البلطجة الثقافية
إدريس جنداري
هي، في الحقيقة، لا تعدو أن تكون ثمارا ناضجة لسيرورة إعادة الإنتاج، التي مارستها الأنظمة الاستبدادية الفاسدة، في علاقة بالتعليم والمنظومة الثقافية والدينية عموما، هذه المجالات التي أصبحت محفوظة الحقوق للدولة»النظام، وظيفتها الأساسية إعادة إنتاج النخب التي تتلاءم والنسق الإيديولوجي والاقتصادي والاجتماعي السائد.
مع بزوغ فجر الربيع الديمقراطي العربي، خرجت علينا أصوات، من المشرق والمغرب، كان همها المشترك هو محاولة وأد الجنين الثوري قبل أن يستوي سوقه، لكن، المثير في الأمر هو الهوية الرمزية المشتركة بين هذه الأصوات، باعتبارها تنتمي إلى فئة المثقفين الذين اعتقدنا فيهم، خطأ طبعا، أهليتهم لمواجهة الاستبداد والفساد نيابة عن الفئات الشعبية المقهورة.
لكن، ما لم نعِه، في زحمة الحماس والوثوقية المطلقة في قدرة الفعل الثقافي على التغيير، هو كون هذه الفئة من المثقفين ترتبط بمصالح متشابكة مع الأنظمة الحاكمة، وهي تمتلك في رصيدها عقودا من التوافق، الإيديولوجي والاقتصادي، مع هذه الأنظمة، لدرجة أن تحول هذا التوافق إلى تواطؤ مشبوه بين الطرفين، يقوم على أساس تبادل المصالح المادية والرمزية، على حساب الفئات الشعبية الهشة والمقهورة.
إن هذه الفئة، التي حملناها لعقود مسؤولية المساهمة في التغيير
ولعل، هذا هو ما أثبته الباحث الأمريكي جون ووتر بيري الذي ركز، في تحليله لدور المثقفين في التحول الديمقراتطي، على مجموعة من الخصائص، الفريدة من نوعها، التي تميز فئة المثقفين في العالم العربي، هذه الخصائص التي تعتبر عائقا أساسيا، يعرقل أي شكل من أشكال التحول نحو الديمقراطية.
أول هذه الخصائص، وجود نسبة كبيرة من الطبقات الوسطى، تعتمد اعتمادا مباشرا على الدولة أو تستخدم من قبلها. وهذا الاعتماد الكامل على الدولة في غياب روح المبادرة الخاصة، هو الذي يرسخ تلك الصورة الباترياركية للدولة، باعتبارها الأب المعيل، في النموذج الاجتماعي القديم، هذا الأب الذي يمتلك سلطة مطلقة في علاقته بمن يعيل، وبالتالي فهو ينظر إلى محيطه كنسخة مطابقة له، حيث يستمر الأب في جبة الأبناء، هؤلاء الذين يتميزون بالوفاء، ويعملون على حفظ ذاكرة الأب المعيل من خلال المحافظة على تراثه المادي والرمزي.
وهذه الخاصية تنتج خاصية أخرى تعتبر امتدادا للأولى، حيث إن العلاقة الأبوية هاته، باعتبارها مدخلا بضم الميم INPUT تعطينا مخرجا بضم الميم OUTPUT يتمثل، في طبيعة مثقفي الشرق الأوسط العالم العربي عامة هؤلاء الذين يعتبرهم ووتر بيري مثقفي الدولة، يحملون هويتها الإيديولوجية ويدافعون عن مصالحها الاقتصادية، وأي مساس بالدولة النظام الحاكم هو في نفس الآن مساس بقدسية المثقف الذي يفقد أعصابه حين يفكر في فقدان مصالحه، ولذلك يخرج من جحره الثقافي مولولا، بعد طول غياب، مهددا الجموع المقتحمة لخدر سيده، بمصير سوداوي قاتم، يسيطر فيه السلفيون وتختلط السلطة الدينية بالسلطة السياسية بعد طول فصل بينهما. إن حالة الاستنفار التي يعيشها بعض المثقفين في العالم العربي اليوم، في مواجهة الإرادة الشعبية الزاحفة على معاقل السلطة والنفوذ، لا يمكن تفسيرها، في الحقيقة، إلا في علاقة بهذا الدور المشبوه الذي قام به مثقف النظام لعقود، دور حماية مصالحه الخاصة، من خلال شرعنة الاستبداد والفساد ثقافيا، وذلك لأن علاقة المثقف بالدولة في العالم العربي، حسب ووتر بيري، تتجاوز موضوع المكافآت والاستخدام والإجازات المهنية، فتشمل شعورا قويا بالهوية والأهداف المشتركة.
وكنتيجة مباشرة لهذه العلاقات المتشابكة بين بعض المثقفين وبين الأنظمة الاستبدادية الفاسدة، فإن الضغط الإيديولوجي الذي مورس على الشعوب العربية أدى إلى جمود سياسي، كان المستفيد الأول منه هو النظام وأبواقه الإيديولوجية، عبر تبادل المصالح المادية والرمزية بينهما، في ظل نظام اقتصادي ريعي، يربط بين الاستفادة من خيرات الدولة وبين الدفاع عن إيديولوجية ومصالح النظام. لكن، الوضع الجديد الذي فرضه الربيع الديمقراطي العربي، أصبح يهدد هذا المنطق الذي ساد لعقود، لان الإرادة الشعبية التي خرجت من قمقمها أخيرا، لا تميز بين النظام وبين أذنابه، بل الكل سواء في نسج خيوط المؤامرة. ولذلك، يستوي البوليس الأمني بالبوليس الثقافي، كما تستوي الخطط الأمنية الهادفة لإجهاض الجنين الثوري، بالخطط الثقافية التي تهدف إلى زرع الفوبيا من أي تحرك شعبي، بدعوى أنه يفتقد العقلانية والتوازن ويهدد المصالح العليا للوطن.
وهكذا، لا نستغرب حينما نجد شباب الثورة في مصر يضعون قوائم بأسماء فنانين وكتاب وصحفيين، يعتبرون من فلول النظام، ويدافعون عن مصالحهم التي تهددها الثورة عبر الدفاع عن مشروعية النظام الاستبدادي الفاسد. وهؤلاء، منطقيا، لا يختلفون، في مهمتهم القذرة، عن البلطجية الذين ركبوا جمالهم وهاجموا ساحة التحرير. وذلك، لأن بلطجية الثقافة أخطر بكثير، فبعض المثقفين كذلك ركبوا أحصنتهم المتهالكة وحملوا سيوفهم الخشبية، ومارسوا مهمتهم القتالية في الفضاء الجرد، على شاكلة دونكشوط تماما، مع اختلاف، طبعا، في المهمة حيث كانت مع دونكيشوط مهمة نبيلة تستهدف محاربة الظلم وإقامة العدل، لكنها تحولت مع هؤلاء إلى مهمة قذرة تدعم، بشكل لا مشروط، الاستبداد والفساد.
إننا حينما نتحدث عن هؤلاء لا ننكر، في الحقيقة، أنهم يشبهون أشجار كبيرة وارفة الظلال وعميقة الجذور في تخصصاتهم المعرفية، فنحن جيل تربي على كتب هؤلاء، كما تتلمذ على يد الكثير منهم، ونحن نعترف بكل هذا ولسنا ساديين نتلذذ بقتل آبائنا، ولكن يجب أن نفصل بين الكفاءة المعرفية، في علاقة بتخصص معرفي ما، وبين الموقف السياسي الرجعي، الذي هو بمثابة ثمار مسمومة يمررها هؤلاء بين طيات أعمالهم الفكرية والفنية وحواراتهم الصحفية، وهذه الثمار تشكل خطرا كبيرا على مستهلكيها، والواجب يفرض توعية المستهلكين بأن السم محشو في الدسم.
/6/2012 Issue 4220 – Date 7 Azzaman International Newspape
جريدة الزمان الدولية العدد 4220 التاريخ 7»6»2012
AZP07























