المثقفون ووظيفة القلم
(الحكيم يفكر قبل ان يتكلم والجاهل يتكلم قبل ان يفكر) قول من الادب العالمي”
ان العلاقة بين المثقف وجماهير الامة هي علاقة جدلية تصبح فيها مهمة الثقافة بناء شخصية المواطن بناءً خلاقا وتصعيد حماسه للدفاع عن الوطن لاسيما اثناء المحن والازمات ، وما كان من تباطؤ وخمول في مواكبة الاحداث يجب ان لا يكون وعليه فان كل مفكر وكل مثقف وكل كاتب يجب ان يطهر الهواء المحيط به بمطهر الحقيقة كما يقول (غوركي) فهل كل ما يملأ رؤوسنا من افكار دليل على الثقافة الحقة ؟ الثقافة هي ما نظرت الى الواقع الملموس بعين علمية تفرز الجيد من الرديء وتفسر مواقف الكتاب على اختلاف مواقعهم الاجتماعية لان كثرة المؤلفات التي يطرحها مؤلف ما لا تنهض دائما دليلا على جودة منهجه وروعة الثمار التي يقطفها الجمهور او القراء فرامبو الشاعر الفرنسي يذكر كلما ذكرت الحركة الرمزية في الادب الفرنسي غير مؤلف (القارب الثمل) فقط الذي رفعه الى مصاف كبار الشعراء في العالم وهناك الشعراء العرب الكبار الذين ما خلفوا غير قصيدة واحدة رفعتهم الى مصاف شوامخ العالم في الادب . فولتير هو الاخر يكتب على قصاصة ورق باقلام الرصاص ثم بعد ذلك يكسر الاقلام ويلفها بالورقة التي كتب عليها ثم يضعها تحت الوسادة التي ينام عليها لانه غير راض عما كتب ، (تشيكوف) الكاتب والفيلسوف الروسي تناول بذكاء وسخرية عميقة احيانا معالجة قضايا الناس ومشكلاتهم وفق الوعي والادراك للحالات الانسانية باسلوب فلسفي عميق .
وفي واقعنا اليوم كنا ننتظر من ادباء وشعراء المربد تغيير اللهجة المعتادة فكنا نشتاق مثلا الى القصيدة الكهربائية او القصيدة الخدماتية او قصيدة العاطلين عن العمل ولكننا عشنا مع مربدنا العتيد عكس ما تمنيناه فكان الاغلبية من الحضور يتبادلون التباوس ويستخدمون المحاباة والرياء والشخصانية فيما قدموه وهذا الذي شهدناه . اي واقع هذا الذي يصوره الشاعر والكاتب والمثقف والفنان عندما لا يهمهم في الوجود شيء اكثر من مصالحهم الفردية الانانية واقع الفرد المسلوخ عن مجتمعه اللا منتمي الى عالمه واي صراع هذا البعيد عن الصراع الانساني المهذب الذي تنتج عنه قيمة عليا اسمها قيمة الفكر والصراع الفكري ؟ لقد وهب بعض المفكرين والادباء والمثقفين والعلماء الكبار في العالم ما يمتلكونه من ثروة مادية وفكرية لاسعاد مجتمعاتهم وتقدمها وجالت اقلامهم في قول الحق والحقيقة اثناء السلم والحرب فكانت الصورة التي قدموها من خلال الحياة اروع ما يكون وكان اولئك الشوامخ يكتبون كلما بدا لهم لا كلما طلب اليهم ونحن لو رجعنا الى واقعنا العربي وبالتحديد في 5 حزيران 1967 ماذا كان موقف المفكرين والمثقفين العرب في تلك المدة وما بعدها ؟ الجواب هو كان هناك اتجاهان الاول متفائل ومؤمن بقدرات الامة ومستقبلها وتحديها للمحن والازمات وهذه هي النظرة المتفائلة بمستقبل الامة ، اما الاتجاه الثاني فهو ما يمثل النظرة التشاؤمية وفي هذا الاتجاه امتدت الاقلام لتكون عونا للعدو الصهيوني ، حيث استغل هذا الموقف اللا ملتزم بقضايا الامة واخذت الصهيونية تتهم العقل العربي بانه جامد وساكن وشككت بقدرات الامة العربية وان هذا النمط المتردي من الكتابات اصبح في حقيقة الامر اشد خطرا من الاعلام المعادي نفسه .
ان العبرة ليست في كتابة المحاضرات الفلسفية او بالمزايدات من احسن شعرا مِن مَن ، فاننا نريد تحديد المحنة والهدف والكتابة التي تضع الاصبع فوق الجرح وتبقى الاسئلة اكبر من كتابة المحاضرات الفلسفية في اعمالنا الثقافية والفكرية . الاسئلة المطروحة امام مفكرينا ومثقفينا اليوم هي من نحن ؟ وماذا نريد ؟ ما معنى التاريخ والكون والحضارة ؟ ما معنى الانسانية والنظام العالمي الجديد الذي يدعونه ؟ كيف تكون النهضات الحقيقية ؟ ما هي مقومات بقاء الامة ضد عوامل الهدم والتصفية ؟ هل من الممكن ان نحبر اقلامنا بالدم ونحن نرى حالات الضعف والوهن والتخلف بواقعنا ؟ هذه الحالات التي وصلت الى حد موت اخوتنا وهدم منازلهم فوق رؤوسهم من قبل المعتدين الصهاينة وغيرهم ؟ ما هو اقل من هذه الاسئلة اليوم هروب وعجز وتاخر حتى لو تزيا مفكرونا ومثقفونا باخر ازياء الثقافة العالمية . ما البديل اذن ؟ البديل هو كما نراه جميعا الرجوع الى الفكر العربي الحر والكلمة الحقيقية الصادقة التي تبدد التيه والظلمات والبديل هو الاستقامة والشجاعة والراي الباسل الذي يجب ان يتمتع به كتابنا ومفكرونا في مرافعاتهم عن المظلومين ، اليس حملة الاقلام هم اصحاب رسالة ؟ فمن يبلغ هذه الرسالة اذا لم يغمسوا اقلامهم في الحقيقة ويبعدوا عنها الزيف والانتصار للمظلومين وانصافهم ؟ .
ان كتاباتنا سواء كانت ادبية او فكرية او فنية يجب ان تساعد على تحقيق الوحدة والتقدم والكفاح ضد اعداء امتنا والا فقدت هذه النتاجات قوة جذبها وصدقها وعليه فان مفكرينا وكتابنا يجب ان يدركوا خطورة المرحلة والاطماع الاستعمارية والهجمات المستمرة على بلدنا وامتنا وغير هذا فان كل مثقف تكون ثقافته جوزا فارغا وان تجاوزت الجوزاء .
لفته عباس القره غولي
/6/2012 Issue 4228 – Date 18 Azzaman International Newspape
جريدة الزمان الدولية العدد 4228 التاريخ 18»6»2012
AZPPPL























