القضية الكردية في الإتفاقيات الدولية – عماد علوّ

القضية الكردية في الإتفاقيات الدولية – عماد علوّ

ظهرت القضية الكردية على مسرح الاحداث الدولية بعد الحرب العالمية الاولى (1914-(1918 كأحد مخرجات اتفاقية سايكس بيكو عام 1916 التي كانت عبارة عن اتفاق وتفاهم سري بين فرنسا والمملكة المتحدة بمصادقة من الإمبراطورية الروسية (التي كانت تتطلع للسيطرة على القفقاس )على اقتسام منطقة الهلال الخصيب بين فرنسا وبريطانيا لتحديد مناطق النفوذ في غرب آسيا بعد تهاوي الدولة العثمانية، المسيطرة على هذه المنطقة. وبعد خسارة الدولة العثمانية في الحرب العالمية الأولى 1914-1918  وقع العثمانيون معاهدة مودروس مع الحلفاء يوم 18 تشرين الأول 1918م. ونص القرار السادس عشر من المعاهدة استسلام الجيش العثماني في دول المشرق واليمن والحجاز.  لكن معاهدة مودروس لم تحدد الحدود الجنوبية للدولة العثمانية وحكومة الاستانة طالبت بجنوب كردستان كجزء من أراضيها. أضف إلى ذلك أن جنوب كردستان لم يدخلها الجيش البريطاني إلى 15 تشرين الثاني 1918 م، أي بعد 16 يوم من المعاهدة، ويعتبر هذا خرقا للقانون الدولي. وبعد هزيمة الدولة العثمانية بالحرب العالمية الأولى تحرك الأكراد لاستثمار الظروف الدولية لنَيل مطالبهم والاستفادة من مبادئ الرئيس الأمريكي ويلسون بحق الشعوب في تقرير المصير، وقد تحرك الأكراد وبذلوا جهودًا مضنية لإيصال صوتهم إلى مؤتمر الصلح في باريس الذي انعقد في باريس بمشاركة 32 دولة ووفود غير رسمية ، في 18 كانون الثاني 1918 واستمرت أعماله لغاية  21 كانون الأول من عام 1920 .  ولم يكن للأكراد كيان سياسي مستقل حتى يشارك وفدهم رسميًا في ذلك المؤتمر، شأنهم شأن القوميات والشعوب المضطهدة الأخرى، ولذلك بادر السفير العثماني السابق الجنرال شريف باشا، رئيس جمعية تعالي وترقي كردستان لتشكيل وفد كردي برئاسته ، وممثلين عن حزب استقلال الكرد، والجمعية  الكردية، والحزب الديمقراطي الكردي، لتمثيل الكرد في المؤتمر وضم الوفد فخري عادل بك، وعادل بك المارديني، وصالح بك حسني مدير شؤون شريف باشا، وغالب علي بك سكرتير شريف باشا، وحاول الشيخ محمود الحفيد إرسال وفد خاص إلى باريس للالتحاق بشريف باشا، إلا أن الإنكليز حالوا دون وصوله.؛ حيث كانت جهود الدبلوماسي الكردي شريف باشا واضحة وقد أصدر الحلفاء بعد استكمال تحضيراتهم للمؤتمر قرارًا في شهر يناير1919م نص على ما يأتي: “إن الحلفاء والدول التابعة لهم قد اتفقوا على أن أرمينيا وبلاد الرافدين وكردستان وفلسطين والبلاد العربية يجب انتزاعها بكاملها من الإمبراطورية العثمانية”. انطلاقًا من هذا القرار قدَّم الممثل الكردي شريف باشا مذكرتين مع خريطتين مفترضتين لمنطقة كردستان إلى المؤتمر، إحداهما بتاريخ (21/3/1919م)، والأخرى يوم (1/3/1920م). كما طلب من القائمين على شئون المؤتمر تشكيل لجنة دولية تتولى تخطيط الحدود بموجب مبدأ القوميات، لتصبح كردستان المناطق التي تسكن فيها الغالبية الكردية.استنادا” الى مقررات مؤتمر الصلح في باريس  ، عقدت  معاهدة سيفر 10 آب 1920 وتتألف من 13 باباً و433 بنداً، أعدتها خمس لجان خاصة تفرعت من مؤتمر الصلح في باريس. وقد جاءت وفق مصالح الدول الاستعمارية ولا سيما إنكلترا وفرنسا . وقد سميت هذه المعاهدة بمعاهدة سيفر نسبة إلى مدينة سيفر الفرنسية القريبة من باريس، كانت معاهدة سيفر الموقعة سنة 1920 بين الحلفاء وتركيا ، أول اتفاقية تذكر صراحة “مستقبل الأكراد” ولم يتم التطرق قبل ذلك لهم في أي اتفاقية سابقة، ونصوص المواد المتعلقة بالأكراد في اتفاقية سيفر وردَت ثلاث مواد تتعلق في الأكراد وهي المواد (62? 63 و64) ولكن الاتفاقية لم تتبنى نصاً واضحاً بالاستقلال أو حق تقرير المصير لكردستان، وكله كان مقترن بعدة عوامل ، منها طلب الأكراد الاستقلال في المنطقة المحددة في المادة(62) ? اعتراف عصبة الأمم بجدارتهم للاستقلال، تخلي تركيا عن حقوقها في هذه المناطق. وهذا ما لم يحدث منه شيء .الا أن معاهدة سيفر لم ترى النور كسابقتها سايكس بيكو ؛ بسبب صعود نجم “مصطفى أتاتورك” والحركة الكمالية، وتوسيع مناطق نفوذها، وكذلك لرغبة أوروبا في إبراز مصطفى كمال كبطل؛ لدعمه في سعيه لإنهاء نظام الخلافة الإسلامية في الأناضول مقر الخلافة؛ لذا لم يكن من مصلحتهم إضعافه بتمكين الأكراد من الحصول على استقلالهم.ثم عقد مؤتمر لندن للفترة من 21/ 2 ولغاية 14 / 3 عام  1921في العاصمة البريطانية بين الحلفاء وتركيا « بمشاركة وفد تركي موحد برئاسة أول وزير خارجية تركي بكر سامي بك  وفي 26 شباط 1921 جرى بحث المسالة الكردية بصورة خاصة ومنفردة، وألمحت دول الحلفاء إلى أنها (( تعتزم تقديم تنازلات أمام تركيا وإعادة مناقشة مستقبل كردستان وأرمينيا )). لذلك كان مؤتمر لندن أكثر من خطوة إلى الوراء بالنسبة للقضية الكردية. و أخذت فرنسا بمغازلة كمال اتاتورك الذي حسن وضعه الداخلي بالتحالف مع الاتحاد السوفياتي، والانتصارات المتتالية على القوات اليونانية ، الأمر الذي دعا الى فرض واقع ميداني جديد استوجب عقد مؤتمر لوزان في سويسرا.فتمت الدعوة لعقد مؤتمر لوزان بسويسرا في 20 ت2 من عام 1922 الذي استمر لثمانية أشهر، مع انقطاعات بلغت حوالي 3 أشهر، كان هدف المؤتمر التفاوض على معاهدة جديدة مع تركيا، التي رفضت الاعتراف بمعاهدة سيفر. وبعد مفاوضات شاقة وطويلة تم تسوية الخلافات بين بريطانيا، فرنسا، تركيا، وقد تراس الوفد التركي عصمت إينونو ، ومنذ افتتاح الجلسة الأولى للمؤتمر لوحت « بريطانيا وفرنسا » إلى أنهما مستعدتان للتنازل والوصول إلى حلول وسط. ورضخت للشرط التركي برفض مشاركة أي وفد كردي في المؤتمر، ومنع مناقشة القضية الكردية في كردستان تركيا بشكل خاص، وكانت بريطانيا وفرنسا على استعداد للتنازل عن بعض امتيازاتهما في تركيا، خوفا من ارتمائها في أحضان الاتحاد السوفياتي، الذي يشكل خطرا على مصالحهما في المنطقة. لذلك وافقت على الشروط التركية ، وبذلك تعززت مواقع  تركيا في المنطقة وعلى الساحة الدولية، وتغيرت موازين القوى لصالح حكومة أنقرة التي انفردت بالحكم في تركيا، بإلغاء السلطنة وحكومة الباب العالي، ونقل العاصمة من اسطنبول إلى أنقرة، وإلغاء الخلافة وإعلان النظام الجمهوري في 1923. ولعدم وجود وفد كردي مستقل يمثل الكرد في المؤتمر لم تطرح القضية الكردية في لوزان، فقد تجاهلت القوى المتصارعة خاصة بريطانيا وفرنسا مصير الشعب الكردي، ووعودهم بإنشاء دولة كردية، وقد استُخدِمَ اسم الكرد وكردستان من قبل الجميع للابتزاز والمساومة، والانطلاق منه لتحقيق مصالحهم الخاصة، وفي 24 تموز 1923 تم طي صفحة سيفر، ولم يرد ذكر للكرد في بنود المعاهدة الجديدة الـ 143 « معاهدة لوزان » التي تم التوقيع عليها في المدينة السويسرية الهادئة.استنادا” لما سبق فان الالتزامات الدولية ازاء منطقة الشرق الاوسط وفق اتفاقية لوزان لسنة 1923 مع كل من تركيا وايران والتي أدت الى اقتسام كردستان تجعل الدول الموقعة  على تلك الاتفاقية ومهما كانت خلافاتها، تتفق معاً للالتزام ببنود اتفاقية لوزان 1923? ورفض تغيير الحدود السياسية لمنطقة الشرق الاوسط والتي اقرتها الاتفاقيات والتفاهمات الدولية انطلاقا” من مصالح تلك الدول وحفاظا” على الامن والسلم والاستقرار الدولي .

* الجنرال: شريف باشا : هو محمد شريف بن سعيد باشا بن حسين باشا الخندان، من عائلة بابان الكردية المشهورة، التي تسنمت الكثير من الوظائف العليا في الدولة العثمانية، فكان والده وزيراً للخارجية ثم رئيساً لمجلس شورى الدولة. عين عام 1898 وزيرا مفوضا للدولة العثمانية في استوكهولم وظل في منصبه حتى اعلان الدستور العثماني 1908 عاد إلى تركيا وانخرط في صفوف الحركة الكردية واسهم في تأسيس جمعية تعالي وترقي كردستان مع أمين عالي بدرخان 3.

{ مستشار المركز الاوربي لدراسات مكافحة الارهاب