المذاهب الإسلامية في الدولة المدنية — د. نصيف الجبوري

ان الدولة المدنية التي يناضل ويجاهد من اجلها الكثير من النخب العراقية المثقفة باتت الحل الامثل لعراق ما بعد الاحتلال. لكن المعضلة الاساسية التي تقف في وجه هذه الاطروحة دخول المذاهب الاسلامية بكل ثقلها في المعترك السياسي منذ عام 2003 اثر الاحتلال الامريكي للعراق. وان الذي قرع صفارة الانذار لعموم العراقيين هي الحرب الطائفية التي مرت على الشعب العراقي بين عامي 2006 و 2008 وجعلت الكثير من مخلصي هذا البلد يبحثون عن الوسائل الكفيلة للوصول الى حلول ناجعة والخروج من المأزق التي تسير أليه اليلاد.
لقد قدمت ورقة للمجمع العالمي للتقريب بين المذاهب في لندن في هذا الشأن قرأت ونشرت في ادبيات المجمع في نهاية شهر اكتوبر الماضي, ارى ان هناك ضرورة للتنويه عنها والحديث عن محتواها هنا في العراق. لوضع المسؤولين من المراجع الدينية والسياسية والثقافية امام الامر الواقع وتحذيرهم من التمادي في اللعب بالنار حينما يتركون المتعصبين يعبثون بأسم الدين او المذهب بمقدرات البلاد ويفتنون العباد. لان البقاء على هذا الحال سيفجر الطائفية مرة اخرى ولات حين مناص كما يقول القران الكريم.
لقد شهد التقريب بين المذاهب الاسلامية مدا وجزرا حسب الظروف السياسية التي مرت بها المنطقة عبر العصور. فعندما توفرت الارادة السياسية في مصر بداية ستينات القرن الماضي شهد التقريب عصرا ذهبيا ودلى الفقهاء بدلوهم في الصحف والمجلات وعقدت المؤتمرات المتخصصة حتى وصل الامر بالشيخ شلتوت ان يفتي بأن المذهب الامامي والزيدي هي مذاهب اسلامية يجوز التعبد بها شأنها شأن المذاهب الاربعة وأوصى مع زملائه بالازهر الشريف على ضرورة نبذ التعصب المذهبي من اي طرف كان.
لكن الامور والأحوال تغيرت فيما بعد اثر استباحة الجيش الامريكي لدولنا العربية والاسلامية وزرعه الفتنة بين ابناء الشعب الواحد. فبات التكفير أمر يسير بل القتل على الهوية مشاعا في المنطقة فالشيعي يكفر السني ويصفه بالناصبي والسني يكفر الشيعي بوصفه رافضي حتى اصبحنا نرى في العراق مثلا بأن الشيعي يذبح السني ويتقرب بدمه الى الله والعكس صحيح ايضا.
علينا ان نقر بحقيقة واقعة لا ينكرها الا مكابر وهي ان دعوات التقريب بين المذاهب بأسلوبها الحالى لن تجدي نفعا ولن تقدم للأمة الحلول المرجوة منها، فالحروب الطائفية تصاعدت في بلدان اسلامية عديدة لم تكن تعرفها من قبل. في حين ظلت قضية التقريب بين المذاهب تراوح في مكانها. واقتصرت على عقد ندوات متخصصة تخاطب طبقة معينة من المتدينين والعلماء والمثقفين المهتمين بهذا الأمر. وبقت غالبا ما تدور في محاولات يائسة لاعادة كتابة التاريخ واثبات وقائع مرت عليها اكثر من ثلاثة عشر قرنا مضت وكل فريق يتشبث بحججه ويحاول الانتصار لها بكل ما انوي من قوة.
ان مثل هذا الاسلوب في دعوات التقريب قد يكون ناجعة شرط توفر الظروف الملائمة لها ولعل اهمها وجود عدة دول اسلامية قوية عادلة غير متعصبة وفهم عميق للاسلام من قبل المسلمين انفسهم. في حين نرى بان الظروف الحالية التي اشتدت فيها الحملات الاستعمارية الهادفة الى تقسيم المقسم وتشتيت المشتت، تحتم علينا حلولا جذرية وشجاعة من نوع اخر تعالج المشكلة الاصلية ولا تدور حولها باستخدام اساليب لا طائل لها اكل الدهر عليها وشرب.
قد يكون من الصحيح القول بان المذاهب او المدارس الاسلامية جاءت كعامل اثراء للفقه الاسلامي وأوجدت حلولا لأهل العامة لفترات طويلة تمكنوا من خلالها ممارسة عباداتهم بيسر. لكنها اليوم وفي ظل الازمات العقائدية السياسية الدينية باتت تشكل معضلة حقيقية نتيجة قوة الدول القومية والوطنية على طول الساحة الاسلامية وعرضها، وبالتالى فأن تعاطي السياسيين مع هذا المذهب او ذاك وفق مصالحهم الذاتية او الحزبية او الفئوية عقد الامور اكثر فأكثر. فأضحى السياسيون لا يتورعون من استخدام المذهب لرغباتهم الانية والانانية ويوظفوه لمصلحة احزابهم وتنظيماتهم السياسية ولسان حالهم يقول وليكن من بعدي الطوفان. هذه الممارسات الجديدة قد زادت مساحة المتشددين والمتعصبين اتساعا وقلصت مساحة المتعقلين والوسطيين اكثر من اي وقت مضى.
اذن هناك اهمية وضرورة قصوى لفك الارتباط بين السياسي والديني او بين الثابت والمتغير او بين الدائم الازلي والمتحرك الدنيوي. بل ما احوجنا اليوم ان نفرق بين المبادئ الاسلامية الاساسية التي جاهد رسول الله صلى الله عليه وسلم من أجلها ولعل اهمها العدل والمساواة والحرية والعدالة الاجتماعية والسلام والصدق والوفاء بالعقود والعهود والرحمة واحترام الاخر والتعاون على البر والتقوى والاخلاص والتضحية وايثار المصلحة العامة على المصالح الشخصية والجد والمثابرة والبحث عن العلوم واقتنائها من جهة ومن جهة اخرى العبادات الشخصية والمذاهب التي ينبغي ان تأخذ حجمها الطبيعي في المجتمع فهي ليست دين انما مدارس ينبغي ان تبقى كذلك. أن تلك المذاهب ليست مؤسسات وطنية عامة تقوم بتطبيق الدستور وأدارة البلد وتنظيم التيارات والاحزاب والجماعات المدنية، بل تعالج وتنظم وترعى ممارسات الافراد العبادية فقط. كي لا تتحول تلك المذاهب الى أحزاب او تكتلات او تنظيمات دينية سياسية تصبح جزءا من المشكلة وليس حلا لها.
من المؤكد بأننا عندما نوسع مساحة المبادئ الاسلامية العليا التي تخص حياة المواطنين والتي اشرنا الى بعضها انفا، ونقلص من جانب اخر مساحة تعاطي المذاهب في الشأن العام، سوف تتقلص وتتناقص مساحة الطائفية السياسية بل حتى الدينية. فلا ينبغي ان يفرض اي شخص كان مهما كانت سلطته او موقعه السياسي او الديني صلاته ومعتقداته وشعائره الدينية في هذه الوزارة او تلك الدائرة الحكومية او أية مؤسسة مدنية. لأنها ستكون عامل فرقة وتمزيق للمجتمع لان تلك الصلاة والمعتقدات فردية وينبغي ان تمارس في اماكنها الفردية في البيت او المسجد. وليتق الله في المسلمين رجال الدين والاعلام فأن الفتنة تبدأ من كلمة وتنتهي بأنهار من الدماء.
لسنا الان بصدد الدعوة لالغاء المذاهب انما لتصحيح تعاطي المذهب من قبل اتباعه والعمل على ضرورة العودة الى الجذور والاصول التي جاهد وقاتل من اجلها رسول الله صلى الله عليه وسلم. ففي ذلك الوقت لم تكن هناك مذاهب او مدراس وكانت سياسته مع المسلمين تعتمد على تغليب الاهم على المهم والحفاظ على مصالح الناس هي الهدف الاسمى عنده صلى الله عليه وسلم سواء في مكة المكرمة او المدينة المنورة وكانت سياسته تتلخص بأن الدين المعاملة وأن لكل مقام مقال ولكل حدث حديث.
نحن امام مؤامرات حقيقية تسير على قدم وساق لتمزيق الامة الاسلامية من خلال معاول الطائفية المقيتة والعنصرية والعشائرية ولعل ما يجري في سوريا اليوم اسطع مثال على ما نقول، فالتجربة العراقية السيئة الصيت والتي حدثت بالأمس القريب ولا تزال نيرانها تشتعل هنا وهناك, يراد لها ان تعمم وتعرب بالمنطقة من قبل ابنائها. اين نحن اذن من حديث رسول الله عندما قال لا يلدغ مؤمن من جحر مرتين.