الميزان وتأرجح الكفتين – فيصل جاسم العايش

كلام * كلام

الميزان وتأرجح الكفتين – فيصل جاسم العايش

 

لم يضع المشرعون القوانين لكي تضمها دفتا كتاب يركن الى مكتبة . لقد وضع المشرعون القوانين لكي يتم تطبيقها من قبل رجال القضاء والمحاماة والدوائر المختصة بإحقاق الحق وانصاف المظلوم ومعاقبة الظالم وتلك هي شرائع النصوص الفقهية بشقيها الديني والبشري ، فالقوانين الدينية معروفة تلتزم بها الدولة في قوانينها وتعليماتها طالما هي صالحة للانسان في وضعه الاجتماعي وتكون ملتزمة بها لأن دستورها في حال كونه ملتزماً بهذا الدين وقوانينه يحتم عليها ذلك ، أما القوانين الاخرى التي يضعها رجال القضاء فهي قابلة للتغيير من آن الى آن آخر ومن مرحلة الى اخرى بناء على ما تقتضيه المصلحة العامة ، وتجري عليها بين الفينة والاخرى جملة من التعديلات التي تسهل أمر تطبيقها في قضايا اجتماعية عدة كالزواج والطلاق والميراث وسواها من الامور الحياتية الاخرى . في احدى من شرائع حمورابي نقرأ ” انني أسنّ القوانين كي امنع القوي من الجور على الضعيف ” وهذه الجملة القانونية القادمة من رأس هرم السلطة تنبئ عن مقدار الفهم والادراك الواعي لأهمية إشاعة العدل بين الناس وإحقاق الحق وأن لا يقوى القوي بماله وسلطته على من هم ادنى منه في الحياة أو الغنى ، فإذا تحقق ذلك فأنك ستجد مجتمعاً متماسكاً قوياً لا يجرأ أحد على ظلم أحد ، لأنه يعرف أن الجهاز القضائي سيكون له بالمرصاد ، من حيث العقوبات الصارمة التي سنّها المشّرع حبساً أو غرامة أو نفياً أو غير ذلك مما يراها عقوبة رادعة لكي لا يتجرأ أحد على الاتيان بمثلها . تلك هي من ابسط مقومات اشاعة العدل بين الناس ، ولذلك وضعوا صورة كفتي الميزان المتعادليتن شعاراً للقضاء على مر العصور ، ولكنك الآن تفاجأ بإختلال المقاييس الخاصة بتحقيق العادلة ، بعد شيوع قيم جديدة خارج اطر القوانين التي ترعى حقوق الناس ، فمن غير الصحيح واللائق ان يصدر عفو عن مختلس سرق اموال الدولة ثم تعيده الى الوظيفة ذاتها ، ومن غير المقبول ان يتم العفو عن مجرم لن يتوانى لاحقاً عن القيام بذات الفعل الاجرامي الذي دخل بموجبه السجن واستحق العقوبة عليه ، لأن ذلك لن يضع الحق في نصابه ولن يجعل كفتي الميزان متعادلتين ابداً!.

لنطمح جميعاً الى ان تبقى كفتا الميزان في افق واحد لا تميل كفة دون صاحبتها ، احقاقاً للحق وانصافاً للمظلومين .