العراق وطبول الحرب بعد داعش – شاكر عبد موسى الساعدي

العراق وطبول الحرب بعد داعش – شاكر عبد موسى الساعدي

 

في عام 1997 ضربت كوريا الجنوبية أزمة اقتصادية خانقة جعلتها على حافة الإفلاس ، وجميع خبراء الاقتصاد أكدوا أن كوريا لن تستطيع الخروج من الأزمة المالية وسوف تنهار اقتصاديا لا محال … لكن الشعب الكوري كان له رأي أخر عندما نظم حملات ضخمة للتبرع على أمل الخروج من الأزمة، فقامت النسوة الكوريات بالتبرع بجميع مصوغاتهن وحليهن الذهبية، كما قام الكوريون بحملة تقشف صارمة، شملت عدم شراء أي منتج غير كوري لتخفيض الاستيراد والتقنيين في استخدام الماء والكهرباء، وبذلك استطاع الشعب الكوري جمع 7مليارات دولار من التبرعات منها مليار دولار مصوغات ذهبية بالإضافة إلى توفير 30 مليار دولار واستطاعت كوريا الجنوبية بعزيمة شعبها الخروج من الأزمة المالية وتحقيق نمو اقتصادي كبير بلغ 4 بالمائة الأمر الذي أذهل العالم .. وهي اليوم تبني مشاريع عملاقة في العراق منها مشروع بسماية السكني في بغداد ومشاريع للطاقة الكهربائية ومستشفيات مختلفة وطرق وجسور بطريقة الدفع بالأجل، وهذا دليل على تحسن الاقتصاد الكوري الجنوبي رغم المخاطر التي تحيط بها من شقيقتها النووية كورية الشمالية .

ولو عكسنا الصورة الكورية على الصورة العراقية وتبرع الشعب للحكومة لغرض تجاوز الأزمة المالية التي يمر بها العراق نتيجة اقتصاده ألريعي الذي يعتمد على إيرادات النفط كممول رئيسي لخزينة الدولة .. فماذا يحدث أذا أعلنت الحكومة إيقاف الاستيراد العشوائي للفواكه والخضروات والملابس والكماليات والسيارات من دول الجوار؟ كذلك المواد الإنشائية والقناني المعبأة بالمياه وأعتمد الشعب على الناتج المحلي من زراعة وصناعة وتجارة داخلية وأوقفنا التبذير في المأكولات والمشروبات بمناسبة أو بدون مناسبة، ودفعنا فاتورة أجور الطاقة الكهربائية بكل شفافية دون مزايدات انتخابية، وألغينا مجالس المحافظات ومجلس النواب وأصبح الحكم في العراق حكماً رئاسياً وليس برلمانياً، وأوقفنا استيراد الكهرباء ورضينا بالموجود منها ودفعنا بعجلة الصناعات الصغيرة إلى الأمام لغرض الانطلاق بالصناعة الكبيرة لاحقا ..

لكن إنشاء الصناعات الجديدة ليس بالأمر الهين لان تجار العراق المستوردين ومن خلفهم بعض الفاسدين في الحكومة يضعون العراقيل في وجه كل مشروع جديد كما حدث مع السمنت العراقي وشركاته العملاقة، حتى صناعة السكر المتمثلة في مصانع الجنوب والشمال تعاني الأمرين من مناورات التجار الذين يتحايلون للحصول على اذونات استيراد فيغرقون السوق بالمنتج الأجنبي ..

يجب أن ينتبه المسؤولون العراقيون إلى خطورة الوضع ليأتوا بالخبراء العالميين ويطلبوا منهم دراسة وضع العراق من جميع الوجوه الاقتصادية والاجتماعية، مع وضع برنامج يقوم على أسس علمية صحيحة لاستمرار الازدهار والتطور الاقتصادي.

أن استمرار أطعام الأفواه المتزايدة والمحافظة على التوازن الاقتصادي لا تتم بالاستيراد العشوائي، وإنما تقع كلها على ارض الرافدين الذي يجب أن تزداد المساحات المزروعة فيه، وتتحسن وتتوسع صناعته الموجودة التي تأخذ حرفاً يدوية ومشاريع صغيرة أكثر منها صناعة إنتاجية، فيما عدا بعض مصانع النسيج ومعلبات الفواكه والخضروات ومصانع الألبان والأدوية .

أن ارض العراق يمكن أن تتحول إلى بستان الشرق الهائل ليضم أنتاج الحنطة والشعير والتمر والرز وأشجار التفاح والبرتقال والليمون ومزارع الخضروات والحبوب بأنواعها،لتنساب الاهوار وثروتها السمكية والحيوانية والسياحية والأنهار والينابيع والآبار في كل مكان ومشاريع الري قائمة على قدم وساق، فالكهرباء وأجهزة الاتصالات أصبحت في كل قرية من قرى العراق والمدارس والجامعات والطرق تربط بين المدن والقرى .. لكن السؤال الذي يطرح نفسه على الحكومة المركزية وحكوماتنا المحلية هو : متى نحصد ما نزرع ؟

ونلبس ما ننسج؟ ونشرب ما نعصر؟ نعم هذا الكلام جميل ولكنه بحاجة إلى حزمة إصلاحات فعالة في مفاصل الدولة كافة والى ثورة ثقافية لعموم المواطنين بعد أن يتخلص العراق من النزاعات العشائرية ويتخلص من دواعش الحروب و السياسة ويعود الاستقرار إلى مدننا المغتصبة… والسؤال المهم الذي يطرحه الشارع العراقي في الوقت الحاضر هو: كيف يستقر العراق بعد الخلاص من داعش والإخوة الكرد يدقون طبول الانفصال والحروب مجدداً؟.