التشكيلي إياد أل عبار يتحدث لـ الزمان عن رفقته مع سلفادور دالي وآخر أيام بيكاسو
روضت الغربة وصنعت منها خوذتي ولوحتي
تعلمت الكثير من دالي برغم انه كان يرفض أن يتكلم معي عن الفلسفة
حاوره مروان ياسين الدليمي
إياد العبّار شاعر ورسام واكاديمي عراقي الاصل يقيم في ايطاليا منذ اربعة عقود ويُدرِّس في جامعاتها.. مدينته الموصل التي يقول عنها عشيقتي في السراء والضراء غادرها في مطلع العقد السابع من القرن العشرين ولم يعد إليها رغم انه مايزال يحلم بدجلة والفرات كلما وضع رأسه على الوسادة كل ليلة. العبَّار غادر العراق عابراً البحار والمحيطات بحثاً عن المعرفة في مجهول الازمنة والامكنة البعيدة ، حاملاً حقيبته على ظهره وهويشيح بوجهه للحرائق التي بدأ يستشعر انها قد امست قريبة وستأتي ، متجها الى مصر ، ليدرس فيها ومن ثم لينتقل الى ايطاليا ليكمل دراسته العليا للفن هناك وليبقى فيها حتى هذه الساعة.
أقام العبار معارض شخصية لأعماله الفنية من رسم ونحت في جميع أنحاء أوربا، بعض منها تتواجد في متحف الفنون للفن المعاصر في نيويورك، وكذلك في اليابان وأيطاليا وفرنسا وإسبانيا وألمانيا ، أكثرمحاضراته عن الفن والأدب والدين والفلسفة تم نشرها في معظم المجلات والصحف الاوربية وفي دور النشر الأكاديمية التابعة لمختلف الجامعات، كمانشرالعديد من نتاجاته في دور النشر الاوربية ، من قصص ودواوين شعرية ودراسات، ايضا له مسرحية شعرية بعنوان الشيخ والفنار كانت قد نشرت في إيطاليا باللغة العربية والإيطالية. كما أعاد كتابة ملحمة جلجامش شعراً وكلفه ذلك ثماني سنوات من عمره ، وله ايضا مجموعات من القصائد والقصص التي نشرت في صحف ومجلات اوربية وعربية منها
الحصار ـ قصة ـ باللغة الإيطالية 1991ـ دار النشر ـ الا َّديو ـ
الفريسة ـ قصة ـ باللغة الإيطالية 2001 ـ دار النشرـ جانكارلو دزدِّي ـ
جروح في قلب الزمان ـ مجموعة شعرية ـ باللغة العربية والإيطالية 2002 ـ دار النشر ـ آنـَنـْكي ـ .
الزمان التقت بالشاعر والفنان التشكيلي المغترب إياد العبار واجرت معه هذا الحوار. . بعد هذا الابحار الطويل في سفر الحياة، والشعر، والرسم ، متنقلاً مابين مدن وقارات تفصلها ازمنة وحضارات ، من انت؟
قبل أن أجيب على أسئلتك، أود أن أشكرك على هذا الإهتمام وعلى هذا الإطراء. لقد أيقظت فيَّ ما كان قد سَبَتَ منذ حين طويل. شكراً جزيلاً يا أخي مروان.. من انا؟ ليس غريبا عليّ هذا السؤال، وإجابتي الصادقة والصادقة جداً هي أنني لا أعرف. كل ما أعرفه هو أنني كنت قد بدأت ولم أنتهي بعد. بدأت بالعلم والدراسة ولمَّا أنتهي. كنت أُلاحِقُ ولاأزال كل ما يشدّني إلى المعرفة. إيماني الوحيد هو أن الخلاص يكمن في المعرفة والمعرفة لها قوانين ومقامات الصبر والعزيمة، الطاقة الكبيرة من التحمل والإصرار، الإنفعال والغضب واحتراق الأعصاب، الفرح والحزن، الكراهية والأنحباس في عوالم الشوق وأغلال التتيم حتى النخاع، تواصل الرحيل فكريا، أخلاقيا وجسديا من مقامة إلى أخرى ومن فكر إلى آخر حتى تترابط وتتسلسل الدرب دون انقطاع ودون توقف، كل ذلك يتوجب العشق والحب وهذان لن يكونا بدون ألم ومعانات وشعور بشيئ من الجوع والبرد والخوف، بالكثير من الألم والحرمان والحاجة، العيش على مبدأ الخسران أنت تخسر كي تحصل وأنت تحصل كي تكبر وتكبر كي تستعيد ما خسرته بطريقة أو أخرى. لم يبق مكاناً على الكرة الأرضية إلاّ وزرته إلا َّّ نيفاً، لم يبق فكراً إلاّ ودخلته مهما كان الثمن ومهما كانت الوسيلة. الإيمان بالمعرفة هو الإيمان بالله. والإيمان بالله يُؤكّد لك بأنك لا تعرف نفسك إلاّ إذا اتَّخذت المعرفة طريقا لك.. أنا كنت في كل الجوامع والمعابد في كل أنحاء العالم وكان السؤال هو هو…. أتعرف نفسك؟ وهل عرفت أنا نفسي؟ إذاً أعيد السؤال مِن جديد هل عرفت مَنْ أنتَ؟
رافقت لفترة ما الفنان سلفادور دالي في مشغله الفني، كيف توصلت الى هذه الرفقة مع دالي وكيف وجدتها. نريد ان تطلعنا عن تفاصيل العلاقة مع هذا الاسم الكبير؟
كنت، في مدينة فلورنسا، طالبا في أكاديمية الـ سينيوريـَّة للفنون الجميلة، في السنة الثانية، في السنة الأكاديمية 1974ـ 1975، كنت تحت زخم الإمتحان للنصف الأول من البرنامج الأكاديمي للرسم والنحت، كنت قد توقفت عن العمل، عن الرسم، وذلك لأنه كان قد سُمِحَ لي لأخذ ساعة من الوقت للغداء. ذهبت الى مطعم الطلبة وكالعادة أخذت صينية ووضعت عليها اطباق الطعام والشراب الذين اخترتهم وجلست الى جانب احد رفاقي في الأكاديمية لآكل. على حين صادف نظري دخول بعض أساتذتي ومعهم رجل لا أعرفه، كان أشهب الرأس واللحية، ذو وجه أسمر تميل تعابيره الى الحزن الذي كان يكاد يخفيه. كانوا متوجهين إلى حيث كنت جالسا. إقترَبوا وسلموا، نهضت، أردفت على السلام. قال أحد أساتذتي، أقدَّمُ لك الشاعر الإسباني الكبير رافئيل ألبيرتي نهضتُ أسلم، قال ألبيرتي أنا اليوم بدأت زيارتي لأكاديميتكم العظيمة ودخلت أزور أكثر أنحائها، وصدفة، كنت قد دخلت المرسم الذي تعملون فيه لأجل الإمتحان ورأيت أعمالكم، أعجبتني لوحتـَكَ كثيرا، بل أدهشتني وأنا أُهَنـِّئـُكَ على هذا العمل الرائع شكرته كثيرا، قال إني ذاهب إلى باريس بعد ثلاثة أيام لزيارة صديقي بيكاسو لأنني سمعت أنه مريضا وأريد أن أطمئن نفسي عليه فهل تأتي معي؟ قلت بلى بكل بهجة وشرف، قال إذاً، ألقاك ونسافر سوية، قلت نعم جلس ألبيرتي وأحد أساتذتي يأكلان معي. وكان الحديث إيـَّاه ـ الشعر والأدب والفن والفلسفة حتى إذا جاءني النداء إلى المرسم، إلى المرسم يا آل عبـَّار وإلاّ سترسب في الإمتحان كنا أنا وألبيرتي في باريس. دخلنا غرفة بيكاسو، رأيته طريح الفراش، كان قد انتهى توا من أخذ فطوره ودواءه. وكان حديثا طويلا كلمات بالفرنسية وأخرى بالإيطالية وأخرى بالإسبانية وأخرى بالإنكليزية وأخرى أيضا بالعربية قال لي بيكاسو لقد سمعت عنك، قصائدك وكتاباتك ولوحاتك تنبع من نور أنا كنت قد عرفته ورأيت صورا لبعض أعمالك، أنا أهنئك، أنت شاب ذا موهبة، ليكن الله بعونك بعد أيام قليلة رحل بيكاسو الى العالم الآخر وكانت جنازة رائعة بقيت في ذهني حتى اليوم. أنا و ألبيرتي ذهبنا الى إسبانيا والتقيت بـ دالي، وكانت سيرتي معه صحبة وعداوة، إذ أنه كان رجلا نرجسيَّ الطباع، متكبَّـرا على الآخرين ومكروها من قبل مجموعة السرياليين عامةّ. حدثٌ وخطبٌ سيئ وثقيل كان قد صار بينه وبين الآخرين الى جانب تكبـُّره عليهم. كان قد هرب هو وخطيبة الشاعر الفرنسي بول إلـْوار ـ كانت روسية الأصل ونبيلة من نبلاء الروس ـ كان إسمها لاَهْ Galêh . في مرسم دالي كنا نتباد الآراء ونحن نعمل نرسم، حول الكثير من المواضيع عن الفن عامة وعلم النفس وخصوصا عن فرويد والأدب والفن الكلاسيكي والمعاصر، ولكنه كان يرفض أن يتكلم معي عن الفلسفة تعلمت منه الكثير ولو أننا لم نكن نتفق على الكثير من القضايا، كان يقول لاأحداً بعدي . كان أكثر حديثنا ينتهي بعبارات كهذه إبقَ أنت وتعجرفك هذا، لا تنسى بانني أنا الأعظم ، إذهب إلى الجحيم، أنا لا أوافقك بهذا الرأي، أنت لاتدري شيئا… أنت وإستمناءُكَ الفكري هذا سوف تلقى نهاية عسيرة وهكذا. كلما افترقنا إزدادت صداقتنا عمقا وكلما التقينا تبدأ مفارقاتنا لعبتها الأولى معه تعرفت على الكثير من الأُدباء والفنانين والمخرجين السينمائين والممثلين. دالي، وبعد موت لاه كان قد ذهب هو الآخر ولو فكرياً ونفسيا فقط ، إن العشر سنوات التي كانت قد بقيت له من حياته كان يعيشها وهو أشبه بالحي الميت دالي كان صديقا ومعلـِّماً عبقريا.
الاغتراب
عشت الشطر الاعظم من عمرك مُغترِباً. مالذي تركته فيك هذه التجربة؟ ماذا اضافت لك؟ وماذا اخذت منك؟
الغنى في الغربة وطن والفقر في وطن غربة الغنى والفقر ليس بمعنيهما المادي فقط ولكن هما أيضاً بالمعنى الكوني أي الروحي والفكري والأخلاقي. الإغتراب هوالمادة الحية التى تعطي وتأخذ وهو القدر الذي يلاحق الإنسان منذ تواجده على هذه الإرض. الغربة يمكنها أن تسحق وتـُبيد ويمكنها أن تـُعطي وتـُثمر، الغربة هي تلك الغولة المخيفة القاسية التي لا ترحم والتي يمكنها هكذا بلحظة أن تمحيك وتجعل منك نسيا منسيا. وهي، إذا ما رُوِّضَتْ وأُخْضِعَتْ تـُعطيك الكثير جامعة تلو أخرى وإمتحان تلو الآخر ودراسة تتبع أخرى والفقر والحاجة هما أمهات الإختراع والإبداع. تراني أستعير كتابا إذا لم أكن قادراً على شرائه وبعد أن أنتهي منه، أعيده شاكرا وممتنا. تراني أشتري القليل القليل من الألوان والفِرَش والقماش، أشتري إزميلاَ و مِطرقة مُسْتـَعـْمَلـَيْن وحجارة لها قيمة رخيصة جدا، ثم أبدأ العمل. أنجح في الإمتحان وأرسمُ لوحة ذات مستوى فنـِّي عالٍ وأنحتُ تمثالاً يجعل الرَّائي عاشقا. أبيع اللوحة والتمثال مختومين بإسمي وألقي محاضرة وأُكْرَمُ عليها لأني كنت قد أجدتُّ بدراستي وصُنعي وفنـِّي وأجلس في إحدى مقاهي فلورنسا أو باريس أو مدريد أو أي مدينة أخرى، آكل لفـَّة ًمن الخبز والجبنة وأشرب كأسا من النبيذ وقهوة حلوة، أدخن سيجارة وأكتب، أقرأ وأرسم بقطعة من الفحم أو قلم من الرصاص مايمر أمام عيني، ومن ثم أسافر عائدا إلى الوطن في سفري هذا أرى وأسمع وأُحِس ُ بما لم تره عين ولم تسمعه أذن ولا خطر ببال بشر تبزغ الكلمات وتـُولدُ أمهات الألباب وتـُطحَنُ الجُمَلُ والعبارات وتخرج ذوات السحر فتسحرن وتعزفن ألحانا من الضياع والشرود، من الموت والخلود من العطش والجفاف، من الضمأ والإشتياق، من الحب والحزن، من العشق والحرمان، تولد عروس البحر أو راعية الغنم في واحة الصحراء أوفي وادي الجبل، تولد نادلة المقهى أو عاملة في المصنع، تولد الغجرية أو الأميرة، الأخت والأخ والأُم والصديق الذين هم في منفى منفايَ، يولد كل شيء ومن ثم يختفي كل شيء أظلُّ وسيجارتي حتى غروب الشمس. أعود الى منزلي… أحتضن الكحل والحنـَّاء، أضع رأسي على وسادتي وأحلم بدجلة والفرات هذا مثال بسيط لما تركته في وجودي الغربة. الغربة روّضتـُها وصنعت منها خوذتي وسيفي ودرعي وهي أعطتني فرساَ عربية أصيلة، أتـَتْ بها من وادي الرَّافدين فكنت ذلك الفارس العربي الذي لا يهدأ ولا يستكين. هذا ما تركته فيَّ الغربة.. في أواخر دراستي وأنا أقدِّم أطروحتي عن الحلا ّج مقارناً فكره بفكر فريدريك نيتشه، كان علي أن أجتاز أمتحان من الإمتحانات المقررة الأخيرة، إمتحان صعب جدا وهو تاريخ الفكر الإنساني الفلسفي العلمي لمؤلـِّفِه لودفيك جايموناهStoria del pensiero filosofico scientifico _ Ludovico Geymonat، الكتاب مؤلف من تسعة أجزاء، كل جزء مختص بمرحلة وعصر، من بداية التاريخ إلى يومنا هذا إلى جانب ذلك كان مطلوبا مني أن أقدم للإمتحان الأعمال الكاملة لفيلسوفيْن حسب إختياري، وكنت قد إخترت الفيلسوف الإنكليزي دافيد هيوم والفيلسوف الألماني عمَّانوئيل كنت، فكان ممَّا يجب عليَّ تقديمه للإمتحان مالا يقل عن 37ألف صفحة
كنت أرسم وأنحت وأدرس بصيغة مترادفة ومتوالية. في الإمتحان كان السؤال الأول، قال أحد أساتذة لجنة الإمتحان حدِّثنا عن مفهوم الجوه وذلك إبتداءً من آرسطوطاليس وحتى سبينوزا أي بمعنى آخر مفهوم هذه الكلمة عند كل مفكر وفيلسوف عبر التاريخ إبتداءً من آرسطو إلى سبينوزا وهذا يعني سرد كل ما يتعلق بهذه الكلمة خلال أكثر من ألفي عام . بدأت الجواب مرورا بالفلسفة العبرية والمسيحية والعربية الإسلامية حتى انتهيت إلى فكر سبينوزا. مرَّ على حديثي هذا أكثر من ساعتين وأساتذتي أمامي مبهورون بقوة ذاكرتي وسُداد جوابي. قال رئيس لجنة الإمتحان يا بني، أشفيت غليلنا من هؤلاء خذ هذه هي علامة نجاحك 30 من 30 إمتياز وليباركك الله.. عدت إلى منزلي، أكلت القليل وشربت أكثر ثـُمَّ احتضنت الكحل والحنَّاء ووضعت رأسي على الوسادة وأنا أحلم بدجلة والفرات هذا مثال عمَّا أضافت إليََّّ الغربة.. أذكر أنني بعد أن ألقيت محاضرتي عن الفلسفة التنويرية La filosofia dell’illuminismo في القاعة الكبرى لإحدى الجامعات في مدينة فيينـَّا، سألني أحدهم فيماإذا أستطيع أن أوضِّحَ بلغة سَلِسَةٍ النظرية النسبية لألبيرت آينشتاين. إجابتي، عند نهايتها جعلت الجمهور يُصفـِّق ويُصفـِّر . سألَني آخر يا أستاذ، وأنت على كل هذا من العلم أتـَستطيع أن تـُجيبَ على سؤالي… ولو أنني أعتقد أنـَّه محرجا… ماهي الرُّوح؟ . الصمت كان يُطبق على القاعة كلـِّها وكاد يخنِقني… أجبت الروحُ هي من عند ربـَي وأنا لا أدري ما هي، فلاسفة الفكر التنويري يقولون بأنـَها طاقة الحياة ولكن ماهذه الطاقة، ما كنهها، هل هي طاقة كهربائية أم أنها نووية أم غير ذلك؟ أنا لا أدري إلا َّ ما علـَّمني ربـِّي.. عدت إلى منزلي، لم آكل ولم أشرب، لكنني احتضنت الكحل والحنـَّاء وألقيت رأسي على الوسادة مشاركا بكاء دجلة والفرات.
نفس الطريق
هذا مثال آخر عمَّا أخذته منـِّي تجربة الغربة.. في تلك السنين وأنا طالب في أكاديمية الفنون في فلورنسا، كان بعض الأساتذة يطلبون منا الخروج والعمل، الرسم، في الخارج. كنت أذهب إلى ضواحي المدينة وأرسم بعضا من مناضر الطبيعة وصادف أن كنت أرسم حصانا وهو يمد برأسه ليأكل من غصن لشجرة عنب، كان أحدهم يراقبني من الخلف وأنا أرسم. قال كم أنت ماهر في الرسم، فقد رسمت رأس الحصان بأقلِّ من دقيقتين قلت لا هذا غير صحيح، أنت نسيت أكثر من خمسة عشر عام وأنا أحاول رسم رأس حصان بأقلِّ من دقيقتين هذا مثال آخر عن الغربة. عدت إلى منزلي وأنا أغني أغنية عراقية شي ولون… شي ولون… توَلَّعْ بالمّحّبـَّهْ وصار مجنونْ… خلْهُمْ ي ولونْ إحتضنت الكحل والحنـَّاء وشيئاً فشيئاً أغمضت عينيَّ ورأسي على الوسادة أحلم بدجلة والفرات.
لو عدت الى الوراء اربعة عقود هل كنت ستختار نفس الطريق الذي سلكته؟
نعم، بكلِّ تأكيد كنت سأختار نفس الطريق الذي سلكته بكل ما كان وصار، بل أنه بودي لو أضفت إليه، وسَّعته، طوَّلته، عمَّقته أكثر وأكثر وأكثر.
حياتك حافلة بالتنقل والاسفار والتجارب ، هل من محطات معينة كان لها تأثير عميق واساسي في رسم مسارك الانساني والابداعي؟
نعم، هناك محطات جغرافية ـ مكانية منها الموصل، هي عشيقتي في الجهر والخفاء، في اليسر والضرَّاء، كانت قد سُمَّيَت زوجة لآخر، لكنني خطفتها ورحلت روما وفلورنسا وفينيتسيا وباريس و بيتر بور و Pietroburgo) و مدريد وبرشلونة…و…و…وهناك محطات فكرية الحضارات القديمةـالسومرية، البابليةالآشورية، المصرية القديمة، الإغريقية واللاتينية، الحضارات الشرقية اليابانية ـ الصينية ـ الهندية، المكسيكية المايا وأميركا الجنوبية، حضارات أميريكا الشمالية ألاسكا والهنود الحمر، الفكر الإجتماعي ـ الحضاري ـ الأنثروبولوجي الإفريقي، حضارة أوربا القديمة والحديثة المعاصرة… الفكر العربي الإسلامي والمسيحي والعبري… من كل هؤلاء ومن غيرهم أخذت الكثير ولم أشبع بعد ولم أرتوي. هناك إتجاهات متعددة للفكر الغربي معاصرة وحديثة منها في الفن الفن الشعبي ـ ال و آرت Pop arte الفن الفضائيL’arte spaziale والتوب آرتTop arte. ..إلخ، هذه الحركات الفنية وغيرها الكثير كانت بداياتها في الستينات حيث أنها جاءت بعد الدادائية والمستقبلية والتكعيبية والسريالية وهذه الأخيرة كانت في بدايات القرن الماضي. حركات فنية تشكيلية إلا َّ أنـَّها كانت تتعدى ذلك الى الأدب والفكر عامة، حركات فنية تولد صباحا وتموت مساء الشعر في الغرب وصل إلى الحضيض بشكله ومضمونه إلا َّ القليل منه. القصة والروايا مازالتا تحتلاَّن القسم الأوسع والأعلى في الأدب الغربي. السينما والمسرح في سقوط رهيب في أوربا بعد أن خضع الإعلام كله تحت ثقل الإنتاج الأميريكي المادي المبتذل. الفكر الفلسفي يحاول النهوض وذلك عن طريق الإتجاه المعاصر الحديث للفيلسوف الألماني هانز جورج اديميرHans Georg Gadamer وهي فلسفة الإرمَنِيْوتِكهْ Ermemeutica وهو إسم مأخوذ من إسم إله البريد واللصوص إيرمسErmes في الميثولوجيا الإغريقية القديمة أو ميركوريوسMercurios في الميثولوجيا اللاتينية، وكان هذا الإسم يستعمل للإشارة إلى الفلسفة التفسيرية ـ الترجمية للكتب المقدَّسة في العصور الوسطى، أخذه اديمير ليوسع رقعة معناه إلى أنَّ كل تفسير ترجمي أو ترجمة تفسيرية لأيِّ موضوع أو كتاب أوأيِّ عمل هي بحد ذاتها موضوع آخر لا يمت بصلة قط إلى الموضوع الأول إيـَّاه . الفكر الغربي عامة يتخبط مابين المادية الإستهلاكية البراجماتية Pragmatism وهي الفلسفة الذرائعية التي تقوم على الإستشراف العملي المادي للأُمور والمشكلات. .منذ البداية في حلـِّي وترحالي كنت قد اتخذت منهجا معيناً أعمل به ولاأزال يقول أفلاطون الحياة مقياس وحساب، إذا خرجت عنهما فإنـَّك الخاسر. ثمانية أشهر من الدأب بالدراسة وأداء الإمتحانات والتدريس والمحاضرات والعمل للحصول على مايكفي، شهر للراحة والتحضير للسنة القادمة وثلاثة أشهر للسفر والرحيل. نعم السفر والتأمل والتفكير العميق والكتابة.
بعد محاضرة ألقيتها في جامعة روما لاسبيينسهْLa Sapienza
عن مفهوم التخصص في مجال معين من العلم ما بعد الشهادة التي يحوز عليها الدارس، سألني أحدهم، قال من أنت؟ شاعر، رسام، نحات، أديب، كاتب، فيلسوف، عالم فزياء كمِّيَّة أم ماذا؟ أجبت أنا كل هؤلاء وغيرهم ولستُ أحدا منهم التخصص له إيجابياته وسلبياته، فمن جهة يجعل الدارس قد توصَّل إلى أعلى درجة من المعرفة في حدود تخصصه ومن جهة أخرى يجعله أكثر جهلاً بما يحيطه من العلم والمعرفة. كل أدب وفكر قرأته لأيِّ أمَّة لاشكَّ وأنـَّه قد ترك بصمة وتأثيرا في مساري هذا، مع ذلك لم أتـَّخذ عظيما ما بعينه من العظماء كمثال أعلى لي أو أنني اتخذت فكراً معينا أو إيديولوجية بحد ذاتها. الكل له دوره في بناء هذا الوجود الذي يحتويني. أنا أُسَمِّي ميكل آنجلو الجد وليوناردو الجد الآخر و سقراط الأب الكبيروآرسطو المعلم الأول وإبن رشد المعلم الثاني وغيرهم الكثير الكثير ممن أحتذي بهم وأحتسي مما تركوه لكل الإنسانية. كل أديب، شاعر، فنان، عالم وفيلسوف من أيِّ أمة كان ومن أيِّ عصر، ليس إلا َّ مرشدا ومعلما ورفيق درب أتبادل معه مما في وجداني وأتعلم منه أكثر مما يتصور هو بنفسه. لم أتبع سياسة أو سياسياً أو رجل دين، من أيِّ جهة كان. أنا أعتبر السياسيين ورجال الدين هم مَنْ يهدمون الحضارة والإنسانية ستقول لي ولكن هؤلاء هم يشكلون العمود الفقري للمجتمع بتعاملهم مع الشعوب لإيجاد الطريقة المثلى للسعادة والرفاهية وأنا أقول هو كذلك ولكن السياسي أورجل الدين، يبدأ بذاته وما يفيدها ثم يتجه الى الآخرهذا إذا ما قرَّر الإتجاه إليه ـ هذا ما يحدث عادة ـ بالضبط على عكس العالم والفيلسوف والفنان والأديب. أخلاقية السياسي ورجل الدين هي أخلاقية شخصية ذاتية يبدأ بها فكره وينتهي بها ولا يبتعد عن ذلك ولو بخطوة واحدة، إنـَّه لا يرى أبعد من أرنبة أنفه شيئاً على الإطلاق ذلك كي يحوزعلى السلطة والقوة التي يحكم بها. مهما يكن حكمه، سلبيا أم إيجابيا، دكتاتوريا أم ديمقراطيا سيكون ذا طابع خاص وشخصي متحيز ليس إلا َّ. لذلك تراني ومنذ شبابي لم أتبع حزبا أو سياسة. أنا مسلم، أأمنُ بالله الواحد ونبيـِّه محمد صلعم، أأمن بالأنبياء والأولياء من قبله، أحترم كل مذهب وكل دين يحترم إيماني هذا.
من يقرأ اخر ماكتبته من نصوص عام 2012 يجد ان العبار مازال ينهل من هذه الاجواء الملحمية التي تحتشد في تربة العراق والجزيرة العربية. مالذي يجعل هذه العلاقة متسمة بهذه القوة وهذا التلازم؟.
نعم، هو كذلك. والحديث ذو شجون . كنت في الصف الأول الثانوي وبدأت من هناك. إشتريت كتاباً مستعملاً العروض مبسطا لحسن دندشي بمئتي فلس درجة النجاح في إمتحان مادة ما كانت 100من 100 وكنت أحصل على 40 من 40 في الإنشاء و3 من 30 في النحو 14من 15 بالإملاء و15 من 15 في حفظ النصوص الأدبية، فتكون درجتي النهائية في اللغة العربية 72 من 100 . دخلت الإعدادية ـ القسم العلمي ـ كنت أحب الجبر والرياضيات والفيزياء. .إلخ، إلى أن إلتقيت بالأستاذ يونس والأستاذ ذوالنون الإطرقجي. كنت أريهم ما كتبت والجواب كان أن العروض جيد والنحو مكسور بصيغة شنيعة علـَّموني ومن ثم أكملت في جامعة عين شمس في القاهرة ـ كنت أدرس النحو العربي في الأزهر على يد الأستاذ شحاته الطنطاوي والذي كان كل مايعرفه من الحياة شيئين فقط لا غير النحو العربي والفقه الإسلامي وصلت إلى أن تكون أطروحتي للتخرج هي التفسير والتعليق على ألفيـَّة إبن مالك ومقارنة أراء سيبويه بما يعللونه الكوفيون في النحو مثل الكسائي و المبرّد. خلال تلك الحقبة كنت أدرس، أحفظ، أتعلم وأخزن الكثير في كل مكان يناسب في سراديب الفكر، في غرف القلب الأربعة، في الصدر وبين الأضلاع، في الأحشاء وفي الشرايين حتى أنني كنت قد أُتـُّهِمتُ بالشره والطفيلية ـ كل التاريخ والفلسفة والأدب العربي وإلى يومنا هذا، لم يفتني شيئ إلا َّ ما شاء الله ـ، كنت قد حفرته في كياني ـ. الميثولوجيا هي هوية وجنسية لكل حضارة، هي ذلك النبيذ المُعَتـَّق وتلك النكهة التي تعطي إسماً وشكلاً وجسماً لكل الوجود، تمنح الرائحة الزكية والزي الرسمي والتقليدي، تهب جماليات الزمان والمكان والسببية للزهو والشرف وكل قيم الوجود وميتافيزيقيته. كل هذا يجعلني أستشف وجودي، المفعم بالفرحة والحزن وأرسم أبعاده الثلاثة باحثاً عن البعد الرابع، من الأُسطورة
/5/2012 Issue 4206 – Date 22 Azzaman International Newspape
جريدة الزمان الدولية العدد 4206 التاريخ 22»5»2012
AZP09























