الأصل الذي فقد ظله والظل الذي فقد أصله
اللغة ليست كائناً حياً إذا كان أهلها أمواتاً
هادي حسن حمودي
الذي حداني لاختيار هذا العنوان أربع ملاحظات
الملاحظة الأولى ما أراه من إهمال شأن اللغة العربية في عموم الوطن العربي باستثناء نشاط في بعض المدارس هنا وهناك بتعويد الطلاب صغار السن على نطق الكلمات العربية بصورة صحيحة، ومحاولة جعل اللغة العربية عادة لديهم. وهي، في مقابل التجهيل المنظم، محاولات خجول.
وليس من عجب في أن يصل حال هذا الإهمال إلى درك أن يكتب على مواقع شبكة المعلومات العنكبوتية مدونون عديدون في مصر بمناسبة الانتخابات الرئاسية مآخذهم على بعض المترشحين بأنهم يضمّنون كلامهم أحيانا تصوروا لغة فصيحة
وبمراجعة المواقع العربية الإلكترونية سنرى الأصل الذي فقد ظله، والظل الذي فقد أصله.
الملاحظة الثانية أتابع، من حين لآخر، البث الفضائي العربي فيما يتعلق بالقرآن الكريم، من تلاوة وشرح وتفسير، بل وحتى خطب الجمعة، فأرى أن بعض الفضائيات تقدم بثها المتلفز والمذاع باللهجة المحكية. حتى بلغ الحال بلجوء بعض خطباء الجمعة إلى تضمين خطبهم كلمات فرنسية حينا، وإنكليزية حينا آخر، من غير وعي منهم، غالبا، نظرا لتعودهم على لغة الأفلام والمسلسلات التي لا أدري لماذا الإصرار على عدم تطويرها إلى لغة تقترب من لغة الحوار في روايات نجيب محفوظ وحتى توفيق الحكيم مثلا، وأمامهم فيلم الرسالة الذي هو أنجح الأفلام العربية بموضوعه وبلغة حوار شخوصه.
وقد كتبتُ رسائل عديدة إلى المفسرين أنفسهم، وإلى وسائل الإعلام هناك، بينت لهم فيها أن الأجدر بهم أن يرتقوا بمستوى السامعين لا أن ينزلوا القرآن من سمو لغته ورفعتها وإعجازها.
وضربت لهم أمثلة مما سمعت، مِمّا لا أحبّ تكراره هنا
ولم يستمع أحد، فتطور الحال، بشكل طبيعي، إلى ما سأذكره في الملاحظة الثالثة.
ونظرا للتعود على اللهجة العامية افتقد أولئك المفسرون المعاني الصحيحة للألفاظ القرآنية، فإذا بهم يرتكبون الخطيئة والإثم في توجيه الناس وجهة غير صحيحة. ولأضرب مثلين عليهما
شيخ يفسر الآية ألم يروا أنا نأتي الأرض ننقصها من أطرافها فيقول بلهجته يعني إيه؟ يعني ربنا بيقول للمؤمنين اقتلوا الكافرين. اقتلوا مين؟ اقتلوا الكافرين وليه بتقتلوهم؟ عشان همّه كافرين.. الخ..
خطيب آخر في بلد آخر يستشهد بقوله، تعالى بقية الله خيرٌ لكم وهي في قوم شعيب الذين كانوا يطفّفون في الميزان، فيقول بقية الله واضحة، شلون بعض الناس يكولون مو واضحة؟ بقية الله همّه العلماء الأعلام إلى زمن الظهور. كل واحد في زمانه بقية الله
والمسألة، هنا، ليست مسألة افتقاد منهج علمي في التفسير فحسب، بل هي مسألة تهييج للفتن، وسواء كانوا يجهلون المعنى الصحيح أم يعرفونه، فهم يستغلون جهل الناس باللغة ومعانيها فيدسّون سمومهم في معسول الكلام.
ولقد استطاعوا أن يوظفوا القرآن الكريم حسب أهوائهم معتمدين على جهل الكثيرين بمعاني اللغة العربية.
وكمثال حيّ على ذلك حوار جرى في برنامج عن أوقاف يصرف ريعها للنشاطات الدينية وهي عبارة عن فيلل وعمارات سكنية في إحدى الدول العربية، أنقل لكم هنا بعض ما جاء في الحوار، لغة معنى
السائل لقد علمت أن كثيرا من المؤجرين لهذا الوقف هم أجانب ومنهم عساكر أجانب، وهم يمارسون فيه حياتهم الخاصة التي فيها محرمات شرعية. فهل يجوز إيجار الوقف لهم؟
المجيب ومالو واحنا مالنا ومالهم؟ ما دام همّه بيدفعوا الإيجار. أنت ما قريتش الآية وكفى الله المؤمنين القتال؟
السائل وحتى لو جاء الإسرائيليون وهم يدخلون الدولة بلا عقبات؟
المجيب ما أنا ألت لك. والآية بتؤول وإن جنحوا للسلم فاجنح لها وهمّ اللي جم عندنا مش أهنا رحنا لهم، ومش أهنا اللي قولنا لهم أجّروا عندنا.
وطبعا قرآ الجيم والقاف بلهجته في الآية وبقية الجواب
والمجيب مطمئن أن الغالبية العظمى من متابعيه لن يُنكروا عليه قوله، فنتيجة سبعين عاما من المسلسلات والأفلام الهابطة موضوعات ولغة، وانهيار المنظومات التعليمية، وافتقاد القدوة الحسنة، لا بد أن يتكون جيل يصدق أن الآيتين المذكورتين تسندان جواب ذلك المجيب
الملاحظة الثالثة دعيت لحضور ندوة خاصة حول القرآن الكريم في مدينة كذا في دولة عربية مسلمة، وكان المدعوون جميعا مسلمين عربا. افتتح منظم الندوة الدكتور ك الجلسة بكلمة بلهجته العامية امتلأت بالشعارات، وبعد مقدمة طويلة، اقترح طباعة القرآن الكريم باللهجة المصرية باعتبارها أكثر اللهجات العربية شيوعا وانتشارا. فعدّل أحد الحاضرين هذا الاقتراح وطالب بطباعة القرآن الكريم باللهجات العربية المتعددة لئلا يفسّر المشروع بأنه مشروع محلي قاصر على دولة معينة بينما المطلوب اعتباره مشروعا عربيا.
واعترض ثالث على هذا الاقتراح بأن اللهجات كثيرة في كل دولة عربية، فلهجة دمشق تختلف عن لهجة دير الزور، ولهجة الموصل تختلف عن لهجة بغداد، ولهجة القاهرة تختلف عن لهجة الصعيد. فالأفضل أن يطبع بلهجات العواصم فقط.
سألتهم عن سبب إقدامهم على هذا المشروع اللامشروع، فقالوا كي ينتشر القرآن بين أيدي أكبر عدد ممكن من الناس، ولا تنسَ أن كثيرا من العرب أميون لا يعرفون القراءة والكتابة.
فقلت لهم الذي لا يعرف القراءة والكتابة لن يستطيع قراءة الكلمات المكتوبة بلهجته المحلية، فهو لا يراها إلا رسوما كما هو حاله أمام كلمات اللغة العربية الفصحى وأية لغة أخرى.
ثم إن الإنسان العربي مهما بلغ به الجهل بالقراءة والكتابة حين يستمع إلى قراءة القرآن الكريم وترتيله يفهمه أو، على الأقل، يفهم مجمله، وإن كان هذا الفهم متفاوت الدرجات من أمّيّ لآخر، ومن بلد لآخر، حسب المستويات العقلية والقدرة على التفكير.
قال لي مدير الندوة لماذا تعترض على نشر القرآن باللهجات العربية ولا تعترض على ترجمته للغات الأجنبية؟ لمَ لا تعتبر ذلك النشر مثل هذه الترجمات؟
قلت له إنّ ترجمة القرآن إلى اللغات الأجنبية، من أجل أن توضع معانيه بين أيدي قوم يعرفون القراءة والكتابة فهم ليسوا أميين، ولكنهم لا يعرفون قراءة الكلمات العربية، فتوضع بين أيديهم معاني الكلمات القرآنية بلغاتهم ليطلعوا عليها. وللعلم فإن تلك الترجمات ليست قرآنا وإنما هي معاني القرآن، ولذلك فالاختلافات فيها كثيرة، قربا أو بعدا عن اللفظة العربية في القرآن المجيد، ومعناها القرآني.
وبلغت المغالطة بأحدهم أن قال لي بلهجته المحكية، ما معناه لماذا أجاز القدماء قراءات الأمصار، فللكوفة قراءة، وللمدينة قراءة، وللبصرة قراءة، وللشام قراءة.. وهكذا، يريد قراءة عبداللّه بن كثير الدّاري وقراءة نافع بن عبدالرّحمن وقراءة حمزة وعاصم وغيرهم فماذا يضرّ إذا اعترفنا الآن بقراءة القاهرة وقراءة بغداد وقراءة الشام وقراءة المغرب، وهكذا؟
قلت له إن الذين أخذوا بتلك القراءات إنما أخذوا بها اقتناعا بأنها مروية عن النبي. فالقراءات روايات لها أسانيدها ورواتها. ولو اقتنع الآخذون بها أنها ليست مروية عن النبي لَما أخذوا بها. فالمسألة ليست اجتهادية ولا كيفية ولا اعتباطية. ولو ظهر الآن النبي محمد عليه الصلاة والسلام بين ظهرانينا هل تتصورون أنه سيقرأ القرآن الكريم بهذه اللهجات التي تتحدثون بها وعنها؟
ثم تساءلت أليس من الأفضل والأجدى أن تصرفوا هذه الأموال للرقي بالمستوى الثقافي والتعليمي ومكافحة الأمية كي يتواصل الناس مع الألق في تراثهم، بدلا من قطع صلتهم بذلك الألق؟
ولم يقتنعوا بكلامي وأظنهم سيفعلون ما يريدون بحجة حرية الفكر وحرية التعبير عن الرأي وأكاد أعتقد أنهم سيجدون تشجيعا وإسنادا، ولن تجابههم أية عقبات جادة. والحقيقة أنّي لا أدري هل توجد في قوانين دول المسلمين عربية كانت أم غير عربية موادّ قانونية تعاقب على تحريف القرآن أو تزييف آياته أو نقله إلى اللهجات العامية، أو القول بالزيادة والنقصان فيه، وما إلى ذلك من صور التحريف والتزييف؟
وأتصور أنْ لو وضعت مثل تلك المواد القانونية، أو منع هؤلاء وأمثالهم من العبث بكتاب الله المجيد العزيز، فسترتفع الأصوات معترضة بحجة حرية الفكر والتعبير عن الرأي، من غير أن يفكر هؤلاء بأن لحرية الفكر والتعبير عن الرأي سقفا يجب عدم تجاوزه. ولقد كان لهم في الدول التي يلهثون وراء شعاراتها مَثَلٌ يقتدون به. أوَ ما سمعوا بتهمة معاداة السامية، مثلا، التي تلحق المرء من مجرد ظنّة أو شبهة نقد لإسرائيل أو للمحرقة؟
الأمر الذي يدعو إلى الاستغراب أن المشار إليهم لا يعتبرون هذه المواقف انتهاكا لحرية الفكر والتعبير عن الرأي، ولكن حين نُنكر عليهم جرأتهم على القرآن ولغته، فإذا بهم يرفعون عقيرتهم متباكين على حرية الفكر والتعبير عن الرأي
الملاحظة الرابعة الفتاوى التي تصدر باللهجة العامية، وأعتبر هذا الإصدار نوعا من الاستسهال لعملية الإفتاء. فالفتوى يجب أن تقدّم بألفاظ منطبقة على المعنَى المراد بلا زيادة ولا نقصان. ومن أول ما يجب أن يتوفر في المفتي المعرفة الدقيقة باللغة العربية، ومعاني ألفاظها. ولقد نعى اللغوي الجليل أحمد بن فارس تـ 395 للهجرة صاحب كتاب مجمل اللغة ومقاييس اللغة وغيرهما، على الذين يفتون بدون علم لغوي. وذكر في كتابه فُتيا فقيه العرب أن فقيها سُئل هل يجب على المتوضئ أن يغسل شاكلته؟ فلم يعرف ما يجيب به. والشاكلة البياض بين الأذن والصّدغ.
فالمفروض أن الفتوى مبنية على آيات القرآن، فإذا كان المفتي يجهل معاني الكلمات القرآنية، فكيف يستطيع الإفتاء؟
ومن البديهي أنا لا أدعو إلى الكتابة والنطق بلغة الجاحظ أو ابن المقفع على الرغم من أن كثيرين في بعض البلدان العربية يفهمونها، وإن بشكل إجمالي عام، ولكني أدعو إلى اللغة الميسّرة التي تصدر بها كثير من الصحف العربية، خطوة نحو الارتقاء بهذا الإنسان العربي الذي هو وحده القادر على تطوير لغته.
فاللغة ليست كائنا حيا إذا كان أهلها أمواتا
وهو ما يمكن أن نتحدث عنه في لقاء آخر.. قل إنْ شاء الله
/5/2012 Issue 4202 – Date 17 Azzaman International Newspape
جريدة الزمان الدولية العدد 4202 التاريخ 17»5»2012
AZP09























