام.
كان المسلمون قديماً يستزيدون من إنارة المساجد عند رؤية هلال شهر رمضان فقال أحمد بن يوسف الكاتب العباسي أمرني الخليفة المأمون، أن أكتب إلى جميع العمال في أخذ الناس بالاستكثار من المصابيح في شهر رمضان، وتعريفهم ما في ذلك من الفضل. قال فما دريت أن أكتب، ولا ما أقول في ذلك، إذ لم يسبقني إليه أحد، فأسلك طريقه. واتفق أن نمت وقت القيلولة، فآتاني آت في منامي، فقال اكتب فإن في ذلك أُنْسَاً للسابلة، وإضاءةً للمتهجدين ونقياً لمظان الريب، وتنزيها لبيوت الله ـ عزّ وجل ـ من وحشة الظلم .
اللّهم اجعله هلال رشد
أما شهر الصيام فجاء صيامه على المسلمين بقوله الحقّ في سورة البقرة 183
يا أيُّها الَّذين آمنُوا كُتِبَ عليكُم الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ على الَّذين مِنْ قَبلِكُم لَعَلَّكُم تَتَقُّوُن . وفُرِضَ صيام شهر رمضان الكريم على المسلمين في أرض المدينة المنورة دار الهجرة والإيمان، حيث خرج سيد الكائنات النبي محمد ــ صلى الله عليه وسلم ــ من داره قاصداً المسجد ليخاطب أصحابه وليبشرهم بفرض صيام رمضان، ومنوِّها بفضائله ونفحاته المتجلية بقوله الكريم آتاكم شهر رمضان خير وبركة،يغشاكم الله فينزل فيه الرحمة ويحط الخطايا، ويستجيب الدعاء فأروا الله فيه من أنفسكم خيرا فإن الشقي من حرم فيه رحمة الله عزّ وجل . وكان النبي الكريم ــ عليه الصلاة والسلام ــ يقول عند رؤيته هلال الشهر الكريم اللهم اجعله هلال رشد وخيرا آمنت بالذي خلقك ، ثم يقول الحمد لله الذي ذهب بشهر شعبان وأتى بشهر رمضان .
وكان ــ صلى الله عليه وسلم ــ يقف ليخطب في المسلمين في آخر يوم من شهر شعبان ويقول يا أيها الناس قد أظلكم شهر عظيم مبارك، شهر فيه ليلة خير من ألف شهر جعل الله صيامه فريضة وقيام ليله تطوعاً. مَنْ تَقَرَب فيه بخطوة من الخير كان كمن أدى فريضة فيما سواه وهو شهر الصبر، والصبر ثوابه الجنة، وشهر المواساة وشهر يزداد فيه رزق المؤمنين. مَنْ فَطَرَّ فيه صائماً كان مغفرة لذنوبه وعتق رقبته من النار وكان له مثل أجره من غير أن ينتقص من أجره شيء . فقال الناس يا رسول الله ليس كلنا يجد ما يفطر الصائم؟ فأجابه رسول الله عليه الصلاة والسلام يعطي الله هذا الثواب لمن فطر صائما على تمرة أو شربة ماء أو مضغة لبن .
وبين الصحابي الجليل عبد الله بن مسعود ــ رضي الله عنه ــ فضائل خصها الله عزّوجل الصائمين في شهره فقال سمعت رسول الله يوم أهل رمضان يقول لو يعلم العباد ما رمضان لتمنت أمتي أن تكون السنة كلها رمضان . وعن ثبوت رؤية هلال الصيام، يقول ابن عمر ــ رضي الله عنهما ــ عنه عن رسول الله محمد صلى الله عليه وسلم لا تصوموا حتى تروا الهلال ولا تفطروا حتى تروه فإن غُمّ عليكم فاقدروا له .
المأمون والمصابيح
يرصد المسلمون جميعاً في كل بقاع الأرض هلال رمضان الكريم لتحديد بداية غُرّة الشهر المبارك فيقف الناس فوق سطوح المنازل والمناطق المرتفعة، واليوم يحدده لنا علماء الفلك عبر المراصد الدقيقة، وبعد رؤية هلال الصيام الكريم تُنار المساجد ويؤمها المصلون لأداء الصلوات فيها وتلاوة القرآن الكريم. وذكر أحمد بن يوسف الكاتب بأنّ الخليفة العباسي المأمون بن هارون الرشيد قد أمره بالكتابة ليحثوا الناس على الإكثار من المصابيح في شهر رمضان لما لها من فضل. ويقول أحمد بن يوسف فما دريت ما أكتب ولا ما أقول في ذلك، إذ لم يسبقني إليه أحد، فاسلك طريقه ومذهبه، وأضاف فبعد أن نمت أتاني آت فقال لي أكتب فإن في ذلك أنسا للسابلة وإضاءة للمتهجدين، ونفيا لرمضان الريب،وتنزيها لبيوت الله عز وجل من وحشة الظلم.فانتبهت وقد انفتح لي ما أريد، فابتدأت بهذا وأتممت عليه وصف ابن يوسف القيرواني صاحب العمدة هلال الصيام
لاحَ لِي حاجِبُ الهِلالِ عَشِيَّا
فتَمَنَّيتُ أنّـهُ مِنْ سَحَابِ
قُلْتُ أهلاً، وليسَ أهلاً لما قُلْتُ ولكن أسْمَعْتُها أصْحَابِي
أما الشاعر ابن حمديس الصقلي فرحب بهلال رمضان قائلا
قُلْتُ والنّاسُ يَرقُبونَ هِلالاً
يُشْبِهُ الصَبَّ مِنْ نَحَافةِ جِسْمِهْ
مَنْ يَكُنْ صَائماً فذا رَمضانُ
خَطَّ بالنُّورِ للورى أوَّل اسْمِهْ
التهاني والتبريكات
يتبادل النّاس في كل مكان التهاني ويرسلون التبريكات عند مقدم شهر رمضان المبارك، وفي المناسبات الخاصة والعامة. ولمّا حلّ شهر الصيام علينا ضيفاً مُحملاً بالبركات والخيرات الوفيرة، والهداية الحقّة ورفع التهاني بحلوله بين الجهات الرسمية والشعبية ما يزال جارياً إلى يومنا هذا. ونجد أدبنا العربي قد حفل بالعديد من قصائد التهنئة أي ــ رسم التهنئات ــ وفي مقطوعات نثرية بليغة.
من القطع النثرية
هنأ الأدباء والكُتّاب بقطع نثرية جميلة مرسلة حلول غُرة شهر رمضان الكريم، فكتب الإمام جعفر الصادق عليه السلام قائلاً الصوم جُنَّة من آفات الدنيا، وحجابٌ من عذاب الآخرة، فإذا صمت فإنّه بصومك كفُّ النفس عن الشهوات وقطع الهمة عن خطوات الشياطين .
وكتب الإمام الحسن البصري ــ رحمه الله ــ عن شهر الصيام قائلاً إنّ الله تعالى قد جعل رمضان مضماراً لخلقه، يَسْتَبِقُونَ فيه بطاعته، فسبق قوم ففازوا، وتخلف آخرون فخابوا فالعجب للضاحك اللاّعب في اليوم الذي فاز فيعه المسارعون، وخابَ فيه الباطلون، فالله الله عباد الله اجتهدوا أن تكونوا من السابقين ولا تكونوا من الخائبين، في شهر شرَّفَهُ ربّ العالمين…. أمّا الصاحب بن عبّاد فأرسل قطعة نثرية يهنئ فيها أحد الأمراء بمقدم شهر الطاعة والغفران جاء فيها كتابي أطال الله بقاء الأمير، غُرّة شهر رمضان، جعل الله أيامه غرّاء، وأعوامه زهراء، وأوقاته إسعاداً، وساعاته أعياداً، وأتاه في هذا الشهر الكريم مورده ومأتاه أفضل ما قسم فيه لمن تقبل أعماله فبلغه آماله… . ومن القطع النثرية ما كتبه أبو الحسن سعد مُهنئاً أحد الأصدقاء بحلول شهر الصيام قائلاً جمع الله لمولاي في هذا الشهر الشريف، شروط آماله، وأحكام أماليه، في حاضر أمره وعاقبته، وعاجل دنياه وأخرته، وأبقاه لأمثاله بقاء لا يتناهى أمده في ظل عيش يرضاه ويحمده . وله أيضاً في تهنئة أحد الولاة بقوله عرف الله مولانا بركة هذا الشهر الشريف وأيامه، وأعانك على صيامه وقيامه، ووصل لكَ ما يزيد من فضله وإكرامه، وتابع لكَ المزيد من مَنائِحِه، وإنعامِهِ، وختم لكَ بالسعادة العظمى بعد الانتقال في الجّاهِ والرّياسةِ إلى أبعد المدى، وفي الخير والثروة إلى أقصى المُنى .ونقرأ من الأدب العربي الحديث تهاني لعدد من الأدباء، ومنهم لصاحب وحيّ القلم الأديب مصطفى صادق الرافعي الذي قال شهرٌ هو أيامه قلبية في الزمن، متى أشرفت على الدنيا قال الزمن لأهله هذه أيام من أنفسكم لا من أيامي، ومن طبيعتكم لا من طبيعتي، فيقبل العالم كله على حالة نفسية بالغة السمو، يتعهد فيها النفس برياضتها على معالي الأمور ومكارم الأخلاق، ويفهم الحياة على وجه آخر غير وجهها الكالح، ويراها كأنما أجيعت من طعامها اليومي كما جاع هو .وعبّر الأديب عباس محمود العقاد عن شهر رمضان شهر الإرادة قائلاً رمضان شهر الإرادة.. أدبه أدب الإرادة، وليست الإرادة بالشيء اليسير في الدين وما الخلق إلاّ تبعات وتكاليف، وعماد التبعات والتكاليف جميعا إنها تُنَاطُ بمريد ومن ملك الإرادة فزمام الخلق جميعاً في يديه .
تهاني الشعراء
وبعث الشعراء قصائد شعرية تضمنت تهانيهم بحلول أيام الصيام، ومن إضمامة الشعر الفواحة أبيات الشاعر ابن حمديس الصقلي الذي هنأ بها الأمير أبا الحسن علي ابن يحيى بحلول شهر رمضان
واقتَضَى الشَّهرُ من مَعَالِيكَ صُنْعَاً
مُعْلِياً مِنْهُ هِمّةً باهتِمَامِ
وهنأ الصقلي قدوم الشهر الفضيل بقوله أيضاً
صُمْتَ للهِ صَوْمَ خَرْقٍ هُمَامٍ
مُفِطِّر الكَفايا بالعَطايا الجِسَامِ
أطلعَ اللهُ للصِيامِ هِلالاً
ولنـا مِنْ عُلاَكَ بَـدْرَ تَمَامِ
وهنأ بحلول رمضان بأبيات شعرية عبد الصمد بن باب للصاحب بن عباد فكتب إليه
كَساكَ الصّومُ أعمارَ اللَّيالي
وأعقبكَ الغنيمةَ في المَآبِ
ولا زالتْ سُعُودُكَ في خُلُوْدٍ
تَبَارِي بالمَدى يومَ الحِسَابِ
وكتب الشاعر ابن دراج القسطلي مهنئاً
ويُهَنِيْكَ شهرٌ عند ذِي العَرشِ شَاهِدٌ
بأنّكَ بَرٌّ للصِّيامِ وُصَولُ
فَوَفَّيتَ اجْرَ الصّابرينَ ولا عَدَا
مَسَاعيكَ فَوزٌ عَاجِلٍ وقَبُولُ
أما تميم بن المعز فقال في تهنئته بالشهر الكريم
ليُهنِئكَ أنِّ الصَوْمَ فَرْضٌ مُؤْكَدٌ
مِنَ اللهِ مَفْرُوْضٌ على كُلِ مُسْلمِ
وانّكَ مَفْرُوْضُ المَحَبَةِ مِثْلُهُ
علينا بِحَقٍ قُلْتَ لا بالتَّوَهُــمِ
وبعث أحد الشعراء الأبيات التالية مُهنئاً صديقه بحلول شهر رمضان
شَهْرُ الصِّيام جرى باليُمْنِ طَائِرُهُ
ودَامَ قَصْرُكَ مَرْفُوعاً مَجَالِسُهُ
عَليكَ مَاجِدُ بَادِيْهِ وحَاضِرِهِ
لِزَائِرِيْهِ وَمَنْصُوْبَاً مَوَائِـدُهُ
/7/2012 24 Issue 4259 – Date Azzaman International Newspape
جريدة الزمان الدولية العدد 4259 التاريخ 24»7»2012
AZP07























