كلام أبيض
الجميع على حق – جليل وادي
الجميع على حق هكذا أظن،فلا بغداد على باطل ولا أربيل، فأزمة الاستفتاء فتات قول مكنون في قلوب الاكراد وعقولهم، فيه مما هو عاطفي أكثر مما هو عقلي، يتملكهم الشعور بالظلم منذ عشرات السنين، ومازالوا لم يقولوا كل ما في قلوبهم من حرقة، وبغداد باختلاف أنظمتها التي تعرفون أوصافها تدرك ذلك تماما، لكن أحدا لم يتجرأ على البوح به لاعتبارات شتى، فلا خلاف على ان الامة الكردية ضحية مؤامرات دولية لا ذنب لبغداد فيها، اذ نشرتهم بين دول عدة تباين فيها تمتعهم بحقوقهم القومية، وكانت بغداد الاكثر تفهما لتلك الحقوق حتى انك لا تشعر بفرق بين كردي وعربي، بالرغم من تمردهم على بغداد في أحيان كثيرة، ومن التمرد ما كان مشروعا ومنه ما خلف غصة، لاسيما في أوقات تعرض العراق فيها لتحديات مصيرية، لكن أكثر الظلم الدولي تعسفا، ذاك الذي حرمهم من تشكيل دولتهم، فهم الامة الوحيدة في المنطقة الذين ليست لهم دولة يحكم فيها الاكراد أنفسهم، ولم تعد الدولة بالنسبة لهم نظاما سياسيا فحسب، بل حلما يراودهم صباح مساء، وما أشد الاسى الذي يكابده ممن يرى الاخرين يحرمونه حقه، بينما يجد في نفسه من القدرات ما ليس عند من يحكمونه، وأرجو ألا يتوهم البعض بأن الاكراد منقسمون،بل متوحدون وبقوة خلف حلمهم، لكن رؤيتهم لتحقيق هذا الحلم تتباين من طرف لآخر، لذلك من الخطأ استفزازهم بالتلويح بالقوة، فليس اكثر من هذا الهابا للحماسة وشعورا بالتحدي، وهذا ان لم يُصعد الازمة ويعجّل باشتعالها، فأنه يغرز أنياب الكراهية في قلوبهم ضد العرب الذين يكنون لهم المحبة والاخوة، ويرتبطون معهم بتاريخ مشترك طويل .
ويكمن حق بغداد في أن الحفاظ على وحدة الوطن منجز ما بعده منجز في عصر الخطوب، ولا يقبل أحد الصاق عار تقسيم العراق بتاريخه افرادا كانوا ام جماعات ام طوائف، وترى بغداد في التقسيم تفريطا بمكون لا يستهان بأدواره في العراق، وان اختلاف الرؤى مع اربيل لا يرقى الى مستوى التقسيم، وان ما حصل عليه الاكراد في النظام الجديد ليس بالقليل، فهم شركاء في مختلف مرافق الدولة صغيرها وكبيرها، وان مطالبتهم بالاستفتاء الذي يراد به ايجاد قاعدة شرعية للانفصال جاءت في وقت لم تتعاف فيه بغداد بعد، فما زال الوهن يدب في جسدها بفعل الارهاب والفساد وقصار النظر، وطريقة لي الذراع ليس من أخلاق الفرسان،فما بالك بالذي يصف نفسه شريكا؟.
ان العبادي والمالكي ومن ركب الأزمة أغلقوا الباب والنوافذ أمام حلم الاكراد بالانفصال حاضرا ومستقبلا، والاكراد ليس أمامهم لمواجهة حالة التحدي التي وضعوا فيها سوى تعبئة الجماهير والاستعداد لجميع الاحتمالات، ما يجعل الازمة قابلة للاشتعال بأية شرارة مقصودة ام غير مقصودة، وقد تأتي الشرارة من أطراف تستهويها أزمات العراق للامعان في اضعافه وتمزيق نسيج العلاقة بين الشعب العراقي بكرده وعربه، كما مزق النسيج بين الشيعة والسنة، وبالمحصلة يكون التقسيم أمرا واقعا.
نأمل باخماد الأزمة ليس بترحيلها كما رُحلت في أوقات سابقة عندما فضّلت أطراف الأزمة مصالحها في الوصول الى السلطة على حسم ملفات تهدد مصير البلاد، فما نحن فيه من ويلات لم يكن الا نتيجة توظيف الملفات سياسيا، للفوز بهذا المنصب او ذاك، ولاسيما تلك التي تعرف الاحزاب خزائنها الثرية.
وألا يبحث طرفا الازمة عن الأمجاد الشخصية سواء في تحقيق الحلم الكردي ام التصدي ببسالة للمطالبين به، وعدم الاستقواء بالمواقف الدولية السرية منها والعلنية على حساب تداعيات الأزمة المحتملة وما تخلفه من كوارث انسانية، فليس من الحكمة أن تبدأ الأزمة بأعلى السقوف، بل يجب اعتماد البدائل المرنة وبشكل تدريجي، فمن شأن ذلك، التخفيف من حدتها وتذويبها بأقل الضغائن التي يتوقع ان تخلفها في النفوس، فأعقد الأزمات تلك التي يكون فيها الجميع على حق .
ديالى























