الهراء لدى أصناف الأدباء

علي السوداني

وهذا زمان أظلم أسخم أرمد صار فيه الأدباء جلّهم يتبعهم الغاوون وقد ذهب أزيدهم وما حولهم من عمال الفنون الجميلة ، مذهب ربط الحرف والقول بأثاث البطن حتى صار السكوت عن الحق شطارة وقنص فرصة حياة لا تعطش ولا تجوع ولا تعرى ، وأسوأ تلك الأصناف من هؤلاء هو ذلك النوع الذي كان يهزّ المؤخرة والكتفين والردفين واليمين واليسار بباب صدام حسين ، وهو الآن يهز نفس الهزة المنعشة على أعتاب وبيبان المزاد الأدسم في تاريخ العراق المريض ، فصار الردح والعرق على قدر الطعام وصنف الشراب وقوة الدينار .

منهم من اكتشف أنه ” سيّد ” فبدل بوصلته واسمه الأدبي والفني كمن وقع على كنز ذهب ، وآخر استعاد لقب العشيرة القوي الآن ، وثالث أفتى بأن لا عظيم فرق بين الحداثة وما بعد الحداثة وبين لطم الصدور وشق الجيوب وإدماء الرأس وجلد الظهر ما دام الأمر لا يكلف الشاعر سوى معصار دمعة قد تحدث بعد ذبح فحل بصل .

ورابع ذهب الى كثرة التفاسير فصارت الناس عنده بين كافر لا شفاء منه وكافر قد يرعوي ومؤمن محصن حتى لو قتل الناس جميعاً .

وخامس وغد شيطان خبيث خنيث رعديد جبان يقول لك انه يكتب القصة والقصيدة ويرسم اللوحة وهمه نشر الجمال وليس السياسة أو قول الحق أو مقاومة الغزاة والحرامية حتى لو كانت بسطر واضحٍ نبيل .

وسادس مسك المسألة من أخيرها وقال لك اكتب أنت وحرفك وقاتلا إنّا ها هنا جالسون نسور مائدة ترقص فوقها أطيب المطبوخات وأسكر المشروبات ، فتقترح عليه أن يُخرسَ معدته المهدولة بقرص خبز طيب حلال فيضحك ويرميك بسهم البطر والبطرنة .

والسابع وجه الغراب وشؤم البومة يخرج غبشة متأبطاً حقيبته السمينة ، ويدور على الدكاكين ومواخير الكلام الرخيص فيترك قصيدة هنا وأغنية هناك ولوحة بينهما ، ناطراً حصاد رأس الشهر العظيم .

أما ثامنهم المبجل فهو ذلك النبيل الزاهد الذي أدركته حرفة الكتابة الصائحة بالحق وبالجمال وبالخلق الثمين ، فصار شبيه كيس جلدٍ يلمُّ كومة عظام ، لكنه ينام مرتاحاً خفيفاً من أي ذنب وشبهة . يصنع البهجة والسعد بصومعته الفقيرة الا من صوت الضمير العالي وهو يصيح به شكراً يا شقيقي الأبدي الطاهر .