لا توجد دولة في العالم صرفت على مستلزماتها الأمنية كما حصل في العراق في خلال العقد الأخير. كما لا توجد دولة لم تقبض نتائج أعمالها سوى مزيد من الدماء كما لم يحدث في دولة أخرى عبر التاريخ.
كان الأمريكان قد كرسوا أفضل ما لديهم من قوات وأجهزة لفرض الخيار الأمني في العراق بوصفه خيار الاستقرار وبنوا أوهامهم المعروفة لتبرير أكاذيب سوّغت للاحتلال. وجاءت الحكومات المتعاقبة في بغداد لتدور في فلك ذلك الخيار الأمني في كلّ صغيرة وكبيرة.
الخيار الأمني أنتج أزمات سياسية ومن ثمَّ أزمات أمنية لا تزال شاخصة في تأثيرها على مفاصل الحياة. ويكفي للدلالة على أنَّ العراق يعيش وضعاً شاذاً في أي تقويم دولي القول إنّه توجد اليوم مفخخة في بغداد وكان قبلها مفخختان وقبلهما عبوات ناسفة واغتيالات وخطف وسوى ذلك لا يعد ولا يحصى.
إذن، متى تكون هناك وقفة جادة لمراجعة هذا الوضع الشاذ بكل معنى الكلمة؟ ما معنى أن يستأثر السياسي بمنصب لا يستطيع أن يحمي شعبه من خلاله إلاّ إذا كان عاجزاً أو مقصراً أو أنه ببساطة ليس شعبه؟ إنّ المكابرة هنا نوع غير ملتبس من الخيانة.
الاعتراف بوجود خلل هائل ولا بدَّ من التصدي لعلاجه فضيلة ستخدم السياسيين في السلطة وتقوي موقفهم في جميع الأمور. أمّا السكوت ورمي المسؤوليات والاتهامات على الآخرين بوصف أن مَنْ ليس معي فهو إرهابي وملفه جاهز فذلك هو الطريق الحتمي نحو الهاوية الكبرى التي لم تأت بعد، لكنَّ العراق بات على مقترباتها، وعند ذلك سوف تختلط الأمور ويتضح حقاً إنه لا توجد عملية سياسية أو ديمقراطية أو سواهما.
المسألة لا تخضع لمطالبات المعتصمين في الأنبار أو نينوى أو ديالى. كونوا صريحين مع أنفسكم، أمّا أن يكون لكم شراكة مع سائر أبناء البلد أو سوف تتجه الأمور نحو تصرف كيفي لن يكون الذين خسروا كلّ شيء خاسرين به هذه المرة، وإنما سيخسر الذين ازدادت أخطاؤهم وثرواتهم وأنانيتهم.
كلّ شيء سيذهب نحو الهباء.. ما دام اللسان يعلن رفض الطائفية والقلب منغمس بها ومخلص لها وعامل من أجلها.
قبل سنة، تعرضت لانتقادات كثيرة حين قلت في هذا المكان إن الأسوأ لم يأت بعد. وهنا اليوم أزيد عن سابق إصرار وترصّد إن الأسوأ قادم لا محالة.
AZP20