العراق على صفيح ساخن

العراق على صفيح ساخن

 

 

 سامي الزبيدي

 

في تاريخ العراق الحديث محطات عديدة  من المعاناة والبؤس والحرمان والجور والظلم والفقر والقتل والحروب والصراع السياسي لم يشهد مثيلها أي شعب وأي وطن في منطقتنا ولا أبالغ لو قلت في العلم كله ،  ولا أريد تصفح كتب تاريخ العراق القديم لكني سأركز على تاريخنا الحديث منذ بداية القرن العشرين إلى أيامنا هذه بعد الفترة المظلمة التي عاشها العراق تحت نير الاحتلال العثماني والتي استمرت أكثر من أربعة قرون جاء الاحتلال البريطاني خلال الحرب العالمية الأولى حيث أكملت القوات البريطانية احتلال العراق عام 1917 ليتبدل الاحتلال العثماني باحتلال بغيض أخر تحول فيما بعد إلى انتداب ، وكان العراقيون من أبناء العشائر ومعهم رجال الدين قد تصدوا بقوة لقوات الاحتلال في البصرة والشعيبة والقرنة والعمارة والناصرية والكوت لكن ميزان القوة كان بالتأكيد لصالح قوات الاحتلال التي تمكنت من بسط نفوذها على العراق . والمعروف عن الاستعمار البريطاني استغلاله لشعوب مستعمراته وخيراتها وثرواتها أبشع استغلال دون تقديم الخدمات الضرورية لتلك الشعوب ناهيك عن الظلم والجور الذي يمارسه خلال فترة حكمه بحيث يبقي تلك الشعوب تعيش في فقر وجهل وتخلف  إضافة إلى حرمانها من أبسط مقومات الحياة الكريمة ومن أبسط حقوق الإنسان وحرياته،  وفي ظل تلك المعاناة انتفضت النخوة العربية الأصيلة لدى عشائر الفرات الأوسط تبعتها عشائر الجنوب والمنطقة الغربية في ثورة كبرى ضد المستعمر المتجبر في حزيران عام 1920 تمكن رجال العشائر رغم محدودية وبدائية أسلحتهم ومعداتهم مقارنة بما تمتلكه قوات الاحتلال البريطاني من أسلحة وطائرات ومعدات كبيرة ومتطورة آنذاك من قتل العشرات من أفراده وتدمير معداته والاستيلاء على أسلحته وإجباره على الموافقة على طلبات العشائر والقوى السياسية التي ساندت الثورة وأهمها قيام حكم وطني في العراق وانتخاب حاكم عربي مسلم ليحكم البلد وإجراء إصلاحات أخرى تخص الوضع الاجتماعي والاقتصادي والسياسي والصحي والتربوي للشعب ، وقدم أبناء شعبنا في هذه الثورة العديد من الشهداء بينهم رجال دين وشيوخ عشائر ليكونوا أول كوكبة من شهداء الحرية والكرامة الوطنية .في عام 1933 تم سحق تمرد الأشوريين من قبل الجيش واستخدم بكر صدقي القسوة والعنف ضدهم ، وفي عام 1935 قمع الجيش بقيادة بكر صدقي أيضاً تمرد عشائر الفرات الأوسط لترتفع سخونة المشهد العراقي شيئاً فشيئاً ، والفريق بكر صدقي هو قائد أول انقلاب عسكري في العراق ضد حكومة ياسين الهاشمي في 29 تشرين الأول عام 1936 وقتل في الانقلاب وزير الدفاع آنذاك الفريق جعفر العسكري ليفتح هذا الانقلاب باب الانقلابات العسكرية فيما بعد ، وقتل بكر صدقي أيضاً عام 1937 (اغتيل على يد جندي في مطار الموصل ) ، وفي 1 مايس عام 19421قام العقداء الأربعة (يونس السبعاوي وإحسان كامل شبيب وفهمي سعيد وصلاح الدين الصباغ) بحركتهم المعروفة بحركة مايس لتخليص العراق من الاستعمار البغيض مستغلين ظروف الحرب العالمية الثانية لكن حركتهم فشلت بعد معارك غير متكافئة بين وحدات من الجيش العراقي و القوات البريطانية انتهت بإجهاض الحركة وفرار قادتها،  وبعد عودتهم إلى العراق تم إعدامهم وتعليق جثثهم أمام مبنى وزارة الدفاع حسب أوامر الوصي عبد الإله،  و تلا هذه الحركة عدة انتفاضات ضد الحكم الملكي ومن خلفه الاستعمار البريطاني أهمها وثبة عام 1948 بعد ضياع فلسطين والتظاهرات العارمة بعد نجاح ثورة مصر ضد الملكية عام 1952 وانتفاضة عام 1956 بسبب العدوان الثلاثي ( البريطاني _الفرنسي _الصهيوني ) على مصر بعد تأميمها قناة السويس وقد سقط في هذه الانتفاضة وظل الشهيد عبد الكريم قاسم يجابه التحديات  الخارجية والداخلية ففي الداخل كان  يتصدى للبعثيين والقوميين الذين ما انفكوا يتآمرون عليه لإسقاط حكومته الوطنية بعد أن فشلوا في اغتياله عام1959  ، وتارةً أخرى يواجه بقايا الرجعية ورموز العهد الملكي ومرةً يتصدى للأكراد الذين وافق على عودة  زعيمهم مصطفى البارزاني الذي كان منفياً في الاتحاد السوفيتي  منذ عام 1946 ليجازوه على ذلك بالتمرد العسكري في شمال الوطن  الذي تسبب في خسائر كبيرة في صفوف قواتنا المسلحة ومن الكرد أيضاً والتحالف مع البعثيين لإسقاط حكومته. وفي 8 شباط 1963 استولى حزب البعث على السلطة بعد انقلاب دموي قتل فيه الزعيم عبد الكريم قاسم وعد كبير من الضباط والمراتب كما قتل أكثر من خمسة ألاف مدني،   ثم بدأت بعد ذلك المجازر الكبيرة ضد الشيوعيين بعد أن غصت بهم السجون والمعتقلات وتحولت قاعات السينما وبعض الدوائر والنوادي إلى معتقلات لكثرة ما اعتقل من الشيوعيين فكانت هذه صفحة أخرى من صفحات القتل والموت في العراق لترتفع سخونة المشهد العراقي أكثر، لكن ذلك لن يستمر إلا تسعة أشهر حيث أبعد عبد السلام عارف البعثيين حلفائه بالأمس عن السلطة في انقلاب 18 ت2 من نفس العام. وشهدت فترة حكم عبد السلام عارف عودة التمرد الكردي في شمال العراق ليعود نزيف الدم العراقي من جديد، ورغم توقيع اتفاق لوقف القتال بين الحكومة والأكراد في شباط 1964 إلا أن هذا الاتفاق لن يستمر طويلاً ليعود القتال من جديد بدعم إسرائيلي هذه المرة بالإضافة إلى  الدعم الإيراني مسبباً خسائر بشرية  كبيرة بين أبناء هذا الشعب بالإضافة إلى الخســـائر المادية .

 

هدوء نسبي

 

 وشهدت فترة حكم عبد الرحمن عارف الذي خلف أخيه في الحكم في نيسان عام 1966هدوءأً نسبياً لكن القتال تجدد في شمال الوطن وكالعادة بدعم من إيران وإسرائيل ليحصد أرواح جديدة من العراقيين، لكنه سرعان ما توقف بعد اتفاق 29 حزيران 1966 بين الحكومة والأكراد و الذي صاغ بنوده رئيس الوزراء عبد الرزاق البزاز، كما شهدت هذه الفترة مشاركة تشكيلات من الجيش العراقي في حرب عام 1967 بين العرب وإسرائيل والتي احتلت فيها إسرائيل أراضي عربية جديدة .

 

وفي 17 تموز 1968 قام عبد الرحمن الداود أمر لواء الحرس الجمهوري وعبد الرزاق النايف مدير الاستخبارات العسكرية بانقلاب عسكري استثمره البعثيون ليستولوا على الحكم بعد أيام في 30 تموز من نفس الشهر ليسود الهدوء الحذر المشهد العراقي لكن ليس طويلاً فقد حرك شاه إيران حلفائه في شمال العراق ليعود القتال بين الجيش العراقي والأكراد بضراوة أكبر هذه المرة ولن يتوقف إلا بعد توقيع اتفاقية الجزائر بين العراق وإيران عام 1973 فأوقف شاه إيران دعمه للأكراد وعلى أثر ذلك انهار التمرد الكردي وبدأت مفاوضات بين الحكومة والأكراد أسفرت عن توقيع اتفاقية الحكم الذاتي عام 1974 ووضعت موضع التنفيذ في آذار 1975 وبذلك وضع حداً للقتال الطويل بين أبناء الشعب الواحد والذي استنزف الكثير من طاقات العراق البشرية والمادية ليبرد الصفيح العراقي بعض السنين،  لكنه عاد أشد سخونة مع بدء الحرب الإيرانية _العراقية في أيلول عام 1980 التي عدت أطول وأشرس حرب اقليمة منذ الحرب العالمية الثانية سببت ماسي وكوارث للشعب العراقي والتي حصدت أرواح أكثر من مليون عراقي بالإضافة إلى الخسائر الكبيرة في الأسلحة والمعدات والتجهيزات والخسائر المادية التي لحقت بالاقتصاد العراقي بعد توقف تصدير النفط عن طريق الخليج العربي ناهيك عن التداعيات والافرازات السلبية التي أصابت المجتمع العراقي لتنتهي هذه الحرب الضروس في أب من عام 1988 .ولم يمضي عام واحد وأشهر عديدة على نهاية هذه الحرب المدمرة حتى ارتكب النظام السابق خطاً ستراتيجياً كبيراً عندما قام بغزو الكويت في 2 أب 1990 ليدخل العراق في مرحلة كانت أشد سخونة للصفيح العراقي وأكثر تدميراً ومأساويةً للشعب العراقي المبتلى ولاقتصاده ولبناه التحتية عندما شنت أمريكا ومن تحالف معها أشرس وأعنف حرب ضد العراق سميت حرب تحرير الكويت أو عاصفة الصحراء التي خسر فيها العراق جيشه وهيبته واقتصاده وماله ومصانعه ومنشأته الحيوية وبناه التحتية وأثرت بشكل كبير على المجتمع العراقي بسبب الخسائر الكبيرة في أرواح العراقيين مدنيين وعسكريين وألقت نتائج هذه الحرب المدمرة ومن ثم قرارات مجلس الأمن الظالمة بضلالها المأساوية على الشعب العراقي بسبب الحصار الذي فرضته هذه القرارات على العراق لينتشر الفقر والجوع والأمراض  في أغلب فئات المجتمع لتتداعى وتختل العلاقات  الاجتماعية  مسببة  ظواهر وممارسات غريبة وفير مألوفة أضرت بالمجتمع العراقي كثيراً وبقيت أثارها السلبية إلى يومنا هذا.

 

سنوات الحصار

 

وياليت الأمور توقفت عند هذا الحد فبعد أحد عشر عاماً من الحصار الذي فرض على العراق وبانت نتائجه المأساوية واضحة على الشعب العراقي بكل شرائحه وفئاته والذي تسبب في وفاة ملايين العراقيين نتيجة نقص الغذاء والدواء  كما أدى إلى هرب مئات الألوف من العراقيين خارج الوطن بسبب الظروف الحياتية الصعبة ، وعاشت الأغلبية الساحقة من الشعب في مأساة إنسانية خطيرة نتيجة ذلك الحصار الذي فرضه مجلس الأمن في سابقة خطيرة لم يعرفها المجتــــــمع الدولي أبداً . ثم جاءت الكارثة الكبرى والمؤامرة القذرة التي قادتها أمريكا في تحالف ظالم جديد ضد العراق عام 2003 تحت ذرائع كاذبة لتدمر ما تبقى من قوات العراق العسكرية التي ينقصها السلاح الحديث والمعدات المتطورة واتي قاتلت ببسالة بسلاح الوطنية والمعنويات في حرت غير متكافئة كما تم تدمير المدن وما فيها من مصانع ومنشآت وبنى تحتية وتسببت هذه الحرب الظالمة في قتل أكثر من مليون ونصف عراقي وتشريد وتهجير ملايين أخرى وفرض الاحتلال الجائر على العراق وبدأت حقبة مظلمة أخرى من تاريخ العراق الحديث ولترتفع سخونة الصفيح العراقي كثيراً بسبب الأعمال الإجرامية لقوات الاحتلال التي لم تسلم منها أية مدينة عراقية ، ولذر الرماد في العيون أعلنت قوات الاحتلال أنها عازمة على أقامة نظام ديمقراطي في العراق فشكلت مجلس الحكم ووضعت دستوراً كله مطبات وألغام ثم قامت بأجراء انتخابات لمجلس النواب في غير أوانها لشعب منهك و مغلوب على أمره لا يعرف معنى الانتخابات وهو في حاجة ماسة لعملية إعادة بناء المجتمع وتأمين مستلزمات الحياة الضرورية له قبل الانتخابات والديمقراطية التي أفرزت حكومات ضعيفة وغير قادرة على حل مشاكل العرق لتغرق البلاد في الفوضى نتيجة قلة الخبرة وسيطرة غير المهنيين وغير الأكفاء على مقاليد السلطة فعم الفساد المالي والإداري والمحاصصة الطائفية والحزبية كل مؤسسات الدولة ووزاراتها واستفحلت السرقات الكبرى للمال العام والمحسوبية والمنسوبية وأهملت الزراعة والصناعة و الخدمات الأساسية للمجتمع بسبب الفساد والسرقات وفوق كل هذا استفحال عمليات الاغتيالات والقتل التي طالت النخب العلمية والكوادر المهنية لإفراغ العراق من كل طاقاته العلمية،  وانتشار عصابات القتل والإجرام التي روعت المجتمع العراقي بسبب التفجيرات المستمرة بالعجلات المفخخة والعبوات والأحزمة الناسفة بالإضافة إلى استفحال ظاهرة الميليشيات المدعومة من قوى سياسية فاعلة ولم يستقر الوضع الأمني رغم تشكيل قوات عسكرية وأمنية جديدة بعد أن حل الأمريكان الجيش العراقي والمؤسسات الأمنية الأخرى،  ورغم الأعداد الكبيرة لهذه القوات وصرف مليارات الدولارات على تدريبها وتسليحها وبقي الجرح العراقي ينزف بغزارة وارتفعت أعداد الشهداء والجرحى إلى أرقام مخيفة خصوصاً في السنوات الأخيرة التي لم تستفحل فيها التفجيرات والاغتيالات وسطوة الميليشيات والاعتقالات والإعدامات والسرقات والفساد وسوء الخدمات والتهميش والإقصاء والاستئثار بالسلطة فقط بل أضيفت إلى ذلك العمليات العسكرية والحروب والاقتتال الطائفي والتهجير ونزوح ملايين العراقيين عن مدنهم ومنازلهم في ظروف إنسانية قاهرة لم يشهد العراق مثلها على مر تاريخه القديم والحديث مضافاً إلى ذلك الصراع المحموم على المناصب والكراسي والتشبث بها لترتفع سخونة الصفيح العراقي إلى أعلى مراحلها وبات شعبنا المظلوم بمختلف قومياته وأديانه ومذاهبه يتلظى من نارها كل يوم .والآن وبعد هذه الحقبة  المظلمة الحبلى بالكوارث والمآسي التي دمرت وطننا الذي كان أمناً مستقراً وشردت شعباً كان مأوى الشعوب الأخرى وملاذها وأفرغت البلاد من كفاءاتها وخبراتها العلمية والأكاديمية بالقتل والتهجير،  يتطلع العراقيون إلى غد جديد يعيد بناء ما دمره الاحتلال الأمريكي  و ما أفرزه من عملية سياسية عرجاء قادها اللصوص وأنصاف السياسيين وأنصاف المتعلمين ويعيد إلى الشعب العراقي وحدته وتماسكه ولحمته الوطنية وينقذه من الفقر والجوع والمرض والقتل اليومي والحروب والقصف العشوائي للمدن ومنازل المواطنين الأبرياء ويعيد العوائل النازحة والمهجرة إلى منازلها و المهجرين خارج  العراق إلى وطنهم وينهي مأساة شعب ظلم ووطـن استباح ظلماً وعدواناً.