الوطن في ذاكرة الزمان ـ مهدي شاكر العبيدي

الوطن في ذاكرة الزمان ـ مهدي شاكر العبيدي
السحر للكلمة المطبوعة، ولا يقدر أي أحدٍ من الناس أن يبلغ منها شأواً، ويحقق لذاته صيتاً يتواتى له بشكلٍ عفويٍ ودون أن يجعله وكدَهُ وبغيته اللذين يجري وراءهما لاهثاً وسط زحام الآدميين في الحياة اليومية، سوى نفرٍ ونخبةٍ جبلوا على الهيام بها وعشقها، وبحسب القارئ المتذوق أن يميز ويفرد الطارئ المدخول عمن توافر له نصيبٌ من الموهبة ومقدارٌ من التأهيل والاستطاعةِ، وقد شئت ردف المفردتين وكدٍ و بُغيةٍ وكلتاهما ترمز الى معنى الهدف والغاية، بالاسم الموصول اللذَين والكاشف والمنبي والدال على احتوائه ودلالته على التذكير، وذلك اقتفاءً وترسماً لِما درجتْ عليه ونبّهَتِ في الغاية من الأسف والحردِ والأسى، السيدة الراحلة نازك الملائكة عبر افتتاحيتها لعددٍ قديمٍ من أعداد مجلة الآداب البيروتية الأوائل، في موضوعة واقع المرأة المتدني في المجتمعات العربية، فأومأت الى أنه حتى في الطرائق التي ينتهجها الكُتّاب للتعبير عن مراميهم وأغراضهم، وتجسيدِ هواجسهم ورؤاهم، تكون الغلبةُ والأرجحيةُ لصيقة التذكير على حساب التأنيث عند تسطير أو تراصف لفظين متباينين في فحواهما من ناحية كون الأول مذكراً والثاني مؤنثاً، فيؤثر المنشئ وربما جرياً وراء سلائق أسلافه، التضحيةَ والتخلي والاستهانة بمعنى التأنيث ويعدوه الى القطع والحكم والاصطفاف بجانب التذكير، لتخلص الكاتبةُ وتستنتج وتستدل أيضاً على أي حالةٍ مزريةٍ تكتنف عيش المرأة في محيطنا على تمادي الأزمان، ولعل شواهد وحالاتٍ مقرفةٍ لهذا الواقع المقيت هو ما آثر مؤلفا هذا الكتاب النفيس بشأن الوطن في ذاكرة الزمان ، وهما الآكاديميان العاملان في مجال الاعلام والصحافة فضلاً عن المحاضرةِ في مادة التحرير الصحفي والقاء الدروس المفيدة بخصوص التجارب القاسية والمشقات المضنية التي لا محيص للمنتوي خوض هذا المعترك، والانخراط وسط هذا الميدان، من أن يجوزها ويواجهها ويروضَ ذاته على تحمل آلامها وأوصابها، وهما الفاضلان أحمد عبد المجيد وصنوه فوزي هادي الهنداوي وكلاهما فراتيٌّ ومن بيئةٍ ذاتِ دراية وألفةٍ وتمرس بالمهنة الصحفية واضطلاعها بتنوير أفكار الجمهور في عموم الوسط العراقي، وتكفلها بانبائهِ الأخبارَ الواقعية، الحقيقية والصحيحة، حول ما بلغته وأوفت عليه ومن ثم آلت اليه كذلك وقائع ثورة العشرين في قراع الغاصب المحتل، حيث شَهُرَ من صحفيي ذلك الظرف الملتهب الشيخ محمد باقر الشبيبي ونظيره محمد عبد الحسين باصدارهما جريدة الفرات وعلى هديهما وبعد تأسيس الدولة العراقية عنّ لغير واحد من التائقين لمزاولة العمل الصحفي أمثال روفائيل بطي وعبد الغفور البدري وتوفيق السمعاني وجبران ملكون ومحمد مهدي الجواهري ونور الدين داوود وسلمان الصفواني وعبد الفتاح ابراهيم وحسين جميل وعزيز شريف وسليم طه التكريتي وشريف الشيخ وعبد القادر البراك، أن يصدروا صحفاً متنوعة المسميات في السنين التي تلت تعكس رغبات الفئات والهيئات الاجتماعية التي ارتبطوا بها أو متوا لها بصلةٍ ما، وما تبغيه للمصالح العامة من التحقق والصون والتجسيد، وآيلٍ بهم للاقتناع الكلي بأنهم لم يدعوا شيئاً لم يفصحوا عنه من المطالب والحاجات، ويقرعوا به أسماعَ مسؤوليهم وحاكميهم، كي يبتدروا لتحقيق ما بوسعهم التولي عنه منها، قلت آثرَ ذانكَ المتعوبان المجهودان أن يلحقا بكتابهما طائفه من التوصيفات لوضعياتٍ صارخةٍ تكتنفُ حياةَ صنفٍ من البشر اعتادوا مغادرة قراهم ومنازلهم في موسمٍ معين ميممينَ وجهتهم صوب معامل النهروان الكائنة في أطراف بغداد ليعملوا رجالاً ونساء في صناعة الطابوق، موطنين أنفسهم معاً على استنشاق الدخان الأسود المتصاعد من معامل فخر الطابوق الطري بعد أن كان مجرد تراب يستحيل طيناً بعد غمره بالماء ومن ثم افراغ قدرٍ منه في قوالب خشبية أو معدنية خاصة، ليتكفّل رهطٌ من العاملات برصفه وتعريضه لنور الشمس كي تجف بعض الشيء رطوبته وينشف عنه بقية ما فيه من ماء، ويقوم بنقله وترتيبه على وفق أنماطٍ خاصةٍ وسط المعمل، صنفٌ من العاملين المتمرسين، وتأتي مرحلةُ الاشعال التي تستنفد مقادير طائلة من النفط الأسود الذي يتوقف على مدى توفره تشغيلُ مولدات الطاقة الكهربائية، وطالما اشتكت الوزارة المسؤولة عنها من تلكؤ وتواني قرينتها وزارة النفط في مدها ورفدها بأوفى نصيبٍ منه بغية التوسل لاسكات نائرة الغيظ في أوصال الجمهور، واحتواء برمه وتذمره وسخطه كونه يعاني ما يعاني من الانقطاعات الكهربائية، هذا اذا كان ما بحوزتنا من الماكينات والأجهزةِ والمولدات الضخمةِ غير مُعطلٍ وصالحاً للتشغيل والعمل وغير مرشحٍ أيضاً للاهمال والترك والاستغناء عنه.
بلوكات مرصوفة
وقد كتب هذا التوصيف لمعاناة هذه الشغيلة من فرط الاستغلال والضن عليهم حتى بتوفير الأبواب التي تسد مساكنهم التي هي مجرد غرفات جوار المعمل مبنيةٍ حيطانها من بلوكات مرصوفة، اثنان من منتسبي صحيفة الزمان هما زينة سامي وعلي شطب أتيا فيه على ما لا يكاد يُصَدَّق، لا سيما أن بعض معامل النهروان تنتج أحياناً طابوقاً مخلوطاً بعظامٍ بشرية، فقد يحصل في كلِ سنةٍ سقوط ثلاثةٍ الى أربعةِ عمال وارتمائهم داخل ما يسمى بالخباطة دون أن يجد رفقاؤهم لهم أثراً بعد أن يوقفوا الماكنة سوى المتبقي من لحم أجسادهم بعد أن اختلطت عظامهم بالتراب الطري، ويستأنف أولاء المتعوذون بالله شغلهم في انتاج الطابوق، وربما نظروا لهذه الحوادث واعتدوها شيئاً عادياً دون أن يجود أحدٌ عليهم بتعويضٍ عن هذا الخسران المبين لروحٍ بشريٍ، عين الوقت الذي يلمُ بالمعمل أنفارٌ من الرقباء والموفدين من الجهات الحكومية المتعاقبة للوقوف على سير العمل، والتوثق من حُسنِ أوضاع المنتسبين والعاملين وما اذا كانت ادارة المعمل ملتزمةً بالأصول والقواعد المرعية بخصوص سلامتهم وشرط مصافاتهم ومجانبة الاجحاف بحقهم، غير أنهم لا يمسكهم أيُ وازعٍ أو مخافةٍ من فضحِ حقيقة هذه الزورات الشكلية والمتوخى منها من صنوف الغايات والمقاصد وفنون الآراب والمرامي.
وثمة مشكلةٌ آخذةٌ بالاستفحال والتفاقم والاستعصاء على العلاج وتفادي أضرارها ونتائجها، ونعني بها ظاهرة زواج القاصرات لدواعٍ ومسوغات منها العوز المادي وتدني المورد اليومي للعائلة في ظلٍ من تضاعف الحاجات والمطالب الحياتية وعجز ما باليد من الامتلاك لتوفيتها، وكذا ينتحل الوالد شتى المبررات لتزويج ابنته القاصرة غير المؤهلةِ نفسياً وفسلجياً على أساس ان الشريعة الاسلامية تجيز ذلك وتبيحهُ، وتقيهم شرَّ انجراف الفتاة مستقبلاً لو بقيت بدون زواج، وقد تنخدع بمختلف المغريات وتسوء سمعة العائلة، وعبثاً ما يحاول اقناع نفسه بهذه التعلات والأسباب وغيرها حتى منها تلك التي أفصحت عنها الدكتورة نزهت الدليمي أستاذة الحرب النفسية وصرَّحت بها لمُعِدي هذا الريبوتاج الثاني للصحفيين الموفدين من قبل جريدة الزمان خولة العكيلي وصباح الخالدي، ومفادها أن العراق يعيش في جوٍ منفتحٍ الآن ، فيزداد فَرَقْ الأُسَر على صيتهم وسمعتهم، والمسألةُ بعدُ تحتاج الى بعض النظر لها ومناقشتها، وأرى أن اللغط والحديث المستطار عما رُوِّعَ به الأناس الذين يأمون المساجد والكنائس وتستطيل عليهم المفخخات والعبوات الناسفة وتستلب منهم أمنهم وصفوهم في بلدهم الديمقراطي، هما أربى من الحديث عن غضِ الأبصار وتجويز تلاقي العشاق في الخلوات وكفى .
شئت، على تعوذي من شئت لأني لا أمتلك هذه المشيئة ولا أستحوذ على أي مقدار من أعراض الحياة وشؤون الدنيا، أن أستهل أكتوبتي بخصوص كتاب الفاضلين عن الوطن في ذاكرة الزمان بمحتويات صفحاته الأواخر المشتملة على عينات لعصارة ما استوحاه الصحفي عبر تجواله وطوافه واستنطاقه ومحاوراته لمن يقصدهم ويعالج مشكلاتهم من الأفراد البائسين والمشتكين من أوضاعٍ مزريةٍ وحتى مَنْ هم في حالةٍ حسنةٍ ومستقرةٍ ويرغبون في الأفضل والأحسن. وحسب ظني أن القرّاءَ قد يعزفون عن هذه الصفحات بدعوى احتوائها على مجرد تقارير صحفية كتبها محررون مبتدئون ولا تُغني أحداً بطائلٍ من التحصيل والمعرفةِ.
رؤيةٍ اعلاميةٍ
ولأجوس متوغلاً صفحاتِ الكتابِ المُتضمن دراساتٍ تعالجُ أزماتٍ وقضايا عراقية برؤيةٍ اعلاميةٍ، وتنحصر في التغطية الصحفية لسرقة الارث الحضاري، والقيم الاعلامية في انتخابات 2010، ومعالجة الصحافة العراقية للأزمات الداخلية، ولغة الصحافة المطبوعة، وقواعد أخلاق المهنة الصحفية بين التنظير والتطبيق، وذلك في غايةِ ما انتهجته جريدة الزمان من أول عدد صدر بلندن عام 1997م حتى يومنا الحالي وبعدما ارتأته بعد عام 2003م من وجوب استحداث طبعةٍ لها في العراق وفي العاصمة بغداد بعد أن سبقتها طبعةٌ شبه تجريبية لها في البصرة، قلتُ استنَّ القوامون على هذا المطبوع السياسي والفكري والثقافي أصولاً وقواعد من الموضوعية والسماح للأفكار والمبادئ ووجهات النظر أن تتحاور وتتصارع على صفحاتها مما يسطره الكاتبون من مختلف الانتماءات والاتجاهات بحيث تَرْحَبُ صدورهم ويُراضَون على قبول الآخر ويطّرِحون اليقين من نفوسهم أن رأيهم هو الأميّزُ والأجدرُ أن يؤخذ به ويُنزَلَ عليه، وأنهم وحدهم دون سواهم مخلصون للوطن وعاملون لرقيه وازدهاره وغيرهم مجرد مدعين وغير صادقين في مُدّعياتهم، موصيةً خلال ذلك محرريها وكتابها جميعاً بتحاشي الخدش والتجريح والمس بالكرامات والاعتبارات الشخصية والمواضعات المألوفة، وهذه الوصايا والتعليمات هي أبين ما تُلزِم به التقاليد الديمقراطية وتشيع في المجتمع المتقدم الراقي حيث يسود السلم الأهلي وروح التسامح، لكن يبدو أنا بحاجة الى انصرام زمنٍ أو كمٍ هائلٍ من السنين حتى نعتاد أو نزداد اقتناعاً بأن مخالفنا في الرأي وقريعنا في الفكر والاعتقاد، هو مثلنا لا يسعى للاضرار بالصالح العام أو ينتقص ويشكك بدخيلة مدعيه وساعٍ له وناصبٍ من أجله.
وجميع فصول الكتاب تنسلك في خانة التأليف المشترك، وليس أن يتقاسم المؤلفون ويتوافقوا على أن ينفرد كل كاتبٍ ويختص بتحرير فصلٍ معيّنٍ بعد الاطمئنان لجدارته وتمكنه من تنسيق مادته وترتيبها مع الاستئناس بتلاؤمه هو ومشربه واستعداده، فلا مراءَ أن تجد في هذه الكتب ثمةَ تباينات واختلافات في الأسلوب والبيان ومدى ما تنطبع به العبارة من المتانة والاحاطةِ بالمعنى قبل توخيها السلاسة والاشراق، أو بخلاف كلِ تلك السمات والخصائص من الانتحال والاعضال والتكلف. أما الحال عند تحرير هذه الفصول وتنسيقها مع الاتفاق على الحاق بعضها بجداول توضيحية تتعلق بالمندوبين الصحفيين الذين أنجزوا بعض ما يستهدفه المؤلفان من تفسيرٍ وتبسيطٍ للظاهرة مثلاً، فأنت تحار بين تشخيص مَنْ هو صاحب الفكرة ومعتنق الرأي منهما، ومَنْ هو المُوَكَل بصياغتهما والعبارة عنهما، وعلى أي حال فقد الفيت الأسلوب في جميع الصفحات مراعياً لفصاحة اللفظ وصحته ووضوحه، بل هو الأسلوب الذي ألممنا قبلاً ببعض مواصفاته من القدرة على الافهام والابلاغ قبل أن يسترعينا لاستهواء بلاغته ولا أن يطمح الى مساماة المنشئين في ما أسلفوا من لقياتٍ ونصوصٍ يأتمُ بها الشادي وطالب الأدب، ولا أن يقسرنا على تملي شواهد تُعزى لنفرٍ من الكُتّابِ المتحذلقين الذين ظهروا في عصور شهدت ركود الأدب العربي وايغال الأدباء في التعمل والتصنع الممجوج وانصرافهم الى تحسين العبارة وتزيينها ما وسعهم دون أن يشارفوا درجة الابداع والابتكار والجمال الفني.
وحسبي أني اذ وعيت هذا التشخيص وفهمته وشايعتهما في أن يجعله أيُ صحفيٍ قبلته ويقفوهُ ويترسمهُ في كتابته لا أن ينبري لمحاكاة طلبة المدارس في أن يتحروا ويستوثقوا من العمل بهذه الشروط، فانما تأكد لديّ أنهما قرأا كتاب طه حسين عن شوقي وحافظ، ففيه فصلٌ ضافٍ عن تطور اللغة العربية في القرن التاسع عشر وتوارث الأدباء في مصر لأساليب كتابيةٍ وبيانٍ موسوم بالتعقيد والاعضال استنفد أغراضه وانتفتْ الحاجة له، حتى اذا عاد للبلاد من اوربا أقطابُ البعثة الذين أوفدهم محمد علي باشا لدراسة العلوم في عديدٍ من الجامعات الغربية والفرنسية منها خصوصاً، متأثرين بطبيعة الحياة هناك ومعتزمين نقل مظاهر حضارتها وتخليص بلادهم من جميع أشكال التخلف والجمود والفساد، تبدلت الحال غير الحال، اذ انتشر الوعي الصحي بمقدار بين الطبقات الفقيرة، واقتنع الأهالي بضرورة دخول أولادهم في المدارس ليتعلموا القراءة والكتابة، وينتقلوا منها للأجدى والأرفع، وبه يسمو تأميلهم في التحول من رقة الحال وشظف العيش، وجنح الأدباء للسهولة والبساطة في صور التعبير وعياف ما جرى عليه مَنْ سبقهم من التزويق والزركشة والتتنميق في الألفاظ على شاكلةٍ غير نافعةٍ ولا مجديةٍ في الافهام والابلاغ، ولم يمضِ عقدان من بوادي القرن التاسع عشر حتى انطوت تلك البدوات الرامية للتحلل من أنماط التعبير التقليدية قاطعةً بعض الخطوات للاقتراب من السلاسة والأسلوب العفوي، فكان آخر من تمسك بالتنميق والتسجيع من كُتّاب مصر في الربع الأخير من القرن التاسع عشر ابراهيم المويلحي في بعض آثاره ومقالاته الصحفية، ونجلهُ محمد في صفحاتٍ من قصته النادرةِ والرائعةِ والهادفةِ للمقارنة بين ظروف عيشنا وتقاليدنا وبين ما أوفى عليه الغرب من نهوضٍ ورقيٍ وانتعاشٍ في كلِ مستلزماته، ألا وهي قصة حديث عيسى بن هشام ، فرغم ما يشوبها من تفصحٍ وتعّملٍ في وصلاتٍ منها، حسبه أن البقية منها مطبوعةٌ بالأسلوب الرائق المتسلسل رغم ما صار اليه الدكتور علي الراعي من استكناهٍ أن قارئ اليوم لا يطيقها ويصبر عليها.
التطور التدريجي
والانتقال بالنثر
وكذلك صاحبانا فقد استلفت أنظارهما هذا التطور التدريجي والانتقال بالنثر من التكلف والتعقيد الى لزوم الكُتّاب والمنشئين طواعيتهم وترَّسلّهم في التعبير عن خوالج نفوسهم وصياغة تأثراتهم بما يشهدونه في الوجود من أشكال الغرائب والعجائب بمنتهى العفوية والطلاقة حتى ما يهمهم أن ينتقوا بعض الألفاظ التي يُغرَون بها فيزجون بها في ديباجتهم، الى أن صرنا من هذا الحال أن انفردَ بعض كُتّابنا بخصائص يستجلي القارئ منها أطوارهم وأطباعهم، وبمنأى عن التسجيع والتجنيس. شياتٌ من ذينك الوقوف والعرفان بتطور النثر العربي بصورةٍ تدريجية وبحسب ما ألم به طه حسين، تتمثل في الفصل الرابع الذي تناولا فيه موضوعة لغة الصحافة المطبوعة ونصحا كذلك للمبتدئين من الصحفيين أن يلموا بقواعد النحو والصرف والاملاء وأن تخلو كتابتهم من هذه الهنوات والسقطات. ويجمل بأرباب الصحف أن لا يتسرعوا في تصديق أقوال ومزاعم لطالبي التوظف أو الاستخدام ضمن أهون أعمال المهن الصحفية ألا وهي التصحيح الطباعي كما هو المتداول والشائع عنها في اوساط المحررين والمراسلين والمندوبين، في حين أنها هي أجَلْ وأرفع من ذينك التثمين والتوصيف لولا أن أساء لها وشان بها بعض المغادرين وظائفهم في دوائر الدولة وأعجزهم أن يشتغلوا في السوق، ليغالبوا الملالة والسأم، ويجنوا بعض المرابح لتوفية الحوائج ومطالب العيش التي لا يفي بها الراتب التقاعدي الضئيل خاصةً في ظروف الحصار المقيت، فلم يحتشموا من الأدعاء والتلفيق والكذب أنهم درسوا النحو والصرف أثناء دراستهم الجامعية المسائية، لينكشف أمرهم بعد أيام حين يفوت أحدهم تصويب نطق مفردات جاءت منونة الآخر اذ هي من الممنوعات من الصرف مثل مدارساً، تلاحيناً، وعطشاناً فيجب عدم تنوينها مما كان معلمو المدارس الابتدائية يلقنونه لتلاميذهم في الصفوف الخامس الابتدائية لحد عام 1961م.
وأجدني في غير حاجةٍ لأن أثني على ما ابتغياه ووصلا له وأوفيا عليه من الصدق والأمانة في بقية الفصول، وكفاهما من شدة النفس والشعور بالاهتضام وتحسس الوجيعة بفعل ما نُكب به الارث الحضاري للعراق ما قبل سبعة آلاف سنةٍ من السطو والدمار وتخريب الآثار والمتاحف ونهب ما تحتويه المكتبات العامة في غير رجأ من البلاد من كتبٍ ومخطوطاتٍ، وقسمٌ كبير منها تسرّب وبيع في الخارج، وكل هذه العوامل هي الحادية بهما على الانقطاع للكتابة باندفاعٍ وصدقيةٍ وتحمّسٍ وشعورٍ بالمسؤولية، وتعرّفت من قراءتي في الكتب أن الكاتب الفلاني قليل القراءة لكن لا يدانيه أحد في شدة نفسه وجيشان شعوره وذانك كفيلان بمساعفته على التدوين والتأليف.
فأما المقدمة التي تسرد فصول اصدار الزمان والتي كتبها الأستاذ سعد البزاز مؤسسها ورئيس الاعلام المستقل، فحسبي أن أزجي منها هذه العبارات الجادة في تطلعها وتوقها لعراقٍ يعيش فيه الجميع متحابين ومن مختلف العناصر والأعراق والأديان والمذاهب رافضين التقسيمات الوهمية لخارطة العراق والموحى بها من بعض الأخيلة المريضة لوجدان المدخولين والراغبين في التسلط والتسيد على ما يسمى بالأقاليم.
تلك هي رسالة الزمان ماتزال.. وستبقى، لا سيما في العراق الذي تناوبت عليه الاختبارات لقياس قدرته على التحمل والبقاء في مكانه وحجمه شعباً وأرضاً. كان الهاجس، ومايزال، هو كيف يحتوي الفكر العربي عبر مناراته ومنها الزمان أوهام التفوق المستمدة من نقاء السلالات أو استيراث الأصالة أو الانتساب الموهوم لأدوار قدرية فوق طاقة البشر، مثل الزعم بان أفراداً حق لهم ما لا يحق لسواهم لاعتقادهم أنهم منتدبون ومكلفون من السماء ، لكي يحل بديلاً عنها مفهوم الدور الخلاق للفرد المُصانةُ حقوقه، الذي يأخذ من المجتمع على قدر ما يعطيه، وتعلو منزلته باحتساب ما يبدعه وينجزه، لا بحساب أوهام مَنْ انتسب اليه من نقاء السلالة والعائلة والقبيلة والطائفة .
وأشهد أنها تنسلك في قبيل النثر الفائق العالي، ولا يُعجزني النفاذ الى ما يكمن خلف هذه الأسطار وتنطوي عليه من تلميحٍ وايماء أو رمزٍ موحٍ قد يعين على الشرح والتفسير، بل الفضح والتعرية … والسلام.
AZP07