الشاعرة السورية فرات إسبر تتحدث لـ الزمان عن شبه القصيدة النقية بالماء العذب

الشاعرة السورية فرات إسبر تتحدث لـ الزمان عن شبه القصيدة النقية بالماء العذب
الشعر حصانتي الداخلية من اليأس
حاورها عبدالحق بن رحمون
قالت الشاعرة السورية فرات إسبر لـ الزمان يبدو أن هذا الربيع سيزهر الكثير من الدم والخراب. ، كما أوضحت أن قصيدتها لا مواعيد لها، و تضيف صاحبة ديوان زهرة الجبال العارية قصيدتي تأتي، من داخلي كنبعٍ عميق أرتشف منه لأروي عطش الحياة، كما أكدت فرات إسبر أن القلق في الروح يُنضج القصيدة ويمنحها الوجود والحياة، وتضيف ان القصيدة كانت علاجا جسديًا وروحياً لها في الحياة وتقلباتها من حولها ومن داخلها.
وحينما تتحدث فرات إسبر عن حكايتها مع الشعر، فإنها بالتأكيد تسترجع تلك الجياد الراكضة في ذاكرتها، الممتدة في البعيد، حيث الحكايات تمر كنهرٍ تتراءى أمامها صورًا من الماضي إلى الحاضر إلى اللحظة الآنية.
وتقول كم تباعد هذا الجسد السوري، وماذا فعلت به هذه الحصبة اللعينة، قلبُ سورية تعب تعبٌ،كيف له أن يستريح؟ . وبما أن أحلامها في الشعر مثل الماء، لا يمكن كسرها، لذا نراها تحب الطرق المقطوعة بنهرِ أشواقها، وتشارك البراري الغناء حيث لاطيور تمرُ كالصحراء ثم تمضي تقطع أسراب الذكرى اللئمية.وبذلك فعوالم الشاعرة فرات إسبر خفية، لأن في رأيها أن لا أحد يمكن له القبض على هذا الجمر الذي يستعر في الروح.
في هذا الحوار الشاعرة فرات إسبر تجيب على أسئلتنا في عبارات مكثفة تستعيد فيها تجربتها الشعرية وأحلامها، وهي الأكثر محبة للشعر في غوايات خدعة الغامض، وسيرة الوطن والذات الأنثوية التي في تحليق روحي على الورق.ومعها كان هذا الحوار
اشتراطات القصيدة
ما حكايتك مع القصيدة… وهل لك أن تروي لنا كيف تكتبينها والمراحل التي تمرمنها؟
ــ القصيدة لا تخضع لمراحل أو قواعد تمر بها كي تظهر أو تتجلى على ورقة بيضاء حقيقة. لا أدري كيف تأتي، أحيانا تكون انعكاسا لذاتي وما يدور فيها.
لا أومن بالجن الشعري. ليس عندي جنَيٌ يزورني في الليل ولا إلهاً أتعبدهُ في الشعر كي يمنحني بركاته ولا شيطان. لست غاوية، لا أتبع أحداً. قصيدتي تأتي، من داخلي كنبعٍ عميق أرتشف منه لأروي عطش الحياة، لأقاوم تعب الحياة، لأحارب فقر الحياة.
بصدق، قصيدتي لا مواعيد لها. هناك قلقٌ ما في الروح يُنضج القصيدة ويمنحها الوجود والحياة، هي فعلٌ وجود داخلي لمقاومة هشاشة العظام والأمراض التي تصيب الروح، كانت علاجا جسديًا وروحياً لي في الحياة وتقلباتها من حولي ومن داخلي.
الشعر يمنح الشاعر قوة داخلية تحصنه من اليأس. عوالم الشاعر خفية لا أحد يمكن له القبض على هذا الجمر الذي يستعر في الروح، بدليل أن هناك الكثير من الشعراء والشاعرات انتحروا.
أكتب أحيانا أمام باب البيت وأنا جالسة أرقبُ المارة من حولي. لا تهمني الشكليات لا أهتم بالمكتب أو الطاولة أو القلم .أستيقظ من النوم لسبب أجهلهُ لأرى نفسي أكتب شيئا ما في العتمة. أحياناً كثيرة أسأل نفسي، يا إلهي كيف جاء هذا النص؟
القصيدة لا بيت لها تطيرُ من نافذةٍ إلى نافذةٍ. تحلقُ أحيانا، تسقط ُ أحيانا.
الشعر العذب ، يشبه الماء العذب.
ما موقع الخيال والصدق في تجربتك؟ وهل بمستطاعك أن تكتبي قصيدة كل يوم؟
ــ كل ما كتبتهُ وأكتبه فيه ذاتي وصدقي في هذه الحياة. في مجموعتي الأولى مثل الماء لا يمكن كسرها العنوان هو نص من نصوص المجموعة. امرأة تجد نفسها في ظروف صعبة وحياة صعبة وتريد تحقيق أحلامها ولم تفلح ولكنها كانت مثل الماء لا يمكن كسرها.
نصوصي تشبهني تماما وهي أنا إذ لم تكن تشبهني فسوف تموت.
القراءة، تمنحك صدق ما تقرأ، تبين لك مدى قدرة الشاعر على التحليق الروحي بالنص، بمعنى أن يجذبك وحتى أنك تتماهى معه وتقول أن هذا أنا. لابد من شعور ما يرافق النص الذي تقرأه أو تسمعه، فإذا لم يتوفر هذا الشعور عليك أن تعلم أن الشاعر متكلف في شعره.
لا أستطيع أن أكتب كل يوم، ما هي القيمة التي نجنيها من الكتابة كل يوم؟ وللحقيقة والمبالغة الشعر الحقيقي لايكون بالتخطيط المسبق، بمعنى أن تقول سأكتب اليوم شعرا، فإنك لن تنجح. أحيانا يمر أشهر وأشهر ولا أكتب شيئاً. قصائدي جاءت من تجربتي، من عمق روحي، من هنا يأتي صدقها. لاأكتب بتكلف وأتمنى أن لا أسقط بهذا المطب.
التكلف هو عدو للشعر الحقيقي. الشعر الصادق يأتي عفويًا وسلسلا وصافيًا حتى أنك تكاد تنسى نفسك عندما تقرأ شعراً. بقدر ما تكون صادقا مع نفسك ورائيا لها كشاعر ستكون شاعراً صادقاً.
ماهي المراحل التي تمر منها قصيدتك؟
ــ في البداية وفي مجموعتي الأولى مثل الماء لايمكن كسرها كانت القصائد فيها كاملة لم أحذف ولم أشطب ولا حرفا فيها، كما ولدت وجاءت وضعتها في المجموعة. أشعر أن كل نص في المجموعة هو طفل كامل النمو، ولكن بدأت ُ تدريجيا أحذف وأشطب القليل.أشعر بأن هناك ميزان داخلي يجعلني أشعر بنقصٍ أو خلل ما في داخلي وفي داخل النص. كثير من المرات أعيد ما أحذف، إذ أشعر من خلال الحذف الذي تم، هناك خلل ما في إيقاع النص وفي روح النص فأعيدما قمت بحذفه.
أحيانا أكتب مباشرة على الورق كمسودات وأعيد طباعتها وأحيانا أكتبُ مباشرةً على الكومبيوتر. أنا سعيدة بالطباعة لأنني نجوت من رداءة الخط أبي دائما يقول لي حسني خطك يا فرات وبهذا نجوت من الكتابة على الورق، أنا أحسد أصحاب الخطوط الجميلة.
في البيت يمكنك أن تقرأ فوضاي. أنا فوضوية .أكتب في أي مكان تقع يدي عليه، علبة محارم، جريدة، وماشابه أوراقي تكون مبعثرة في كل مكان من البيت.
هل سبق لك أن ندمت على قصيدة لم تكتبيها بعد أوكتبتها في وقت مضى؟
ــ نعم ندمت كثيراً . مجموعة شعرية كنت ُ قد كتبتها ، قمت بتمزيقها.الآن، أعتبر ذلك ذنباً أندم ُعليه كثيرا.
هل فعلا كل قصيدة كتبتيها توازي خصلة شعر بيضاء في رأسك؟
ــ لا..لا للصدق، لا. لا شيء يعادل الحياة. القصيدة تنمحك القوة تعطيك دافعاً للسعادة الروحية، لكن الحياة تحتاج نفسًا أعمق من نفس القصيدة. لا أحب ُ الشعر الأبيض.أحبُ الحياة .أحب أن أعمّر طويلا، كي أرى الحياة أكثر وكي أنعم بها أكثر. لا أشعر بقيمة الشعر إذا مات الشاعر. الروح أهم من القصيدة، يمكنك أن تكتب المئات من القصائد ولكن لا يمكنك أن تمنح جسدك روح الحياة ليبقى غضا وصغيرًا وخاليا من الأمراض.
دائما أنت تخافين من أن تخذلك يوما الكتابة وتجف قريحتك، لذا تبدين مثل تلميذة مواظبة على الحضور، وخوفك من هذا المجهول هل يوازيه خوفك من تساقط شعر رأسك وإصابتك بالصلع؟
من يخاف المرض
ــ أخافُ من الكتابة. أتوقف كثيرا أمامها رغم صغر تجربتي، كي لا أسقط في مطب الفشل الشعري، الكلمة الجميلة مسؤولية. شعراء كبار مروا بتجارب كبيرة وحققوا شهرة عالمية ولكنهم اليوم يكتبون قصائد لامعنى لها، جافة، لا روح فيها.
أخاف أن أصاب بالصلع. عندي هوس من التفكير بمرض السرطان. لا يخيفني أن أتوقف عن الكتابة. الحياة جميلة بكل الوجوه ولكن مع المرض، لا.
هناك من يوسوس له الشعر كل لحظة بمكر، ويكتب بشراهة، أو بتقتير كأنه يتنفس الهواء من منخر واحد. قد ينشر أولا ينشر ماكتبه، بالنسبة إليك أي طريق ستوصلك إلى نار الشعر المصفى؟
ــ روحي الصافية، التي تشرب من أعالي الينابيع هي من توصلني إلى النار. لا أخفي عليك النشر متعه خالصة. لولا نشر قصائدي ونصوصي لما تعرفت إليَّ وما عرفت أن هناك شاعرة سورية اسمها فرات إسبر وأنا أيضا بالمقابل ما كنت تعرفت إلى الشاعر والصحفي عبد الحق بن رحمون النشر يحقق تواصلا بين الشاعر والشاعر وبين الشاعر والقارئ ويكون هناك تفاعلا نجد إثره اليوم في حوارنا معا.
هل أنت مقتنعة تماما وجود ضرورة أن يمارس عليك أحد ما وصاية على ماتكتبينه، يحاسبك على أخطائك ويتغاضى على صوابك؟
لا يمكن أن يخصع النص إلى وصاية. لك الحق أن تقرأ وأن تقول هذا نص جيد أو نص رديء لا علاقة له بالشعر.
ليس لأحد الحق في أن يقول للشاعر أكتب هكذا ولا تكتب هكذا، يمكن أن تعطي رأيك في النص ولا يمكن تعيد كتابته. إعادة كتابة النص تعطيه أنفاسا أخرى، على الشاعر أن يترك بصمته على إرثه الشعري. الوصاية في الأدب والشعر تقتلُ، لأنها تمحوك ويحل في نصك روح أخرى لشاعر آخر أو شخص آخر وهذا أرفضه تماما.
يقولون لا وصية لوارث وأنا أقول لا وصاية على الشاعر.
شهد العالم العربي تغييرا في أنظمته، هل تنتظري مثل هذا التغيير والثورات في الثقافة والابداع، وهل سيطول موعد تحقيق ذلك؟
ــ أخشى ما أخشاه أن تأتينا فتوى بتحريم الشعر والكتابة. الثورات الجديدة أحرقت المجمع العلمي في مصر وأحرقوا كتب نجيب محفوظ وحرموا الفن وحاربوه. كفروا الفنانين. أنهم حرموا الوقوف على أرواح الموتى من غير المسلمين كطائفة، ماذا نتوقع من ثورة تعيد النساء إلى عصر الجواري؟ أو ثورة تريد حرق الأقليات وطحنهم؟
يبدو أن هذا الربيع سيزهر الكثير من الدم والخراب.
هل من الضروري أن تكوني منتمية إلى مؤسسة ثقافية للأدباء….هذا من جهة ومن جهة أخرى، هناك من يرى أن الشاعر أو الشاعرة قد يضيع عمره كله ولا ينال الاعتراف، بالنسبة لك هل نلت هذا الاعتراف إلى هذه الساعة وماذا أضاف لك؟
ــ الإنتماء إلى مؤسسة في مجتمعاتنا العربية يعني بأن تكون منتميًا إلى حزب، وهذا الحزب هو الذي يقود هذه المؤسسة الثقافية. لايمكن لأعضاء هذه المؤسسة أن يطرحوا أفكاراًُ خارج إطار هذا الحزب.
الإنتماء لا يعنيني بقدر ما يعنيني التعريف باسمي وتجربتي إذا كانت تستحق أم لا؟
حدث خلال زيارتي الأخيرة إلى سورية وبعد صدور مجموعاتي الأربعة أن أزور اتحاد الكتاب العرب وأتعرف إليه. زرت رئيس الاتحاد وعرفته بنفسي وقلت له هذه كتبي هدية لك، كان جوابه أسرع ممَّا أتوقع بأن هذه الكتب لا تكفي لأن تكوني عضوًا في الإتحاد، فأجبته أنا جئت لأقول لك مرحبا وأتعرف بحضرتك الكريمه، ما جئت لأنتسب لاتحادك، لأنني أعرفُ مسبقا شروطكم . هذا جزء من حكايات طويلة للمؤسسات الثقافية .
وبالمقابل بغض النظر من إنتمائي إلى جهة حزبية، هناك من يقدر ويحترم الكلمة ولا يعتد بحجم الكتب، المهم النوعية. مجموعتي زهرة الجبال العارية دُرست ضمن الأدب الحديث لشعراء المهجر ونوقشت قصائد المجموعة ضمن مرحلة التخرج في جامعة محمد الخامس بالرباط بإشراف الدكتورة لطيفة حليم، حيث راسلني الطلاب وتناقشوا معي في القصائد والشعر. أن هذا يكفي ويغني عن أي اتحاد أو مؤسسة ثقافية ؟
الدكتورة لطيفة حليم تعرفت إلى نصوصي المنشورة في الإنترنت، رأت فيها قيمة أدبية تستحق النظر، راسلتني، وتراسلنا وناقشنا الكثير من الأشياء الجميلة المفيدة، لم يكن بيننا معرفة مسبقة ولا علاقات شخصية ولا نفعية وأنجبت صداقتنا الشعرية مشروعا آمل أن ننجزه قريبا أنطولوجيا شعراء نيوزلندة حيث راسلنا الكثير من الشعراء ورحبوا بالفكرة الدكتورة لطيفة هي صاحبة هذه الفكرة التي آمل أن ننجزها قريبا يمكن الاستغناء عن المؤسسات النفعية الثقافية التي تقوم عليها العلاقات الثقافية وهذا ما نلحظه كثيرا في المهرجانات الشعرية التي تقوم حول العالم والمتتبع لهذه المهرجانات وغيرها يلاحظ فيها تكرار الأسماء ذاتها لأكثر من دورة. يجب إعادة النظر فيما يتعلق بالشعر وبالمهرجانات الشعرية. يجب أن يكون هناك مسوؤلية ثقافية في الأختيار، وفي التعريف بالشعر والشعراء.
/8/2012 Issue 4290 – Date 29 Azzaman International Newspape
جريدة الزمان الدولية العدد 4290 التاريخ 29»8»2012
AZP09