بثينة العيسى تفتتح مشغلاً عن الموت

مشروع تحليل خمسين رواية عربية نسوية : -2- بثينة العيسى تفتتح مشغلاً عن الموت حسين سرمك حسن وفي أغلب الحوادث “العرضيّة” – المميتة أو شبه المميتة – ينبغي علينا أن نضع في حسابنا “مصلحة” لاشعور الفرد في الفناء ، وهذا الرأي قد يصدم شعورنا المباشر الذي لا يمكن أن يتحمّل مصيرا من هذا النوع ، فنحن ، جميعاً ، نخضع – على مستوى لاوعينا – لما يسمّى بقانون “التناقض الأوّلي – primary paradox” وفيه نقرّ بفناء الآخرين وقابليتهم على الإنجراح ، ونُنكر فناءنا الشخصي إلى الأبد . على المستوى النفسي ، فلا أحد منّا يقرّ بفنائه الشخصي أبداً . لاشعورنا مُتخم بمشاعر الخلود المخدّرة والبقاء العصي على الموت ، في حين يقرّ في الوقت نفسه ، ويسلّم بحقيقة أن البشر الآخرين فانون وقابلون للموت . نحن لا يمكن أن نتصوّر موتنا الشخصي برغم أننا نعرف حتمية الموت. عبّر عن ذلك “تولستوي” – مثلاً – في قصته “موت إيفان إيليتش” حيث قال إن إيفان إيليتش كان يرى بأنه يُحتضر .. في أعماق فلبه كان يعرف بأنه يُحتضر ويموت ، ولكنه لم يكن غير مهيأ لتقبّل هذه الفكرة حسب ، بل ما كان ، ولن يكون ، قادرا على استيعابها . والمبدعون الجسورون هم الذين ابتكروا لنا طرقا وآليات وألعاب للإلتفاف على هذا الشعور المُرعب . وفي الإبداع فقط تتوفّر لنا فرصة للمماطلة أو اختيار طريقة موتنا ، وحتى عدم الموت ، بل التلاعب بالمثكل . الإبداع هو بلسم أرواحنا الجريحة المفزوعة . ولكن هذا قد يضعنا في موقع ننظر منه إلى الموت كعملية “خارجية” فقط . عوامل خارجية ونخطئ كثيرا حين ننظر إلى الحوادث بعواملها الخارجية فقط . إن نوايا الموت لائبة وثابتة في أعماقنا منذ ولادتنا وحتى موتنا . ما وجودنا إلّا نتاج صراع غريزتين : غريزة حياة تبني وتُنمي وتركّب ، وغريزة موت تهدّم وتهير وتحلّل من الحالة العضوية إلى الحالة اللاعضوية بالطريقة التي يُعبر عنها اللاهوتيون (من التراب جئنا وإلى التراب نعود) . ومن الأفضل أن نقول أنه “تظافر” غريزتين متكاملتين يكون الضفر النهائي في الشوط الأخير لدوافع الموت . وعليه علينا حين نراجع الحوادث المميتة وشبه المميتة (الميول الإنتحارية) التي تصيب الآخرين ، أن نتأمل ونغوص عميقا للإمساك بقبضة الموت من “الداخل” ، بقدر أكبر من التفاتنا لضربته الساحقة من “الخارج” ، خصوصا حينما يكون في التاريخ النفسي الشخصي للشخص المعني ما يشي أو يلمح لتجارب صادمة ومُفزعة تثبت “قلق الموت – death anxiety” وتؤجج ألسنة لهيبه في النفس البشرية . ولدى عائشة مثل هذا التاريخ “السرّي” مع الموت . فقد “رأت” الموت أول مرة كما تقول عندما كان عمرها إثنتى عشرة سنة . كانت مع والدتها واثنتين من خالاتها يتناولن العشاء في أحد المطاعم ، وأرادت أن تذهب إلى الحمّام : (فعبرتُ ممرا مظلما وهزيلا بواجهة زجاجية يطل على مقبرة الصالحية التي ترامت أمامي بشواهد قبورها التي ملأت الأرض حتى اقصى أقاصيها ، تملأ الساحات وتفيض من وجه المكان ممعنة في تأكيد الحقيقة الوحيدة التي لا تقبل الدحض : حقيقة الزوال . لم أكن أعرف بأن الموتى كثرٌ هكذا !) (ص 26 و27) . وقد يرى السادة القرّأء إن طفلة في الثانية عشرة من عمرها من الصعب أن يتوفّر لديها مثل هذا الإدراك المعرفي لشمولية الموت وسطوته الساحقة التي تخضّ وجودها بعنف حدّ أن تجعلها تبلّل نفسها : (شعرتُ بتشنجّ في ساقي ، عجزتُ عن الحراك ، أغمضتُ عيني ، وسددتُ أذني بيدي ، وجلستُ على الأرض أمام الحائظ الزجاجي المطلّ على المقبرة ، وأخذتُ أئنُ في ظلام الممر الوحيد .. بلّلتُ ملابسي . هذا ما أتذكرّه . أنا ، أمّي تقول بأن تلك إضافة من خيالي) (ص 27) . وينبغي القول أنّ مفهومنا عن الموت يستمر في التطوّر من الناحية المعرفية والأنفعالية خـلال الحياة. ويساعدنا كثيراً العمل مع الأطفال على معرفة كيف يفكّرون حول الموت ، وارتـباط ذلـك بنموهم العقلي. والأطفال الصغار يفكّرون تفكيراً (إحيائياً ــ Animistic ) (كل شيء حي) ، وتفكيراً (سحـرياً ــ Magical ) (تعـادل الرغبـات والأفكار مع الفعل) ـ. وكمثل علـى الأخـير حالـة الطـفلة التـي تـرغب فـي إقتـناء كلـب وتشعر بالذنب الشديد عنـدما تمـوت قطّتـها الوحيـدة لأنـّها تعـتقد أنّ رغبتها في الكلب أدّت الى وفاة قطّتها . وفي هاتين الصفتين يشترك الطفل مع الأنسـان البـدائي ومـع العقلية الأسطوريّة رغم وجود إخـتلافات مهـمّة ليس هنا أوانها. ويمّر مفهوم الأطفال عن الموت بثلاث مراحل متميزة (2) : اــ المرحلة الأولى ــ وتمـتد حتـى السنـة الخـامسة من العمر تقريباً ، وفيها لا ينظر الطفل الى الموت كنهاية بل كأنفصال مؤقت ، وأحياناً كحالة تشبه النوم . ــ قال (أوتونبشتم ) لـ (جلجامش) : ياما أعظم الشبه بين النائم والميت ألا تبدو عليهما هيئة الموت ؟!) ب- المرحلة الثانية ــ وتمتد من الخامسة وحـتى التاسـعة مـن العمر ، وفيها يميل الطفل ألى (تشخيص) الموت ، أي يعتبـره وكأنـّه بـشر أو كأنّـه ذو قـوّة بشـرية أي (تجـسيده) مادياً . لايـزال المـوت خارجياً ويمكن تجنّبه شخصياً : يستطيع الفرد الهرب من رجل الموت أو يغلق الباب بوجه (بعبع الأطفال) . ــ قص (أنكيدو) على (جلجامش) رؤياه عن الموت في أثناء مرضه : ( كانت السماء ترعد فأستجابت لها الأرض وكنت واقفاً وحدي فظهر أمامي مخلوق مخيف مكفهر الوجه كان وجهه مثل وجه طير الصاعقة (زو) ومخالبه كأظفار النسر لقد عرّاني من لباسي وأمسك بي بمخالبه ) ــ وفي رؤيا الأمير الآشوري (كمايا) عن العالم الأسفل نقرأ : (رقد (كمايا) فشاهد رؤيا في منامه : لأله الموت رأس تنين وكانت يداه مثل البشر وقدماه .. إلخ) جـ ـ المرحلة الثالثة ــ مع نهايــة السنــة التاسعـــة من العمر يبدأ الطفل بحيازة فكــرة الراشدين عن الموت وخصوصاً حتميته ونهائيــّته . وفي المفهوم المعرفي فأن عبارة بسيطـة مثل (سوف أموت) تتضمن إدراكا ذاتـياً ، وعملـيات فـكريـّة مـنطقية وفـهم الأحتمـالية والضرورة والسببية والزمن الشخصي (طول مدة حياة الشـخص) والـزمن الفيزيائي (الزمـن الـموجود بصـورة مستقـلة عـن الشـخص) والنهائية والأنفصال. وعليه فقد كان انفعالا مروّعاً شكل ما يشبه الفضيحة بالنسبة لتلك الطفلة الغضّة المسكينة . لكن هل أن أي طفل يرى مقبرة شاسعة متخمة بشواهد القبور يكتسحه الفزع بهذه الصورة العنيفة ؟ لا .. طبعا .. ولابدّ من أساس نفسي استقبلت على أساسه تأثيرات مشهد المقبرة وشواهدها . وليس شرطا أن نلتقط تراجعيا في الطفولة الباكرة تلك الأسباب والعوامل التي شكلت ركيزة لهذا القلق الذي وصل درجة “الرهاب” حسب ، بل من الممكن أيضا أن نستدل على طبيعة تلك الأسباب والعوامل من نتائجها ، مثلما نستدل على طبيعة الشيء من آثاره . حقيقة نهائية وقد قلنا سابقا إنّ إدراك الموت كحقيقة نهائية يمكن أن يخضّ وجود الفرد، لكنه يمكن أن يثري هذا الوجود المأزوم ويغني آفاقه و”يفلسفه” . تتساءل عائشة بحق وهي تستعيد تجربتها الأولى مع الموت ؛ منظر المقبرة : (كلّما تذكرتُ لقاءنا الأول ، أيها الموت ، تساءلتُ : إذا كان الموتُ غريزة ، يا فرويد ، فلماذا هو مُرعب إلى هذه الدرجة ؟ الموت في رؤوسنا دائما موت شخص آخر . بعد ذلك المساء كنتُ كثيرا ما أفكّر : متى ستموت جدّتي ؟ أمّي ؟ أعمامي وأخوالي ؟ كنتُ أفكّر في الموت وكأنه شيء يخصّ الآخرين ، الآن عرفتُ بأنه يخصّني أكثر منهم) (ص 27) . إنّ هذا اللقاء الأول مع الموت ، أهار عائشة الصغيرة نفسيا ، ولكنه أنضج عائشة الراشدة فكريّاً . ولكن جذور هذا النضج الفكري تمتد في تربة ذاك القلق المُضني الذي تمكنت بذوره السود من ترية اللاشعور وترعرعت فيها . أصبحت عائشة توجّه تساؤلات فلسفية عميقة يمكنها – في الظاهر – أن تقوّض أعظم الفتوحات التحليلية لمعلم فيينا . وفعلا : إذا كان الموت غريزة فطرية ، وغير مُتعلمة ، مزروعة في داخلي ، فلماذا يرعبني ذكره واحتمال أن أكون هدفه ؟ هذا السؤال ، فقط ، يحيلنا إلى ضرورة مراجعة موقف التحليل النفسي (الفرويدي) من موضوعة الموت ، فقد تكون عائشة مُحقّة في هذا الإستنتاج الذي استقت دلائله من وقائع تجربتها . ولنسأل أولا : تُرى ما هو موقفنا من الموت كأناس متحضّرين ؟ والجواب هو أن موقف لاشعورنا تجاه مشكلة الموت هو بالضبط موقف الإنسان البدائي ، وفي هذا الجانب – كما في كثير غيره – يعيش إنسان عصور ما قبل التاريخ داخل لاشعورنا دون أي تغيير . لكن ما هو موقف الإنسان البدائي من الموت ؟ لقد اتخذ الإنسان البدائي موقفا ماميزا للغاية إزاء الموت كما يقول معلّم فيينا . (ولقد كان موقفا بعيدا عن التماسك ، وكان حقا موقفا متناقضا ، فهو من ناحية كان يأخذ الموت مأخذ الجد ، ويدركه على اعتبار أنه ختام الحياة وكان يستخدمه لهذه الغاية ؛ ومن ناحية أخرى كان يُنكر الموت ويردّه إلى عدم . وقد نشأ هذا التناقض من الظرف الذي جعله يتخذ موقفا تجاه موت إنسان آخر ، أي موت إنسان غريب ، يختلف اختلافا جذريا عن موقفه إزاء موته هو نفسه . لم يكن لديه اعتراض على موت الإنسان الآخر : فقد كان يعني فناء مخلوق مكروه ، ولم يكن لدى الإنسان البدائي أي تردّد في إحداث هذا الموت . فقد كان – في الحقيقة – كائنا بالغ العنف ، أشد قسوة وأكثر إيذاءً من الحيوانات الأخرى . كان يجب أن يقتل ، وقد كان يقتل بطبيعة الحال . ولا حاجة بنا لأن ننسب إليه تلك الغريزة التي يُقال أنها تكبح جماح الحيوانات الأخرى عن قتل وافتراس الحيوانات من نوعها . ومن هنا فإن تاريخ الإنسانية البدائية مفعم بالجريمة . وحتى اليوم ، فإن تاريخ العالم الذي يتعلمه أطفالنا في المدرسة ، هو في الأساس سلسلة من الجرائم ضد الجنس البشري . لقد كان موت الإنسان البدائي بالنسبة إليه هو نفسه أمر لا يمكن تخيله وهو غير حقيقي ، تماما كما هو بالنسبة لأيّ منا اليوم . ولكن كانت هناك بالنسبة إليه حالة يتصارع فيها الموقفان المتعارضان تجاه الموت ؛ وكانت هذه الحالة بالغة الخطورة وتسفر عن نتائج بعيدة الأثر . وكانت تحدث حين يرى الإنسان البدائي شخصا يمتّ إليه بصلة يموت – زوجته ، إبنه ، صديقه – وهم الذين كان يحبهم بالتأكيد كما نحب نحن ذوينا . ذلك أن الحب لا يمكن أن يكون أصغر كثيرا من الشهوة إلى القتل . عندئذ فإنه – في لحظات ألمه – كان عليه أن يتعلّم أن المرء نفسه يمكن أن يموت ، وهو اعتراف كان كيانه كله يتمرد عليه ؛ ذلك أن كلّ واحد من أولئك الأحباء إليه كان – وبكل صدق – جزءا من أناه المحبوب . وهكذا ، فحين نتساءل عن موقفنا نحن إزاء الموت ، ينبغي أن نضع تلك المقوّمات في موقف الإنسيان البدائي نصب أعيننا . وهكذا فإن لاشعورنا لا يعتقد بموته هو ؛ إنه يسلك كما لو كان خالداً . وما نسميه “لاشعور” (أي الطبقات الأعمق من عقولنا ، التي تتكوّن من الحوافز الغريزية) لا يعرف شيئا أيّاً كان عن السلبيات أو المنفيات – فالتناقضات تتوافق فيه – وهو من ثمّ لا يعرف شيئا أيّاً كان عن موته هو ، لأننا لا نستطيع أن نعطي هذا الموت إلّا معنى سالبا ، وينشأ عن هذا أنه ليس بين الغرائز التي نملكها غريزة مستعدة للإعتقاد بالموت . وربّما يكون هذا – حتى – سرّ البطولة) (3) أي أننا في الواقع من الممكن أن ننرعب من شبح الموت ولمجرد التفكير في إمكانية أن نموت ، ولكن عدم اعتراف لاشعورنا بإمكانية فنائنا هو الذي يجعلنا “نعقلن” موتنا أي نحوّله من “ضرورة” إلى “عَرَض” : مرض ، حادثة ، مصادفة .. إلخ من جانب ، واعتبار الفزع من الموت – الذي يسيطر علينا أكثر مما نعرف – شيئا ثانويا ، باعتبار أنه يكون عادة نتيجة للشعور بالذنب من جانب آخر مكمل . إنّ غريزة الموت تقرض وجودنا بهدوء وبصورة لا نحسّ بها ، لكنها تنهض بضراوة مع تراكب مشاعر الإثم في الوجدان . وهذه مليارات الناس تحيا بصورة يومية وهي لا تفكّر في الموت إلا على اساس أنه موت “آخرين” وليس موتهم الشخصي ، ولو فكّروا في أنه موتهم الشخصي لماتوا قبل أن يموتوا . ولا يتأجج شعورهم بالفزع تجاه الموت إلّا إذا كان مقرونا بالشعور بالذنب المؤسّس على الرغبة “المتضادة” في موت عزيز . لكن لماذا أطلنا في هذا التفسير التحليل نفسي ؟ ليس للرد على الإنتباهة الذكيّة للكاتبة حسب ، بل للوصول إلى نقطة أعمق في لاشعور الراوية وسلوكها الآسي المفرط تجاه رحيل ولدها والذي يتطلب صبراً قليلا آخر حيث نقول : (بالنسبة للإنسان البدائي ، وكذلك بالنسبة إلينا في لاشعورنا ، تنشأ حالة يتصارع ويتضاد الموقفان المتعارضان أزاء الموت ، الموقف الذي يُعترف به كإفناء للحياة ، والآخر الذي ينكر أن له هذه الغاية – وهذه الحالة هي نفسها التي كانت سائدة في العصور البدائية ، بالنسبة لموت أو خطر يهدد حياة شخص نحبّه ، أحد الأبوين أو شريك زواج ، أخ أو أخت ، إبن ، أو صديق عزيز . فهؤلاء الأحباء – من ناحية – ملكية داخلية ، أحد مكوّنات “أنا” .. نا الشخصي ، ولكنهم – من ناحية أخرى – غرباء ، بل حتى أعداء ، إلى حدّ ما . وباستثناء عدد قليل جدا من المواقف ، فإنه يرتبط بأرق وأوثق عواطفنا أثر من العداء يمكنه أن يثير رغبة موت لاشعورية . ولكن هذا الصراع الناجم عن التناقض الوجداني لا يجد له الآن مجالا – كما كان يجد من قبل – في نظريات الأرواح والأخلاق ، وإنما في الأعصبة Neurosis التي تمدّنا بتبصّر عميق في الحياة العقلية السوية بالمثل . وما أكثر ما تعيّن على أولئك الأطباء الذين يمارسون التحليل النفسي أن يتناولوا عرَضَ مبالغة في العناية الرقيقة برفاهية الأقرباء ، أو توجيه اللوم للذات دون ما أساس على الإطلاق ، بعد موت إنسان حبيب . وقد تركتهم دراسة هذه الحالات خالين من أي شك بشأن مدى وأهمية رغبات الموت اللاشعورية . يشعر الإنسان العادي بفزع غير عادي أزاء إمكان وجود مثل هذه الأحاسيس . ويأخذ هذا النفور على اساس أنه مشروع لتكذيب تأكيدات التحليل النفسي . إنه مخطىء في هذا ، فليس أي حطّ من قيمة حبّنا مقصودا ، ولا أحد يشترك فيه فعلا . إنما هو – حقاً – غريب على ذكائنا كما هو غريب على أحاسيسنا الجمع بين الحب والكراهية ، ولكن الطبيعة باستغلالها هذين الضدّين التوأمين ، تحاول جاهدة أن تحتفظ بالحب يقظاً ومتجدّداً دائماً ، حتى تحميه من الكراهية التي تحوم من ورائه . وقد يُقال أننا ندين بأجمل زهرات حياتنا الغرامية لرد الفعل ضد الدافع العدواني الذي نكتشفه في صدورنا . وعلى سبيل الإيجاز : إن لاشعورنا غير قابل لفكرة موتنا ، بقدر ما أنه ذو عقل إجرامي تجاه الغريب ، وبقدر ما هو منقسم أو متناقض وجدانيا تجاه المحبوب ، بقدر ما كان الإنسان في الأزمنة القديمة . ولكن ما أبعد المسافة التي قطعناها عن الحالة البدائية في موقفنا التقليدي المتمدن تجاه الموت !) (4). وعليه فإن تساؤلات عائشة المُربكة عن الموت كغريزة لا يمكن أن يُنظّم الردّ عليها إلّا إذا أخذنا الموقف من الموت من الناحية اللاشعورية التي تُنكر موتنا وتؤمن بعصياننا على الفناء ، لكنها مدمّرة ومتشفّية تجاه موت الغريب ، ومنقسمة أزاء موت من نحبّ . وبفعل هذا الإنكار اللاشعوري فنحن نسير في حياتنا نياماً ، فإذا متنا صحونا كما كان يقول الإمام علي بن أبي طالب . ووفق هذه الرؤية يصبح قولها دقيقا أيضا : (نحن نستجيب للغرائز بسهولة ، نحب إشباعها ونستلذ بذلك . وإذا كان الموت غريزة موروثة في أجسادنا فلماذا نكرهه ؟ أنا لا أعتقد بأننا نمتلك يقينا حدسيا بالموت ، الأرجح أننا نكتشفه من خلال التجربة ، مثلما ارتطمتُ أنا بآلاف القبور المترامية خلف مجمع الصالحية ، واكتشفت الثقب الأسود في قلبي) (ص 28) . وهذا الإنرعاب من الكثرة الهائلة لشواهد القبور لا يمكن أن يُفسّر إلا بالفزع الأكبر من الميتات الهائلة التي انتصبت أمام عيني وجدانها الهش آنذاك كمكافئ لشدة اختناقها بالآثام منذ الصغر . مع هذا المشهد العقابي المهول أحسّت – ولأول مرة – أن الموت يخصّها أكثر مما يخصّ الآخرين الذين كانت تفكّر في موتهم وهم من أحبتها . إنّ وجدانها الآثم كان العامل الأكبر في تشكيل موقفٍ من الموت أوصلها إلى تضييع ابنها ومساهمتها في “قتله” بصورة لاواعية كما سنرى ذلك . وحين يُصبح الموت ضرورة و”علاجا” فليس غريبا أن يندفع الفرد في “قراءة” هذا الموت والتبحّر في “معرفته” بل مديحه . حاله في ذلك حال المريض المنتهي الذي لا علاج له إلّا بعقار واحد مُرّ حيث نجده يبدأ بقراءة كلّ شيء عن هذا المرض وعن العلاج . وكأطباء نقول أحياناً أن “المريض المزمن” يصبح “نصف طبيب” : (سأمعنُ في مديح الموت ، إذن . سأغازله وأداهنه ، سأنبش في جميع كتبي وأستخرج ظهوراته وتجلياته وملابساته ، سألاعبه وأداعبه ، سأتملّى في وجهه ، وأتأمل في حكمته . سأجعله خفّة وبساطة) (ص 28) . وقد تحوّلت غرفة عائشة بعد مصرع ابنها إلى مشغل عن الموت ، ومختبر نظري عن طبيعته وتاريخه و… فضائله ؛ فضائل تمتد من النظرة الشائعة المبتذلة عن الموت كجندي مجهول يشمّر عن ساعديه ليحيلنا إلى سماد يديم دورة الغذاء في الطبيعة !! .. إلى مواظبته خارقة الدقّة في إنجاز مهماته . ومع هذا البحث “المختبري” والتاريخي العميق تتسع آفاق وعي عائشة ومنظومتها المعرفية في هذا المجال فـ “تتفلسف” – والتفلسف مفتاح إنسانية الإنسان الفائقة – وتتساءل سؤالا صادما وفريدا : هل يموت الموت ؟ : الموقف من الموت (… يستوجب عليك أن تقبض أرواح الخلائق .. ولا أحد سيقبض روحك يا مسكين ! أنت محكوم عليك بالحياة أيها الموت ! أراهن أنك كلّما قبضت روحا ، وأطلقتها لتحلّق في السماوات حرّة ، أن تتساءل : متى سيحين دوري ؟ ماساتك شاسعة أيها الموت ، يرهبك الجميع وليس لك اصدقاء ، يتحاشاك الناس كما لو كنتَ مجذوما ، يتطيّر الناس من ذكرك ويمعن الجميع في هجائك . كان الأجدر بهم أن يتفكّروا في فضائلك ، وأن يمعنوا في مدحك ، كما أفـعل أنا … أيها الموت) (ص 29) . إنّ موقف عائشة الآن من الموت قد عبَرَ الحدود المرسومة والتقليدية المتمثلة في الإنرعاب والفرار والإختباء عن وجهه المُرعب وراء استار الإنشغالات اليومية والعمل والتفكير وحتى الهوايات . أصبح الموت رفيقا وموضوعا ذاتيا محضا .. وهي تحاول أن “تكتبه” .. وتكتب ذاتها في أسبوعها الأخير من حياتها من خلاله . إنّ مراجعة مضمونية لأعظم الأعمال الأدبية عبر التاريخ يكشف أن بؤرة ديمومتها وخلودها في وجه معاول الزمن ، ومفتاح انتشارها بين البشر والامم، يعود إلى أنها عالجت الموضوع الأوحد والأعظم والأكبر في الحياة وهو الموت . خذ ملحمة جلجامش العظيمة .. الأوديسة .. أوديب ملكا .. هملت .. الأخوة كرامازوف .. وغيرها الكثير الكثير تجد الفضل في حياتها يرجع إلى الموت الذي “فكّر” فيه مبدعوها وحاولوا استكشاف كنهه بجسارة . لقد حاولوا السيطرة على فنائهم من خلال التعايش المرير مع مصدره .. ومن خلال الإنشغال بالحياة وهو قربهم يشرب فناجين القهوة من أبريق أعمارهم وينظر إلى ساعته . لقد حاولوا الإنتصار على هذا الفناء المبتذل والحقير – التحوّل إلى سماد بشري مثلا – بالكتابة لرسم امتدادهم الخلودي . والإنسان ــ أيّ إنسان ــ يعـبّر عـادة عن الحاجة لهذا الخلود الرمزي من خلال خمسة أشكال هي : 1ـ الخلود البايولوجي ــ ويتضمن الإمتداد من خلال الأبناء والأحفاد ( تأكيد ديمومة واستمرارية الخلايا الجنسيّة) . 2ـ الخلود الّلاهـوتـي ــ ويتضمـن الرمـوز الديـنيـّة والفـلسفيـّة لحيـاة مـا بعد الموت . 3ـ الخلـود الطـبـيعي ــ من خلال ديمومة الطبيعة (من التراب جئت والى التراب ينبغي أن تعود). 4ـ الخلـود الإجـرائي ــ و يتضمن شعور الفرد بالصـحة والسعـادة لكـونه حيّاً ويركّز على المشاركة الكـــــــــــاملة في كـلّ ما تمنحه الحياة والعيش بصورة أكبر في الحاضر . 5ـ الخلود الإبداعي ــ الـذي يتـيح للبـشر الإمتـداد والـديمومة مـن خـلال الـفـن والأدب والإنجازات البارزة في حياتهم (5) . وكل طراز من هذه الطرز من الخلود الرمـزي تمنح الأنسان إحساساً بالأنتماء لمن سبقه ولمن سيأتي بعده ــ والأهم ــ هو أنـّها وسـائل للسـيطرة علـى القلق المتعلّق بالموت. ولعلّ الخلود الإبداعي هو أعظم ما يُتاح لنا من سبل لتحقيق هذا الخلود الرمزي .. وأقربها منالا (وليس بساطة) – إبداعا أو تلقّيا – كما أنه الأكثر فعلا وعصيانا على الإلتهام .. إنّ الإبداع يميت الموت بإطفاء قلقه : (الحياة الآن ، هي بين أصابعي ، وأنا أمارس عليها نوعا من السيادة ، لأنني أختار أن أكون ، بالكتابة ، وباختياري لذلك أكون سيّدة لموتي أيضاً ) (ص 31) . انتهى