الإتجار بالبشر.. تحد كبير يواجه مجتمعنا -زينب فخري

الإتجار بالبشر.. تحد كبير يواجه مجتمعنا -زينب فخري

أكد المركز الإعلامي لمجلس القضاء الاعلى أنَّ بغداد تتصدر المحافظات بحالات جرائم الاتجار بالبشر، وأن هذه الجريمة في العاصمة شكلت 50% من مجموعها في المحافظات.

وذكرت صحيفة (القضاء) الالكترونية الشهرية الصادرة عن مجلس القضاء الأعلى  أنَّ قضاة أرجعوا ازدياد هذه الظاهرة إلى امتهان الاتجار من عصابات تستغل الفتيات والأطفال. وأوضحت إحصائية سنوية يصدرها مجلس القضاء الأعلى أنَّ محاكم العراق سجلت جرائم الاتجار بالبشر في أغلب المحافظات خلال عام 2016 والبالغ عددها ما يقارب 200 جريمة، مبينة أنَّ عدد الذكور الضحايا في بغداد بلغ 91 ضحية أغلبهم أطفال، يقابله 80 ضحية من الإناث، بينما سجلت الإحصائية خلو محافظات النجف وكركوك وديالى والأنبار والبصرة والمثنى من أي دعوى، وتأتي محافظة القادسية بالمرتبة الثانية بينما خلت محافظة بابل من المتاجرين بالبشر الذكور واقتصرت نسبة الضحايا فيها خلال العام الماضي على الإناث فقط.وأمام هذا التقرير الخطير جداً، لابد لنا من وقفة وأسطر معدودة نكتبها بهذا الشأن، ونقول في البدء:

المشرع العراقي

إنَّ المشرع العراقي قد اصدر قانوناً خاصاً بذلك اسماه قانون مكافحة الاتجار بالبشر رقم 28 لسنة 2012 وجاء في الأسباب الموجبة لتشريعه: (مكافحة جريمة الاتجار بالبشر والحدّ من انتشارها وآثارها ومعاقبة مرتكبي هذا الفعل الخطر الذي يهين الكرامة الإنسانية وبغية وضع الآليات التي تكفل مساعدة ضحايا الاتجار بالبشر وتميزها عن غيرها من الجرائم المشابه لها).وعرفت المادة (1 ) من القانون جريمة الاتجار بالبشر كالأتي: (يقصد الاتجار بالبشر لإغراض هذا القانون تجنيد أشخاص أو نقلهم بوساطة التهديد بالقوة أو استعمالها أو غير ذلك من أشكال القسر أو الاختطاف أو الاحتيال أو الخداع أو استغلال السلطة لإعطاء أو تلقي مبالغ مالية أو مزايا لنيل موافقة سلطة أو ولاية على شخص آخر بهدف بيعهم أو استغلالهم في أعمال الدعارة أو الاستغلال الجنسي أو السخرة أو العمل القسري أو الاسترقاق او التسول أو المتاجرة بأعضائهم البشرية أو لإغراض التجارب الطبية).

جريمة منظمة

 ويمثل الاتجار بالبشر شكلا من أشكال الجريمة المنظمة الدولية التي تدرّ مليارات الدولارات وتمثّل الاسترقاق في العصر الحديث سواء كانت بين البلدان أو داخل حدود البلد نفسه.

ويقسم الاتجار بالبشر إلى ثلاثة أنواع رئيسية هي: الاتجار لأغراض السخرة؛ الاتجار للاستغلال الجنسي؛ الاتجار بالأعضاء البشرية.

 وأبدت الأمم المتحدة اهتماما خاصا بقضية الاتجار بالبشر فأصدرت بروتوكول مكافحة الاتجار بالبشر وتبنته الأمم المتحدة في باليرمو في عام 2000 ودخل حيز التنفيذ في 25  كانون الأول 2003  وفي آذار من عام 2003  صادقت عليه 117  دولة و124  طرفاً.وبرزت ظاهرة الاتجار بالبشر بشكل لافت في السنوات الأخيرة بالتزامن مع تردي ظروف العراق وبنتيجة الحروب التي حدثت في فترة النظام السابق. وعند معالجة جريمة الاتجار بالبشر وتفصيلها ينبغي علينا معالجة قانونية الجريمة بوصفها من الجرائم الخطرة التي يعاقب عليها القانون الوطني وينص على تجريمها ومكافحتها، وكذلك معالجة وضع الضحايا الذين وقعت عليهم الجريمة، أي إيجاد وسائل وأسس لحمايتهم وإعادة تأهيلهم بما يحفظ لهم كرامتهم الإنسانية وحقوقهم التي أكد عليها الإعلان العالمي لحقوق الإنسان؛ لأن هاتين الفقرتين في المعالجة تشكلان أسس معالجة ما تعكسه جريمة الاتجار بالبشر وما تتركه من نتائج سلبية على المجتمعات وعلى الضحايا.

واهتماماً من المشرع العراقي في أن يخص مكافحة هذه الظاهرة بقانون يكافحها ويعاقب مرتكبيها، صدر القانون رقم 28 لسنة 2012  قانون مكافحة الاتجار بالبشر) والذي أصبح نافذا، كما أنَّ المادة  66من القانون أو جبت توفير المساعدة المالية للضحايا وتوفير مكان سكن مؤقت لهم وبشكل يتلاءم مع جنسهم وفئاتهم العمرية، وإعادة تأهيلهم من النواحي الاجتماعية والنفسية والبدنية من خلال إنشاء مراكز إيواء وتأهيل متخصصة تابعة لوزراة العمل والشؤون الاجتماعية بموجب نظام خاص لإعادة دمجهم في المجتمع.

ويؤكد المؤلف أكرم عبد الرزاق المشهداني في كتابه (الاتجار بالبشر)، طبعة  2013 أنَّ الاتجار بالبشر أضحى ثالث أكبر تجارة إجرامية في العالم بعد تجارتي المخدرات والسلاح، وهي تشكل بالنسبة لعصابات الإجرام المنظم مخاطر أقل من تجارتي المخدرات والأسلحة، متوقعا أنَّ تتقدم تجارة الأشخاص على تجارة الأسلحة في المستقبل القريب. مشيراً إلى تقارير صادرة عن الأمم المتحدة، ومنظماتها المعنية بمكافحة الجريمة، ومنظمة الشرطة الجنائية الدولية (الأنتربول) كلّها حذرت من تنامي مخاطر الجريمة المنظمة في مجال الإتجار بالبشر وخاصة النساء والأطفال، وفي مجال المتاجرة بالأعضاء البشرية خلال السنوات الأخيرة.

ظروف اقتصادية

كما تحذر هذه التقارير من أنَّ مئات الآلاف من النساء والأطفال والرجال قد دفعتهم الظروف الاقتصادية السيئة والكوارث الطبيعية أو مجرد الرغبة في حياة فضلى ، إلى أن يكونوا محلا للاتجار والاستغلال من أجل الجنس أو السخرة في العمل.

ويسلط المؤلف الضوء على ظاهرة اختطاف الأطفال والمشردين والمجانين، كي تنزع منهم الأعضاء البشرية المطلوبة بعد قتلهم، وتبيع هذه العصابات تلك القطع من أعضاء الجسم بمبالغ خيالية طائلة، كما تقوم بسرقة جثث المحكوم عليهم بالإعدام ولا يوجد من يتسلمها، أو سرقة الجثث بعد دفنها.وتجارة الجنس بالنساء والأطفال عدّها المؤلف من أكثر أنواع التجارة غير المشروعة نموا، حيث هنالك آلاف من النساء والأطفال الذين يتم إغراؤهم يومياً للدخول في عالم تجارة الجنس الدولية أو لأغراض التسول، من خلال وعودهم بالحصول على حياة أفضل وأعمال مربحة خارج أوطانهم أو داخلها.ويربط المؤلف بين التطور العلمي في مجال الطب البشري وإنقاذ بعض المرضى بنقل أو استبدال الأعضاء البشرية للذين يعانون من امراض مزمنة وقاتلة وبين الساعين للاتجار بهذه الأعضاء البشرية من خلال انتزاعها من الأطفال والنساء والرجال المستغلين.

وحذر المؤلف من جرائم الجنس الواقعة على الأطفال عبر شبكة الإنترنت قائلاً: إنَّ السنوات الأخيرة شهدت تزايداً كبيراً في عدد مستخدمي شبكة الإنترنت، ففي نهاية عام 1998م، كانت نسبة  20 بالمئة من أطفال العالم متواجدة على الشبكة، ويعدّ الأطفال المراهقون من أسرع الفئات تزايداً في استخدام الإنترنت، فهناك ما يقارب 45 مليون طفل يستخدمون الإنترنت. ومن المتوقع أن يكون العدد قد ارتفع إلى 77 مليون طفل في هذا العام 2017م. وتقوم شبكات الجرائم المنظمة باستخدام أنماط حديثة للإيقاع بالأطفال المتواجدين على شبكات الإنترنت من خلال:

– إغوائهم عن طريق الاتصال بهم عبر الشبكة بهدف توريطهم في سلوكيات جنسية.

– استخدام الإنترنت لإنتاج وتصنيع وتوزيع الصور الإباحية للأطفال.

– استخدام الإنترنت لعرض الصور الإباحية على الأطفال وبالتالي تشجيعهم على تبادل الصور الإباحية.

– إغواء الأطفال واستغلالهم لأغراض تتعلق بالسياحة الجنسية، السفر بقصد الاشتراك في سلوكيات جنسية للحصول على المكاسب التجارية أو الإشباع الجنسي.

ويُرجع المؤلف أسباب زيادة الطلب على المتاجرة بالنساء والأطفال في الدول الغنية، باعتبارها جزءا من المستوردات الاستهلاكية من البلدان الفقيرة لاسيــــما الوعود بالزواج الوهمية.

ويعزو المؤلف الأسباب التي تؤدي إلى انتشار ظاهرة الاتجار بالبشر إلى: سوء الأوضاع الاقتصادية في كثير من دول العالم، وازدياد النزعة الاستهلاكية الناتجة عن الانفتاح الاقتصادي الذي تمر به مختلف الدول، وتفسخ النظام العائلي وضعف العلاقات والروابط الاجتماعية، مما أدى الى ضعف دور العائلة في تأمين الحماية والرعاية لأطفالها، وازدياد أعداد الأطفال المشردين، وضعف التشريعات القانونية والإجراءات الوقائية لمواجهة هذه الظاهرة، والحروب والكوارث تزيد من تشريد الأسر وتدفع بأبنائها لدخول عالم تجارة الجنس، ومن عوامل استفحال الظاهرة عدم جدية واهتمام بعض الحكومات في مكافحة هذه التجارة غير المشروعة، وذلك للأرباح السهلة والسريعة التي تحققها عائدات الشبكات الإجرامية لتلك النظم، تحت مظلة السياحة الجنسية”، وقلة فرص التأهيل المهني للشباب، لتأهيلهم للأعمال المهنية لتكون مصدر رزق شريف لهم، كذلك تردي الحالة الاجتماعية والاقتصادية للمرأة وخصوصاً في بلدان العالم الثالث.