السلوك السياسي بين احتلالين

السلوك السياسي بين احتلالين
سعد سعيد الديوه ي
مدخل هذه الورقة هي نظرة سريعة لما يمر به العراق بين احتلالين يتماثلان في بعض الجوانب ويختلفان في أخرى، فأما الأول فهو الاحتلال البريطاني بداية القرن الماضي، وأما الثاني فهو الاحتلال الأمريكي بداية هذا القرن، وسنتناول المسألة من باب تعامل الساسة مع هذين الاحتلالين والأجواء التي عاشها البلد آنذاك، وقد آثرنا أن نحصر الموضوع تاريخياً الى عام 1930م تقريباً حيث وقعت معاهدة الاستقلال والتي مهدت الطريق لقبول العراق في عصبة الأمم عام 1932م، ولا يعتقدن أحد بـأننا نفضل احتلال على آخر ولا غير، فكلاهما جاء لمصالحه على اختلاف أهدافها، ولكنه عرض يستوفي بعض الحقائق.
2 ــ نظرة تاريخية سريعة
على أثر تقهقر الدولة العثمانية دخل الانكليز مدينة البصرة في 5 تشرين الثاني 1914، ثم سقطت بغداد في 11 آذار 1917م، ليعلن القائد الانكليزي مود بأننا لم ندخل بلادكم أعداءاً فاتحين وانما دخلناها محررين ، وفي 7 تشرين الثاني عام 1918م، دخلوا الموصل، اي أن احتلال العراق الحالي استغرق أربعة سنوات
في هذه الفترة حدثت انتفاضات عديدة أهمهما انتفاضة النجف أواخر عام 1917م، وثورة الأكراد عام 1919م، ثم ثورة العشرين في الوسط والجنوب، وكلها قوبلت بقسوة بالغة من المحتل.
اضطرت بريطانيا لتغيير سياستها على أثر الهيجان الشعبي، حيث وصل السيد برسي كوكس المقيم السياسي البريطاني في الخليج العربي الى العراق في 11 تشرين الأول عام 1920، وعلى أسس معاهدة سان ريمو في 25 نيسان 1920م، كأول معتمد لادارة الاحتلال، حيث سبق ذلك فرض الانتداب على العراق من قبل الحلفاء.
في هذه الأثناء كانت مشكلة الموصل لا تزال عالقة بين تركيا وبريطانيا، والشيخ محمود الحفيد يطالب باستقلال الأكراد في السليمانية، والبلد منهك بالجوع والفقر وآثار الحرب، عندما تم تنصيب الامير فيصل بن الحسين ملكاً على العراق في 29 حزيران 1921م، على أساس مملكة ديمقراطية نيابية، ثم جرى استفتاء بنفس العام، جاءت نتيجته تأييد تنصيب فيصل ملكاً في 23 آب 1921م، وهو أمر متوقع
وعلى هذه الوتيرة تم تشكيل أول وزارة برئاسة السيد عبدالرحمن الكيلاني نقيب أشراف بغداد في 25 تشرين الأول عام 1920م، ضمت ثمانية وزراء أحدهم ساسون حسقيل وزيراً للمالية، وهو من الطائفة اليهودية في العراق
واستمرت تشكيل الوزارات رغم المخاض العنيف، فالوزارة هيئة تدير شؤون البلد وواجب ثقيل لا يضطلع به ولا يقبله الا من هو أهل له، وهي في مجملها مسؤولية ثقيلة، ولذلك يتركها من لا يطيق بأعبائها وهي ظاهرة بارزة آنذاك في السياسة العراقية
ومما أرهق ساسة البلد آنذاك تغيير معاهدة الانتداب عامي 1922 و 1924م، ولتأتي معاهدة 1927م بأقل بكثير مما توقعه العراقيون على حد قول المرحوم عبد الرزاق الحسني. ولكي نكون في الصورة أكثر، فان النفط قد تدفق من منطقة بابا ر في 13 تشرين الأول عام 1927م، ولم يتم تصديره الى عام 1934 من قبل شركة نفط العراق المحدودة .
أما الاحتلال الأمريكي والذي بدأ فعلياً في 23 آذار عام 2003م ولم يستغرق الا أكثر من اسبوعين بقليل، فانه لم يكن تحصيل حاصل لحرب عالمية ضارية مفروضة على البلد، كما حدث في الاحتلال الانكليزي، ورغم ان البلد كان منهكاً من جراء حروب وحصار وسياسات داخلية غير مدروسة، الا انه كان عضواً في الأمم المتحدة والجامعة العربية وغيرها من المنظمات الدولية، وكل ذلك لم يردع الأمريكان عما أرادوا فعله.
وفي حين ظن بعض الناس أن أمريكا في طريقها لبناء يابان أخرى أو كوريا جديدة، فاذا بالأمور فوضى عارمة، حتى أن مستشارة الأمن القومي الأمريكي آنذاك كوندليزا رايز لم تخجل من تسميتها بالفوضى الخلاقة استغفالاً واستصغاراً بعقلية أهل العراق والعالم قاطبة، وبقية السيناريو من طائفية وقتل على الهوية وسلب ونهب وفلتان أمني وتدخل كل من هب ودب في شؤون البلد، فلا مبرر لسرده لأننا عشناه ولا نزال نعيش على هاجس الخوف من تكراره.
لقد تماثل الاحتلالان بأمور واختلفا بأخرى، حيث يشير بريجنسكي في كتابه الأخير الفرصة الثانية ، بأن كلاهما تأخر بالاعتراف بالفشل، مع تواصل حركات القمع الوحشية والتي لم يتردد وزير المستعمرات البريطاني آنذاك ونستون تشرشل، باستخدام الغازات السامة ضد المتمردين العراقيين وخصوصاً الأكراد منهم، بينما استخدم الأمريكان كافة الأسلحة المحرمة ومن ضمنها اليورانيوم المخضب، ومع كل ذلك فان البلد في الاحتلال الأول كان أكثر توازناً واستقراراً بفضل تكاتف ساسته مع اهله وعدم تناحرهم، الا من أجل مصلحة البلد.
3 ــ رجال ومفاهيم ومواقف
كان رجال الادارة البريطانية على دراية واسعة بأحوال العراق وشؤونه، فقد كان السير برسي كوكس المشهور بحنكته السياسية قد تولى منصب الحاكم السياسي، وكانت سياسته قائمة على التفاهم والمسايرة والملاينة وتحقيق ما يمكن تحقيقه من آمال الشعب وطموحه مع المحافظة على المصالح البريطانية بعد أن أفلست سياسة البطش والتنكيل، فالتفكير البريطاني آنذاك كان ينصب على انشاء دولة يتعامل معها ضمن سياقات مصالحه وخصوصاً النفطية، وهو ما تتسم به السياسة البريطانية عموماً بالمراوغة وسعة الحيلة.
أما من يقراً كتاب بول بريمر المعنون عام قضيته في العراق ، فانه يصاب بالذهول من تلك العقلية التي خططت للاحتلال الأمريكي للعراق، وكيفية ادارته ومدى جهلها بأحوال العراق الداخلية الذي أدى كما يقول بريجنسكي الى أن الفشل الذي عانت منه أمريكا قد صنعته بنفسها.
فحتى سقوط بغداد كان هذا الرجل الذي شغل معظم حياته في الخارجية الأمريكية وفي مكافحة الارهاب على حد قوله، والذي يقضي وقته بعد التقاعد بالتمتع بحياته مع زوجته الجميلة، لا يعرف أي شيء عن بغداد والعراق، واذا به يتلقى مكالمة من بوش للذهاب لبغداد وادارة العراق، وأكثر شيء كان يعرفه والذي تشمه في كل صفحة من صفحات الكتاب هو سني ــ شيعي ــ عربي ــ كردي ، الى آخر تلك الوصفات الطائفية والعنصرية والتي جاء خصوصاً لاذكائها باسم الديمقراطية والحرية. وأما الطريقة التي يصف بها بعض رجال مجلس الحكم من الذين عملوا معه، فهي تخلو من كل لياقة وأدب ومجاملة ومن أراد فليرجع للكتاب المذكور، ولذلك فان الاحتلال الأمريكي جاء لهدم دولة بتراثها وحضارتها خدمة لمصالح دولة أخرى أي اسرائيل وهي بالأساس تتحكم بالسياسة الأمريكية، وهذا فرق جوهري عن الاحتلال الأول.
واذا عدنا الى نوعية الساسة الذين تعاملوا مع البريطانيين آنذاك فاننا لا نشتم مطلقاً رائحة الطائفية أو العنصرية فيهم، ولا كانوا يأخذون أوامرهم من هذه الدولة أو تلك، فقد كان تأسيس العراق بمكوناته المختلفة همهم الأكبر، رغم النوايا البريطانية المترددة بين مبادئ صهيونية لا تريد للعراق أن تكون له قائمة، كما عبر عن ذلك تشرشل بقوله بأن اكبر خطأ ارتكبناه هو تأسيس دولة العراق وبين مبدأ المصلحة من استغلال نفطه وموقعه الاستراتيجي. ولذلك فليس من المستغرب أن نقرأ عن استقالة الوزير الفلاني أو رئيس الوزراء الفلاني اذا اصطدمت مصالح الأمة مع الخط البريطاني، فبعد توقيع اتفاق 14 آذار عام 1925م، بشأن امتياز النفط الذي يخدم المصالح الأجنبية استقال وزير العدلية رشيد عالي الكيلاني ووزير المعارف محمد رضا الشبيبي.
وفي عام 1927م استقال وزير المالية ياسين الهاشمي وتبعه وزير الداخلية رشيد عالي الكيلاني بعد اصرار المندوب السامي على تمرير معاهدة الانتداب، ثم لحق بهما رئيس الوزراء جعفر العسكري في 7 كانون الثاني 1928م، ولم تقف هذه السلسلة أبداً كما نوهنا سابقاً.
وعندما صعدت المعارضة من لهجتها ضد حكومة محسن السعدون التي تشكلت في 19 أيلول عام 1929م، واتهمتها بعدم الاخلاص للقضية العراقية وبما يتعلق بشأن ابرام المعاهدة العراقية البريطانية، وفي لحظة من الانهيار النفسي أقدم السعدون على الانتحار في 13 تشرين الثاني عام 1929م، تاركاً وصيته لولده علي والتي يقول فيها الأمة تنتظر الخدمة والانكليز لا يوفقون ثم يقول يظنون أني خائن للوطن وعبد للانكليز، ما أعظم هذه المصيبة أنا الفدائي الأشد اخلاصاً لوطني … قد كابدت أنواع الاحتقارات، وتحملت المذلات في سبيل هذه البقعة المباركة التي عاش فيها آبائي وأجدادي مرفهين .. ..
وماذا بشأن سياسينا بعد حوالي عشر سنوات من الاحتلال، فالصراع على المناصب الكرسي لا مثيل له، والمساومات لا تنتهي، حتى كأننا في سوق البورصة للأسهم والسندات السياسية. وأما الفساد والذي صار سمة الأمور وسنامها، فأمره متروك هنا، لأنه أصبح زادنا اليومي كالماء والهواء، فصار المسؤول وان شئت سمه وزيراً أو غير ذلك لا يعرف ما هي هويته ومن يخدم؟ ومن يرضي؟ أيرضي منصبه وجيبه أم طائفته وقوميته أم بلده أم المحتل؟، وفي كل الأحوال لا يفكر بالاستقالة من منصبه الكرسي أو المعارضة، ولا تسمع منه كلمة وطن مطلقاً ولو سحلوه سحلاً.
4 ــ مفاهيم ومواقف
في هذه الأجواء التي لا تبشر بالخير ظهرت مفاهيم ومصطلحات، تحاول قلب الأمور رأساً على عقب، مثل مفهوم الوزارة السيادية ، و الوزارة اللاسيادية ، وهو مفهوم عجيب غريب في بلد يدعي ساسته بأنهم جاءوا للبناء والاعمار بعد الخراب والحروب، والمفهوم في حقيقته يدعو للترويج لابقاء التقسيم الطائفي والعنصري الذي جاء به المحتل.
وماذا يعني أن يخدم فلان في الخارجية أو الدفاع أو في الصحة أو في التعليم، أليس القاعدة تقول بأن الرجل المناسب للمكان المناسب ، اذا كانت الغاية خدمة الأمة ولا غير، ناهيك أننا نحتاج في كل المواقع لرجال أكفاء يفهمون واجباتهم، ولا يقدمون جيوبهم على ولاءهم للوطن.
والتبست على الناس المفاهيم الثقافية والانسانية فصرنا لا نميز بين الثورة والانقلاب، وصرنا لا نميز الأشياء، فصار كل واحد يقدم تبريراً أو قل تزويراً للحط من شخصية، أو رفع أخرى، فصار تفسير التاريخ الحديث للبلد على تقسيمات وسيناريو السيد بريمر، فمثلاً صار عبد الكريم قاسم بطلاً والذي جرت في عهده حفلات السحل والقتل والاعدام في الموصل وكركوك، وابتدأ عهده الجمهوري الزاهر بمذبحة العائلة المالكة والتي تعد واحدة من أكثر الصور سوداوية في تاريخ العراق الحديث، ثم أثبتت الدراسات التاريخية الجادة، بأنه كان المنفذ الرئيسي للارادة البريطانية في العراق، بعد احتدام الصراع الأمريكي البريطاني على مناطق النفوذ بعد الحرب العالمية الثانية وخروج بريطانيا منهكة، ليبدأ العراق تاريخياً جديداً من الانقلابات والصراع بين هذه الارادات المتصارعة بعيداً عن كل المفاهيم الأخرى التي في عقلية بريمر وأصدقائه النجباء، وهو الذي قلب المحاكمات السياسية الى حفلات تهريج وهتافات، ناهيك عن ادخال مفهوم المليشيات في التكوين الداخلي للدولة بصورة أو بأخرى والتي أخذت أشكالاً متعددة في العهود التي تلته والى حد الآن.
وللذين يرون غير هذه الرؤية سنضع جدولاً واحداً فقط عن تطور التعليم في العراق بين سنتي 1920 ــ 1935، علماً أو ورادات النفط لم تتدفق للعراق الا بعد عام 1934م كما رأينا سابقاً لنرى تلك الثورة التي بدأت بمذبحة مروعة ولم تتوقف عجلتها على مدى أكثر من خمسة عقود.
هذه بعض جوانب الصورة بين احتلالين بآلامها ومحنها، ومع كل ذلك فهذا البلد لم يعدم من رجال سيأخذونه الى بر الأمان ومن كل التيارات، فالشعب ينتظر الخدمة كما قال السعدون رحمه الله، ولكن من يرفض الآن؟ انهم من يقفون خلف هذه الأزمة طلباً للكراسي ويدّعون أنهم جاءوا لخدمة البلد، فالجواب بسيط ولا يحتاج الى فهم خارق.
/7/2012 Issue 4253 – Date 17 Azzaman International Newspape
جريدة الزمان الدولية العدد 4253 التاريخ 17»7»2012
AZP07