الصورة الإستعارية في قصائد عبد الأمير الحصيري

الصورة الإستعارية في قصائد عبد الأمير الحصيري

 

 

شاعر يتحرر بعد الموت من قيود الإهمال والتجاهل

 

 

 

رزاق ابراهيم حسن

 

 

رغم اجماع الكثير من الادباء ومحبي الشعر  على عبقرية عبد الامير الحصيري الشعرية، وعلى تميزه في العديد من القصائد، وعلى كونه  يشكل  حلقة مهمة في تاريخ ومسيرة القصيدة العمودية، ولاسيما قصيدة (الخمر)  الا ان اغلب هؤلاء كانوا يتفقون ان عبد الامير الحصيري قد اساء الى نفسه وشاعريته باندفاعه  المدمن في شراب الخمر، وباهماله العلاقات مع الاخرين، وباعتياده على ارتداء الملابس الرثة، والملابس الملطخة في الاوحال، التي جعل منها رفوفا لحفظ الطعام وقناني الخمر، اضافة الى بيعه الشعر مقابل القليل من النقود، والاسهام في اضفاء صفة الشعراء على مجموعة من المدعين، والذين يحلمون بان يكونوا من الشعراء رغم افتقارهم الى الموهبة الشعرية، والثقافة الشعرية، اذ ان عبد الامير الحصيري بهذه السلبيات والاخطاء بحق نفسه وشعره كان يشير الى شخصية عابرة وطارئة، ولا يستحق الخلود، لانه مهما امتلك من قدرة شعرية فانه قد اهمل امكانات الخلود فيه، وهي تتطلب ان يكون الشاعر على علاقة طيبة مع الناس  وان يكون  سلوكه مقبولا وان يكون مسيطرا على نفسه، ولا يكون موضوعا للجنون، والعبث بالذات والموهبة والشعر،  والخروج عن القيم، وامتهان الشعر، وعدم احترام المقدرة  الشعرية.

 

ان اغلب الشعراء الذين وضعوا انفسهم خارج القيم والتقاليد الاجتماعية والدينية، وجعلوا من الشعر ساحة التمرد والرفض قد يفعل بعضهم ذلك لاسباب ايديولوجية وسياسية، او لاسباب عاطفية، او من اجل التميز في  الشعر، والاختلاف عن الشعراء الاخرين، ويوجد في الشعر من اتخذه نهج حياة، ولكن لم يمارس احد العبث بنفسه وبشعره كما فعل عبد الامير الحصيري، واتخذ هذا العبث نهجا للحياة والشعر ايضا.

 

شعر واختلاف

 

ان الحصيري بهذا السلوك يعيد الى الاذهان اختلاف الاراء والمواقف حول اخلاقية الشاعر وهل يؤثر ذلك على خلوده واستحقاقه النقدي وموقعه في خارطة الشعر؟ اذ يبرهن الحصيري على انتصار الشاعر والشعر في مواجهة المعتقدات  والقيم الاخلاقية والاجتماعية، مؤكدا بذلك اضافة سيرة من اكثر السير تمردا على التقاليد  والقيم السائدة، والعبث بها وان للشاعر حقه في التمرد، والتعامل الخاص مع المجتمع، والعلاقة مع الشعر وان الشاعر  قد ينال الاستحقاق النقدي والاهتمام الاجتماعي، وينال الخلود واحترام الناس وهو يتعمد على الخروج على القيم والتقاليد السائدة، ويتعمد العبث بها، والسخرية منها، والتعامل الاعتباطي معها، كما ان هناك من يستغل الوضع السياسي فيظهر متمردا على السلطة، رافضا لها، ويمثل الحصيري النموذج الاول، فليس في استغراقه يشرب الخمر دعوة الى الرفض والتغيير، وهو عندما يكتب عن الثورة والتغيير والنضال والكادحين يغادر مظهره (السكير) ويغادر قاموسه (الخمري) ويكتب عن كل ذلك بالمفردات والتعابير الدالة على موضوعه. وقد كتب الحصيري الكثير من القصائد السياسية ولكنها مختلفة عن قصائده الذاتية و (الخمرية) وكان عندما يترك الشراب يعد ذلك انتصارا له وانتصارا على العبث واللاجدوى، وكان الانقطاع عن الشراب لا يشكل من وقته سوى ايام قليلة، اذ يعود اليه بقوة شعرية وغريزية هائلة،  تاخذ بجماع شخصيته، وتجمع حوله المريدين والمعجبين لتزيد من اندفاعه الى المزيد من الشراب، والى المزيد من العبث واللاجدوى والغياب عن الواقع المرير والانحياز للبطالة  واهمال الالتزامات المهنية والوظيفية والاجتماعية، اذ اتيح  للحصيري ان يعمل موظفا لمرات عدة وان يترك العمل دون مبررات وعندما يستغرق في الشراب لا يهمه من يكتب عنه ومن لا يكتب، وليس يهمه البحث عن الادباء والنقاد، ويكتب الشعر للرياح، ولمن يحاولون سرقة قصائده من جيوبه، ولمن  يريدون  سماع قصائد عن الحصيري وعن الحب والخمر في شعره.

 

ولكن عبد الامير  الحصيري الذي تعرض للاهمال بسبب استغراقه في الشراب،  واستغراقه في الملابس الرثة، والذي لم يكتب عنه القليل رغم شاعريته  الفذة يؤكد بعد وفاته ان  الشعر الجيد والرصين  لا يمكن ان يموت، وان الطاقة الشعرية اكبر من  كل الحواجز والمعوقات، وان الموت  يحمل معه التحرر من هذه الحواجز والمعوقات، ويحمل مع اصرار التجربة الشعرية على نيل استحقاقها، مؤكدا ان الشاعر يظل حاملا نيران الشعر،   ويظل ملفتا للاهتمام والكتابة والتخليد مهما تنكر لنفسه ولطاقته ونظرة الاخرين له، ومهما عاش من اهمال وعزلة وانكماش، ويعزز من ذلك ان الحصيري اصدر العديد من الدواوين الشعرية، وكان يعيش  في اجواء ادبية وثقافية في النجف وبغداد، ويصاحب العديد من الادباء، حيث كتبت  عنه بعد رحيله العديد من المقالات والدراسات بمناسبة  وبدون مناسبة وطبعت وصدرت بعض دواوينه وقصائده الضائعة، وتعددت الاراء عنه دون انكار عبقريته الشعرية، وتميزه في القصيدة العمودية،فقد  خصصت مجلة الاقلام ملفا نقديا واستذكاريا، واصدر له الكاتب والمفكر عزيز السيد جاسم ديوانين كبيرين، يضم كل واحد منهما دراستين نقديتين، وصدر للشاعر الراحل صبري الزبيدي كتابا عنه، وقد سمعت ان دراسة اعدت عنه لنيل شهادة الماجستير في جامعة اليرموك الاردنية واعدت دراسة اخرى عن حياته وشعره لنيل شهادة الماجستير في جامعة البصرة، كلية التربية 1995، وهناك كتاب معد للطبع بعنوان (عبد الامير الحصيري وكاس القصيدة لرزاق ابراهيم حسن، يتحدث فيه عن ذكرياته عن الحصيري، وعن العلاقة بين حياة وشعر الحصيري،وعن بعض الخصائص الفنية والمضمونية لهذا الشعر)، وقد صدر ايضا كتاب بعنوان (الصورة الاستعارية في شعر عبد الامير الحصيري تاليف الدكتور عمار سلمان عبيد المعموري، ولهذا الكتاب اهميته وتميزه في اطار الدراسات والمقالات المكتوبة عن عبد الامير الحصري، فقد طغت الذكريات والسيرة على اغلب ما كتب عن الحصيري، وهذا الكتاب يتناول جانبا فنيا في شعره يتمثل بالاستعارة، وقد وردت الاشارة للصورة الاستعارية في عدد قليل جدا من الدراسات المكتوبة عن الحصيري، ولكن كتاب المعموري عن (الصورة الاستعارية في شعر عبد الامير الحصيري) يقدم الكثير من التفاصيل، والكثير من الامثلة، اذا كانت معظم الدراسات والمقالات المكتوبة عن الحصيري قد تناولت دواوينه الاخيرة، او بعض هذه الدواوين فان كتاب العموري يقدم مسحا موضوعيا لجميع ما صدر للحصيري من دواوين.

 

واضافة الى ذلك فان دراسة (الصورة الاستعارية في شعر الحصيري) تشير الى ما يلي:

 

1. ابراز ثقافة الحصيري، بحيث يتضح من خلال الصورة الاستعارية انه متفاعل ومتواصل  مع الشعر العربي والعالمي، لان الصورة الاستعارية موجودة في هذا الشعر.

 

2. ان الحصيري شخصية تزدحم بالنقائض والاختلافات بين البعد والقرب، بين السكون والانفجار، بين البراءة والخطيئة، بين الخجل التهتك، بين الطفولة والشيخوخة، والصورة الاستعارية تتيح له الجمع بين هذه المتناقضات، ذلك ان (الصورة والاستعارة – كما جاء في الكتاب – ص15- تلتقيان على نية الجمع بين العوالم المتباعدة والمتفرقة المتنافرة التي لم يكن بينها من علاقة او رابط عرفي، سوى هذا التقديم الجمالي).

 

3. ان دراسة الصورة الاستعارية في شعر احد الشعراء تتطلب الرجوع الى التراث النقدي العربي والعالمي، وهذا ما فعله الدكتور عمار سلمان عبيد المعموري، اذ اوضح من خلال ذلك ان الحصيري مطلع على هذا التراث، او بعض جوانبه، ومطلع على اهمية وجمالية الصورة الاستعارية في الشعر العربي.

 

4. و اغلب شعر الحصيري يهتم بالصورة الاستعارية، فهو لا يعتمد السياق السردي، ولا يعتمد البناء المقطعي  او القصيدة القائمة على الرموز والاساطير، وانما يعتمد على البناء الذي  يجمع بين الابيات في اطار الصورة الاستعارية ويجعل اغلب الابيات قائمة على الصورة ايضا.

 

5. ان عبد الامير الحصيري من الشعراء المعنيين  بقوة العلاقة مع الحداثة والتراث، والصورة الاستعارية  تحقق له ذلك، لانها تعد من العناصر المهمة في الشعر العربي القديم، وتعد ذات اهمية فنية في الشعر الحديث الذي يميل الى التشخيص والتجسيم والعلاقة  بين العناصر المتناقضة والمتباعدة والمتنافرة.

 

6. ان الصورة الاستعارية لم تكن مقتصرة على مرحلة دون اخرى، وعلى تجربة معينة، ولا تكون من السمات المحددة بشاعر معين، وانما هي رافقت الشعر في مختلف مراحله، ورافقت الشعراء في مختلف مراحلهم وتجاربها، وذلك فان الصورة الاستعارية تساعد على مراجعة ودراسة جميع ما صدر للحصيري  من دواوين وقصائد، وتساعد على دراسة موقع الحصيـــــــري في الشعر الذي يتـــــناول هــــــذه الصــــــــورة.

 

7. ان الصورة الاستعارية مفتوحة على كل الاشياء والعلاقات والبعيد والقريب، والملموس والمجرد، ولذلك استطاع الدكتور عمار سلمان المعموري ان يتطرق من خلالها  الى الاساطير والرموز في شعر الحصيري، وان يتناول ما يقع داخل هذه الاساطير والرموز من ابعاد وجوانب  نفسية واجتماعية وثقافية.

 

8. ان الحصيري ليس من الشعراء الذين اهتموا بتحقيق انتقالات وتطورات مرحلية فنية وهو يهتم بطول القصيدة وحسن وجودة اهمية الاستعارة في القصيدة الواحدة، ويهتم بكثرة الصور الاستعارية، ولذلك فان دراسة الصورة الاستعارية في شعره ينسجم مع خصوصيات هذا الشعر.

 

الكتاب من الداخل

 

يضم  كتاب ( الصورة الاستعارية في شعر عبد الامير الحصيري) مقدمة وتمهيد وثلاثة فصول، وتتناول المقدمة اهمية الصورة الاستعارية، ويقدم التمهيد رؤية تنظيرية عن هذه الصورة، فيما يتناول الفصل الثاني (التشخيص في الصورة الاستعارية) من خلاب العناوين الاتية: تشخيص المعنويات، لوحة تموز، لوحة الشعر، لوحة العزلة، لوحة الحلم، تشخيص المحسوسات، لوحة الضوء والظلمة، لوحة الريح، لوحة الخمرة، لوحة الفجر، ويتناول الفصل الثاني (التجسيم في الصورة الاستعارية) من خلال دراسة تجسيم المعنويات، تجسيم المحسوسات، تجسيم الانسان، وجاء الفصل الثالث بعنوان (الحواس في الصورة الاستعارية) حيث تم فيه دراسة الصورة البصرية، الصورة السمعية، الصورة الذوقية، الصورة اللمسية، الصسورة الشمسية، تراسل الحواس، ومع هذا الاختلاف في العناوين فان المؤلف يحاول ان يعطي لكل عنوان ما ينسجم معه من الامثلة والتحليل، ويقدم لكل عنوان نصوصا تجعله مختلفا عن العنوان الاخر، مركزا بذلك على الصورة الاستعارية بمختلف صور تجسيدها في شعر الحصيري.

 

ويمكن القول: ان هذه العناوين وما يقع تحتها من صور استعارية قد عززت من دور الصورة الاستعارية في شعر الحصيري بما قدمت من امثلة وتحليل، وعبرت عن غنى شعره بهذه الصورة، وعن احتوائها على الكثير من معانيه، وتعامله مع الطبيعة والاشياء والمحسوسات والعلاقات، كما اكدت عدم احقية ومصداقية الذين يرون ان شعر الحصيري مجدود بنمط معين، هو شعر الخمر، وما يدور في فلكه من علاقات وانه شعر غني بالصور، غني بالموضوعات المختلفة، غني بما يقدم الحصيري من علاقات جديدة بين المتنافر والمتباعد من الاشياء والمشاهد واللقطات.

 

والمؤلف المعموري في جميع صفحات وموضوعات كتابه لا يتعامل مع قصائد كاملة، ليدرس الصور الاستعارية فيها، وموقع كل صورة في السياق العام للقصيدة، واهميتها في علاقتها بالصور الاخرى، وانما هو يستند على ابيات من قصائد، مستفردا بكل بيت على حده، ولاسيما الابيات التي ترد فيها صورا استعارية، ذات انسجام مع العناوين الفرعية للكتاب، وكان من المفيد والمهم ان يخصص المؤلف فصلا من الكتاب لدراسة الصور الاستعارية في قصائد معينة، ذلك ان الحصيري مع عنايته وكتابته القصيدة العمودية، الا انه كان يشحن هذه القصيدة بالصور، وكانت  بعض قصائده تعتمد على صور محورية او استهلالية تتناسل منها وترتبط بها معظم الصور الفرعية، وبعض قصائده، وتتوزع على صور تنتظم في مقطع معين، او تعلن عن نفسها في عدد من الابيات داخل القصيدة الواحدة دون ان تكون مستقلة في مقاطع معينة.ويبدو لي ان دراسة قصائد معينة للحصيري من خلال  الصورة الاستعارية فيها، يمكن ان يجعل كتاب (الصورة الاستعارية في شعر الحصيري) اكثر تنوعا، ويجعل من قصيدة الحصيري العمودية ذات بناء فني مدروس، ويجعل الكتاب نفسه جامعا بين العام والاجزاء في علاقته بالصورة الاستعارية.ويمكن ايضا ان تدرس من خلال ذلك الاختلاف في التعامل مع الصورة  الاستعارية بين بدايات الحصيري وبين قصائده الاخيرة، بين الصورة الاستعارية في القصيدة الذاتية والصورة الاستعارية في القصيدة ذات الموضوع الاخر، وبين الصورة الاستعارية في القصيدة الطويلة، والصورة الاستعارية في القصيدة القصيرة، وبين الصورة الاستعارية في القصيدة العمودية، وهذه الصورة في قصيدة التفعيلة، ذلك ان الحصيري يمتلك مسيرة شعرية، تمتد الى الخمسينيات، ولم ينقطع عن الشعر، كما انه كتب القصيدة الطويلة والقصيدة القصيرة، وكتب عن ذاته، وعن مختلف الموضوعات وكتب قصيدة التفعيلة الى جانب القصيدة العمودية، وهو لم يكتب ابياتا مفردة وانما كتب قصائد، وفي هذه القصائد تظهر عبقرية الحصيري الشعرية، وتميزه في الصورة الاستعارية وليس في المفرد من الابيات، وهي الابيات التي يستشهد بها المعموري في جميع ما يحتاجه  من امثلة شعرية تدل على الصور الاستعارية.

 

ثم ان الاستشهاد بالابيات وحدها قد يؤدي الى الاقتصار على قصائد معينة، واهمال قصائد كثيرة، وعدم الاستشهاد باي بيت منها، وهذا ما فعله المعموري، فالقصائد التي تم الاستشهاد بابيات منها لا تشكل سوى جزء قليل جدا من تراث الحصيري الشعري. ان اختيار ابيات قليلة من بعض القصائد امر عرفته العرب منذ قرون عديدة، فقد كانوا يختارون ابيات  معينة للدلالة على ما هو متميز من الحكم والمواعظ والغزل والرثاء … الخ كما ان اختيار ابيات للدلالة على عنصر فني او مضموني معين امر مقبول، فمن غير المعقول ان يتم الرجوع الى قصائد تبلغ عشرات الابيات للدلالة على حالة جزئية ولكن من المفيد ان يكون الاستشهاد اوسع من ذلك عند دراسة شاعر معين، او عدد من الشعراء، والحصيري يساعد على ذلك في العلاقة مع الصورة الاستعارية، اذ تحفل قصائده الطويلة بالكثير من هذه الصورة.وقد التفت الدكتور المعموري في كتابه (الصورة الشعرية في شعر عبد الامير الحصيري) الى وجود مشتركات للصور في  قصائد الحصيري، حيث جمع هذه المشتركات في فصل يتناول تشخيص المعنويات  متمثلة بلوحات هي : لوحة تموز، لوحة الشعر، لوحة العزلة، لوحة الحلم، لوحة الضوء والظلمة، لوحة الريح، لوحة الخمر، لوحة الفجر، ويقسم هذه اللوحات الى تشخيص المعنويات وتشخيص المحسوسات.

 

ويقول: (ويحقق الحصيري من خلال التشخيص لوحات استعارية تنتظم تجربته الشهرية، يقع قسم منها في اطار المعنويات من مثل : (تموز) ، و (الشعر) و (العزلة) و (الحلم) ويندرج القسم الاخر في اطار المحسوسات مثل : (الضوء والظلمة) و و(الريح) و (الخمرة) و (الفجر)  مكونا صورة استعارية كبرى تتشكل من صور جزئية تنتشر بين اوصال تجربته الشعرية المتواصلة بين بعضها البعض ليقدم بها رؤيته الكلية لقضايا متنوعة ظلت تشاغله  على طول قلقه الابداعي ص 35).

 

وهذه الالتفاتة الى مثل هذه المعنويات والمحسوسات قد اضفت التنوع على كتاب (الصورة الاستعارية  في شعر عبد الامير الحصيري) وابعدته  عن صيغة التعامل الوحيد مع هذه الصورة، ولكن كان من الضروري والمفيد ان يوضح المؤلف المقصود بمصطلح المعنويات ولاسميا انه ليس من المفردات العابرة، وانما يشكل العنوان الرئيس لفصلين في الكتاب، فقد ورد في الفصل الاول هذا العنوان : (تشخيص المعنويات، وتندرج ضمن اطاره لوحة تموز، لوحة الشعر، لوحة العهزلة، لوحة الحلم، وورد في الفصل الثاني هذا العنوان : تجسيم المعنويات، وهو عنوان المبحث الاول في هذا الفصل، ثم لماذا يتم التفريق بين المعنويات والمحسوسات؟ وهي في الكتاب والشعر موظفة تجسيد الصورة الاستعارية في شعر عبد الامير الحصيري. ثم لماذا اعتمد هذا التسلسل في المعنويات والمحسوسات؟ ولماذا تقدم تموز على الشعر والخمرة؟ وتقدم الضوء والظلمة على الريح والعزلة والحلم.. وما الذي جعلها موضع اهتمام الشاعر، وما العلاقة بين هذه المفردات وحياة وتجارب الحصيري؟

 

وما دامت المشتركات كهذه المعنويات والمحسوسات موجودة في شعر الحصيري، فهي يمكن ان تكون مركز استقطاب لقاموس شعري، ولعدد من المفردات.. فاين هذا القاموس واين مفرداته؟

 

ويبدو ان المؤلف كان مدركا ان كتابه عن (الصورة الاستعارية في شعر عبد الامير الحصيري) لم يكن الكتاب المستوعب لكل جوانب موضوعه، اذ (تحتاج النصوص المؤسسة على الاستعارة منهجيا تكامليا في فتح دلالاتها، مستثمرة الوصف التكويني والتركيبي والتداولي، التي تمنح باجتماعها المجال واسعا  لمشاركة الناقد في اعادة انتاج النص الابداعي ليكون بذلك فتحا شخصيا، يضيف قراءة واحدة، ويهيء في الوقت نفسه  الكثير من القراءات المقبلة، وبهذا يستحيل النص الابداعي مشروعا لانتاج المعـــاني والدلالات . ص 156).