القضية الكردية في سوريا

القضية الكردية في سوريا
شيروان شاهين
منذ مايقارب الاكثر من سنة ونصف، والشعب السوري بكل الوانه، وتكويناته.. لم يمل ولم يتعب ولا حتى دقيقة واحدة من ترديد، عبارة السقوط لنظام الدكتاتور بشار الاسد وشبيحته.. ومازالوا مستمرين وبنفس الوتيرة والهمة.. في ثورتهم الى الامام، وبحسب معظم المراقبين والمتابعين فان الثورة السورية ارتقت الى مستوى الثورة الفرنسية، بل تعدتها في صمودها، واستمراريتها، والتضحيات التي يقدمها هذا الشعب من اجل نيل حريته.
وبنظرة شاملة على خريطة الواقع اليوم في سوريا، وبعد كل هذا الكم الكبير من القتل والذبح وجرائم الاغتصاب والخطف والتنكيل بالمعارضين.. ثمة حديث يدور عن القضية الكردية في سوريا، وهو حديث قديم حديث يفرض نفسه على عنواين الاحداث باستمرار. ولكن بدا مؤخرا بالصعود وبوتيرة اكثر، وذلك نتيجة لكتلة من المعاتبات، واحيانا اخرى اتهامات مباشرة للكرد من كتاب وناشطين سوريين، من قبيل إنهم خارج دائرة الثورة وذو مشاركة ضعيفة في الحراك الثوري. وما برر لهم حججهم هو الوضع العام الذي تشهدهم مدن الاكراد بعد انسحاب قوات النظام منها ، وتسليمها لعناصر حزب العمال الكردستاني أبوجيي سورية حزب الاتحاد الديمقراطي وضمن هذا الوضع الجديد كثر الحديث عن حل القضية الكردية ومستقبلها في ظل تعقيدات الوضع الراهن، فكرديا باتت تطرح شعارات الحكم الذاتي والفدرالية.. وتتردد في مختلف المناطق التي يشكل الكرد غالبيتها، وهذا ما يقابل بالقلق والخوف والرفض من بعض اطراف المعارضة العربية وذلك بحجة حماية وحدة البلاد. وضمن هذه الجدلية بين الطرح المتنامي بسرعة كرديا، والمراوغة والرفض من تلك الجماعات المعارضة العربية، لا يوجد اي موقف للنظام على المستوى الرسمي اعلاميا. وكان شيئا لم يكن.
اذ ان الوضع الحالي للكرد السوريين شكل نقلة نوعية من زمن المطالبة بترخيص جريدة اوحفلة اوالاعتراف باللغة الام.. الكردية الى حالة اليوم المطالبة باقليم ذاتي لكردستان سوريا على غرار اشقائهم في العراق، ولكن هذا وان كان شعاراً.. لكنه يفتح الباب بمصرعيه على تساؤل جوهري، ألا وهو، هل القضية الكردية في سوريا تعتمد لحلها على مناخ مدني، وتطبيق للديمقراطية؟ وبالتالي الانخراط والمشاركة الاوسع في ثورة الكرامة للوصول لهذا المطلب الوطني العام.. ألا وهي الديمقراطية. ام ان حل القضية يكمن فقط بتحقيق اشكال ادراة بسيطة وبتسوية مع النظام؟.. تماما كما الأن، بعد انسحاب قوات الدكتاتور بشار اسد منها ابتداء من كوباني 20»7»2012 وصولا لباقي المدن الكردية وتسليمها لعناصر حزب العمال الكردستاني وفرعه السوري الاتحاد الديمقراطي، الذي سارع بدوره الى تشكيل لجان مسلحة، وهيمن على الوضع، تحت ذريعة ضبط الامن في المدن الكردية.
بيد ان المتابع للشان الكردي ولطبيعة ومسيرة احزاب الحركة الكردية وألية عملها وبنيتها، يستطيع ان يستنتج ويلامس حقيقة ان اغلب هذه الاحزاب وليس كلها. هي احزاب مسيرة ايدولوجيا وهي غير ديمقراطية في علاقاتها الداخلية والهرمية وفي سلوكياتها داخليا بالنسبة للاعضاء، وفي سلوكياتها وعلاقاتها تجاه بعضها بعضاً.. ويسودها طابع الدكتاتورية القيادية، مع اشكال تتقارب من الوعي العشائري السائد كرديا. وفي كثير من الفترات والتحولات هي عبارة عن حالات لتجمع مريدي الاحزاب الكردستانية وقادتها البراقين، كحالة حزب الديمقراطي الكردي في سوريا البارتي، مع ملهمهم البارزاني الاب والابن. وحالة حزب الاتحاد الديمقراطي مع عبد الله أوجلان، وهذا العزوف عن الديمقراطية ساهم وتحت حجج كثيرة في ظهور احزاب السلاح ومع انها تحمل الديمقراطية كاسم، وتدعيه.. ومثال ذلك الحزب المذكور سابقا الاتحاد الديمقراطي، وكان التعامل مع شباب الثورة الكورد المناهضين لحكم الاسد، في عفرين وكوباني وآخرها في عامودا 2»9»2012.. الذي اتسم بعمليات الخطف والقمع وصولا للاغتيال السياسي. وهي شواهد كافية للوصول لحقيقة ان هذا الفصيل والى جانب بعض الاحزاب الأخرى ايضا تتعامل مع قضية الديمقراطية، كحالة استثمار، وكانها جسم مستقل عنها. وذلك من اجل تسويق اطروحاتها للوصول بالمحصلة لغايات الطبقة القيادية فيها، ولو تحت مسميات واهداف قومية قد تكون نبيلة.. وهي احزاب في معظمها لا تتماهى مع الديمقراطية، ولاتعتبر نفسها حاضنة اساسية لها، وانما تحاول التموضع على حساب الديمقراطية، وهذا مايفسر الى حد كبير تأخر هذه الاحزاب في مواكبة الثورة وتبنيها في المناطق الكردية، على خلاف الشباب الكردي الثائر، الذي احرجت ثوريته هذه الاحزاب.. لدرجة كبيرة وصلت لواد الشباب. في عفرين مثلا ومع ان الثورة السورية استطاعت كسر جدران الكهف، وحواجز الصمت.. وخروج الشباب للشوارع وبصدور عارية متحدين الرصاص الحي ومطالبين برحيل النظام وازلامه، من اجل قضية الديمقراطية والحرية.. التي حرم منها كل الشعب السوري ولاكثر من خمسة عقود. ومن هنا شكلت الثورة السورية المعبر الاول والاكبر عن قضية الديمقراطية في هذا البلد، الذي يواجه شعبه الأن ألة عسكرية مجرمة لاترحم تقتل كل دعاة الديمقراطية ونشطائها الميدانين، وليس كما يروج النظام واعلامه الفاسد بان مايجري في سوريا هو تطهير الجيش لجماعات مسلحة ارهابية.
ففي الاساس كانت الثورة هي عبارة عن نشطاء مدنيين سلميين، من الفئة الشبابية المثقفة المتماهية مع وسائل الاتصال العصرية. في مواجهة نظام قمعي متخلف لايفهم الا بلغة القتل، ومن خلال اعتماد النظام للمنطق الامني والاستئصال، من خلال المجازر والقصف بالطائرات والدبابات وعمليات الاغتصاب والقتل الممنهج بحق المدنين.. حيث واجه النظام تمردا وانشقاقا في صفوف جنوده ادت الى تشكيل نواة مسلحة بالتزامن مع توجه بعض الشباب الثوري لحمل السلاح دفاعا عن النفس، وكل ذلك امام صمت المجتمع الدولي على جرائم النظام بحق الابرياء والتي طالت حتى الاطفال. وتحول المشهد الى حرب بين دعاة الديمقراطية الثوار، وبين دعاة قمع الثورة والمطالب الديمقراطية، لاعادة تحصين مزرعة الاسد.. وجند النظام لهذه الحرب كل ترسانته واستعان بقوى كل حلفائه لاستئصال هذه الثورة، وإن نجح النظام في هذه المواجهة لا سمح الله سيكون الوضع اكثر كارثية ودموية على كل الشعب السوري دون اي استثناء، وبما فيهم الكرد ايضا. وفي حال فشل الثورة سيتفرغ عندها نظام الدكتاتور بشار اسد للكرد. وسنكون امام احتمالين اثنين الاول اما القمع وذلك بالعودة للوضع ماقبل الثورة، والضرب بيد من حديد والاختفاء القسري.. واللعب على وتر العدو القومي الداخلي وتضخيمه. وتفعيل تهمة اقتطاع جزء من البلاد وضمها لدولة اجنبية.. وذلك لكي يعيد النظام شرعيته القومية المفقودة.
الثاني، وهو حل القضية الكردية على اساس تشاركي. وهذا الاحتمال الذي بدا ياخذ مفعوله الأن على الارض في المدن الكردية من ديريك وانتهاء بعفرين، حيث السلطة المطلقة فيها للجان الحماية الشعبية الأبوجية. التي تسلمت السلطة من نظام الاسد بعد انسحاب الاخير منها، ولذلك سيكون حل القضية الكردية من وجهة نظر النظام هو بايجاد شريك فوتوكوبي.. نسخة عنه، ليسيطر على مفاصل المجتمع الكردي وضمان وانتهاء له.. وبالتالي نكون امام ظاهرة تكريد ادوات الاستبداد، والى تغير هوية الجلاد.. من العروبية الى الكردية، جلاد يحافظ على مصالح النظام البعثي الاسدي في المدن الكردية. وذلك لان النظام بطبيعته ضد حل القضية الكردية على اسس ديمقراطية، وذلك لان تطبيق الديمقراطية في بقعة ما من سوريا سيمس جوهر وبنية النظام. ومابالك بتطبيقها على نطاق مدن الاكراد حيث تتشابك مصالح الكرد على كل الاصعدة مع باقي المكونات السورية، واندماجهم في النسيج الوطني السوري، وبالتالي ستتحول كردستان سوريا الى تسونامي الديمقراطية للنشطاء الحرية ضد النظام، وهذا ما يرفضه، ولا يريده النظام جملة وتفصيلا، وانما يريد حلا حسب منطقه.. بصورة مصغرة عنه كرديا، وذلك لكي يحركه بحسب اهوائه ومصالحه، ويكون ذراعاً جاهزاً في مواجهة اعدائه الخارجين، تماما كما الأن من خلال تسليم المنطقة للعمال الكردستاني، الذي بدوره ينشط ضد تركيا عدو نظام الاسد وحاضن المعارضة السورية وتحويل اكراد سوريا من معارضين لنظام الاسد الى معارضين لتركيا.. وهذه الايام تهمة العمالة لتركيا تعتبر رائجا حيث تستخدمها لجان الابوجية بكثرة اذا ارادت اعتقال اي ناشط كردي خارج سيطرتها.
وهذه الاحتمالات السابقة كلها ملغية عندما يسقط النظام، وذلك بانتصار الثورة السورية، وإرادة الشعب السوري الشجاع، وسيسقط معها كل ادوات واقنعة، وملحقات النظام في المنطقة الكردية. والواقع الجديد بعد سقوط نظام بشار سيفرض توازانات جديدة وقوى جديدة ولاعبين جدد، ويفرض منطق التحالفات بدل الاستبداد، ومنطق النظام التعددي والدستور بدل من اهواء الجلاد. فسقوط النظام بكل مرتكزاته ومؤسساته، والتي كانت تقمع كل السورين والكرد ايضا، ستفرض شكلا جديد تجعل الكورد في مساواة مع باقي المكونات، وستكون هناك عملية بناء جماعي لمؤسسات ديمقراطية سليمة لكل السوريين، وبالتالي خلق مناخ ديمقراطي صحي. وضمن هذا المناخ.. سيكون هناك حديث ونقاش لحل القضية الكردية في سوريا، ومن ضمنها الحكم الذاتي او الفدرالية او اي شكل آخر وذلك ضمن رؤية وطنية شاملة، وذلك لاعتبار القضية الكردية في سوريا.. قضية وطنية بامتياز، وهي ليست قضية الجيران.. وحلها مرتبط بسقوط النظام الحالي. فبعد سقوط نظام المقبور صدام حسين 2003 في العراق، ومشاركة الكرد بعملية الاطاحة، و بناء العراق الجديد، هذه المشاركة فرضت على كورد العراق واقعا جديدا مختلفا عما عليه قبل السقوط.. فتبنى الاقليم الكردي لجملة قوانين ومواثيق ساهمت الى حد ما في خلق هامش نسبوي. لمعارضة برلمانية ووجود تعددية حزبية وبعض الصحف الغير سلطوية، وكما وصل رئيس الاقليم مسعود البارزاني للرئاسة بنسبة ستينية . رغم حداثة تجربة الاقليم مقارنة مع دول الجوار ومع ان الاقليم مطالب بالمزيد من الاصلاحات، والتطبيق الديمقراطي .
اعتقد ان حل القضية الكردية في سوريا مرتبط بالدرجة الاولى بالقضية الديمقراطية، وذلك لاننا جزء من الوطن السوري، وكوننا ضمن جغرافيا وطنية مشتركة رسمتها اقلام الدول الكبرى.. وبالتالي نحن لسنا اي الطرفين مجرد قبائل رحل.. نحمل خيمنا ونهاجر.. فنحن محكومون بسماء وجغرافية واحدة، وبناء على هذا، تعتبر الديمقراطية كمطلب، ونهج هي مدخل لحل القضية الكردية في سوريا، وان تبنى الطرح الديمقراطي هو ليس الا انقلاباً على كل المظالم التي تعرض لها الكرد السوريون. وذلك كون ان سبب المعاناة الاول والاخير.. كان بسبب غياب عوامل الديمقراطية قبل اي شيء اخر لحل القضية، وكون ان الانسان الكردي، هو مركز هذه القضية العادلة، فقط غيبت على اساسها حقوقه وحرياته الاساسية وذلك فقط لانه انسان كردي. وبالتالي ان عملية تكريد ادوات الاستبداد، هو ليس حلا بقدر ماهو تنصيب دكتاتور بالوكالة من لغتنا الام. وهي عملية ترجمة، لمراكز القمع من العربية الى الكردية.. ولذلك فالحل الامثل للوصول الى الثمار الديمقراطية الناضجة، وخلاص الانسان الكردي يكمن من خلال المشاركة الاكثر.. والدور الاكبر.. بحجم المعاناة كرديا . في الثورة السورية العظيمة.. وتحرير كردستان سوريا من كل ادوات النظام وازلامه المشبوهين.. وذلك لتحرير دمشق العاصمة. من بوابة قامشلو.
كاتب واعلامي كردي سوري
/9/2012 Issue 4306 – Date 17 Azzaman International Newspape
جريدة الزمان الدولية العدد 4306 التاريخ 17»9»2012
AZP07