العراق في آفاق العصر الأمريكي ـ خالد عمر بن ققه
يواجه العراق ـ الدولة والشعب ـ تهديدات أفقية وأخرى رأسية، وهو ليس وحيدا في هذا العالم، بل تشاركه دول أخرى، ذلك ما بدا جليا، ويمكن التأسيس عليه في قراءة الوضع العراقي الراهن والمستقبلي، في كتاب جمال سند السويدي، المعنون بـ آفق العصر الأمريكي ـ السيادة والنفوذ في النظام العالمي الجديد .. علينا التوضيح هنا أن تناول الشأن العراقي جاء ضمن السياق العام للحديث عن السيطرة الأمريكية على المستوى العالمي، وما سآتي عن ذكره هنا لا يمكن فهمه بروية إلا عبر السياق العام لرؤية السويدي في كتابه.
بخصوص التهديات الأفقية، يقول الكاتب يواجه العالم خلال الفترة الراهنة زخما متداخلا ومركبا ومتناميا من التحديات والمخاطروالتهديدات التي تؤثر في صياغة مستقبله، بعضها أفقي يدور داخل الدول ويتسم بكونه عابراً للحدود والجنسيات والأعراق والمذاهب، مثل صراعات الهوية والحروب الطائفية والعرقية ـ مثلما يحدث في العراق وميانيمار وبعض الدول الأفريقية مثل روندا وبروندي، وما حدث بين عامي 1998 و1999 في كوسوفا .. ص20 .
القول السابق يكشف ـ من وجهة نظري ـ ثلاثة أمور، الأول أن التهديدات التي تواجه العراق الآن، لم تظهر إلا بعد احتلاله، وتدميره وحل جيشه، وسقوط مؤسسات الدولة الوطنية بسقوظ نظام الحكم القائم، ومن ثم تقسيمه. الأمر الثاني ان تلك التهديدات مرتبطة بمصالح قوى عالمية ودول مجاورة، وهذا ينتهي بنا إلى الاستنتاج التالي أن أي تغيير يأتي من الخارج وبالقوة، يكرس ما سماه الكاتب بالتهديدات الأفقية. الأمر الثالث أن العراق اليوم يعود إلى الحروب الأهلية التي شهدها القرن العشرين في الأربيعنيات بالنسبة للدول الغربية ـ من خلال حربين عالمتين ويعود أيضا إلى مرحلة الحروب الأهلية في عدد من الدول الأفريقية خلال العقدين الأخيرين من العقد الماضي، بل أن العراق اليوم يرجع إلى تاريخه البعيد من الصراعات والفتنن التي خرج منها بفضل الوحدة الوطنية، بغض النظر عن استبداد النظام الحاكم وكل هذا يعني أنه يعيش خارج العصر الأمريكي، الذي أعن أصحابه عند احتلاله أن العراق سيكون جنة ديقراطية في الشرق الأوسط.
تهديدات رأسية.. وأفقية
العالم، ومنه العراق، يواجه في نظر السويدي نوعا آخر من التهديدات والتحديات، يجري بشكل رأسي بين الدول أو مجموعات من الدول تحقق مستويات نمو مختلفة، نتيجة التنافس في تحقيق المصالح الاستراتيجية، أو جراء وجود مشكلات حدودية، أو السعي نحو الهيمنة، وسط قوى دولية كبرى تسعى إلى تحقيق مصالحها من دون أي اعتبار لمصالح الآخرين، مثلما حدث حين قامت الولايات المتحدة الأمريكية بغزو العراق في 20 مارس 2003 لتوطيد مصالحها في منطقة الشرق الأوسط من دون النظر إلى مصالح الدولة العراقية أو الدول المحيطة بها، ومدى تأثرها باستباحة سيادة دولة كانت تشارك في منظومة الأمن الإقليمي، وتخطي منظمات عالمية اتفق االمجتمع الدولي على انشائها لتضمن التوافق بين مصالح الجميع، وتحقيق الاستقرار والأمن الدوليين وفي مقدمتها الأمم المتحدة ص21 .
هكذا إذن يواجه العراق في العصر الأمريكي التهديدات والتحديات الرأسية، بنفس القدر الذي يواجه فيها التحديات الأفقية النابعة من الداخل، والتي هي بالأساس نتيجة الاحتلال، ما يعني أن هناك تداخلا بين التهديدات، والإختلاف فقط حول زمن حدوثها وتحريكها، والنتائج المنتظرة بعد التدخل بالقوة لفرض نمط جديد من الحياة، هو في الغالب مرفوض مع أنه أصبح واقعا، والسؤال هنا كيف سيواجه العراق تلك التهديدات والتحديات في العصر الأمريكي، الذي سيدوم حسب رأي السويدي خمسة عقود مقبلة؟.
العراق ليس بمعزل عن الوطن العربي، بالرغم من خصوصيته، لذا علينا النظر إليه من خلال تأثر الدول العربية بما يدور حولها من تفاعلات في النظام العالمي الجديد، وبهذا الخصوص يقول السويدي في الواقع أن المنطقة العربية هي ساحة رئيسية للأحداث وبؤرة صراع تتركز فيها الكثير من الملفات الاستراتيجية ذات الصلة الوثيقة بـ آفاق العصر الأمريكي ، والمثال الأبرز على ذلك تطورات الأحداث في بعض الدول العربية، التي شهدت في السنوات الأخيرة تغييرات أطاحت أنظمة سياسية تعود إلى حقب تاريخية تسبق قيام النظام العالمي الجديد كما هي حال مصر وليبيا واليمن وتونس ص589 .
نهاية حقبة القومية
لا يمكن للعراق أن يواجه التحديات والتهديدات الرأسية والأفقية بمفرده، لسببين، الأول ان مصيره مرتبط بالدولة العربية أراد قادته الحاليون ذلك أم رفضوا، والثاني أن الدول العربية تتجه إلى ما يكمن أن نطلق عليه العرقنة ، فالجيشان المصري والسوري سيواجهان نسخة معدلة لما واجهه الجيش العراقي، السوري بتحويل معظم قادته في حال انتصار المعارضة إلى محكمة جرائم الحرب والجيش المصري باتهامه بقتل المدنيين، وهو الآن يسير إلى مجال السؤال الذي طرح خلال الأزمة الجزائرية، ووجهه العالم الغربي إلى الجيش الجزائري من يقتل من؟.
وبالنسبة للوضع العربي العام، والعراق جزء منه، فإن السويدي يرى أنه على ضوء ما يعانيه كثير من الدول العربية من واقع تنموي صعب قي كافة المجالات، يصعب القول إن المدى المنظور سيفرز وضعا أفضل لهذه الدول، ولاسيما في ظل تفاقم الأزمات الداخلية في دول عربية مثل مصر وسوريا والعراق، والتمدد الاستراتيجي لقوى إقليمية غير عربية لملء الفراغ الناجم عن تراجع الدور الإقليمي للقوى العربية التقليدية، فضلا عن تدعيم مكانة تركيا وإيران وإسرائيل.. ص590 .
ومهما يكن فإن العراق ـ كمعظم الدول العربية ـ سيتأثر بواقعين فرضتهما القوة المتزايدة للنفوذ الأمركي في النظام العالمي الجديد، أولهما نهاية حقبة القومية العربية، وصود مؤثرات وعومل أخرى في الوضع الإقليمي مثل الهوية العرقية والدينية والمذهبية، وهو تكلمنا عنه في بداية المقال، وثانيهما ومكانة إسرائيل ووضعها في هذا النظام، مما سيؤثر سلبا على القضية الفلسطينية، تلك القضية التي كانت في نظر كثير من المراقبين السبب المباشر للاحتلال العراق.
كاتب وصحفي جزائري
AZP07























