إختفاء معالم الفن الغنائي في العراق
عروض تفتقر إلى المقومات وتمتلئ بالنصوص السوقية
حسام الدين الانصاري
أي نوع من انوع الفن اوالتقاليد والموروثات الشعبية سواء كان ذلك في مجال الموسيقى والغناء او الرسم او النحت او الازياء او الرقص الشعبي والالعاب والرياضات الشعبية ، وحتى طريقة اعداد الاطعمة الشعبية والاجتماعات واللقاءات في المقاهي وحدائق النزهة عندما يتحول بها الزمن من مرحلة وجودها في الواقع الذي يمارسه الناس ويعيشونه الى مرحلة لاحقة بعد ان يطويها الزمن الى مديات تستغرق بضعة عقود او قرون ويختفي جمهورها وروادها والقائمين عليها لتصبح ضرباً من ضروب الماضي وشريطاً من الذكريات وموضوعاً للتفكَه والتندَر بعد ان اصبحت المتغيرات التي تحمل طابع الحداثة والمعاصرة هي الحالة السائدة التي ينقطع فيها التواصل من قبل الاجيال القادمة التي نشأت وافرزت قيماً حضارية جديدة كل ماكان سائداً فيها اصبح قديما لايتماشى مع مفاهيم التنوير التي دخلت عبر اساسيات الفن والثقافة والتعليم ،
ولم يعد الزمن والاهتمام بالوقت وتطلعات الشباب الذين يشكلون قوة التغيير والتطوير في المجتمع ، والتزامن مع التحولات التي تتأثر بالغزو الفكري الاممي الذي يحمل في طياته مفاهيم الخروج عن الضوابط والتقاليد التي ترسخت عبر مئات السنين ، تسمح بالتمسك بالمظاهر القديمة التي عاشتها اجيال سابقة كانت موجودة في مراحل فرضتها طبيعة مسيرة التاريخ التي تتميز كل مرحلة من مراحلها بقيم ومعطيات وملامح تكون عنواناً لذلك العصر .
ومع استعراض ذكريات الماضي في العراق بواقعه ووقائعه يظهر جلياً اختفاء مظاهر الحياة التي كان يعيشها الناس مع الاجيال التي واكبتها لتصبح نوعاً من الفولكلور الذي اختفى واصبح عبارة عن احاديث وذكريات ، وماتبقى منه فانه يقبع في بطون الكتب والمتاحف العامة والخاصة وقاعات المأثورات الشعبية ولدى بعض جامعي التحف والاثار .
وليس بعيداً عن الذاكرة مايتصل بتلك المعالم في بلدنا والتي طواها الزمن متمثلة بالحان اغاني وموسيقى رواد الفن الغنائي الاخوين العراقيين صالح الكويتي وداود الكويتي وهما من الطائفة اليهودية اللذين تصدرا الحياة الفنية في العراق عند بداية ثلاثينات القرن الماضي ، والتي لازال العراقيون ومنذ اكثر من ثمان عقود يرددون اغانيهمــا التي تعبق بالنكــهة العراقيــة الاصيلــة والتــي يتــواصــل الموسيقيون والملحنون على تقديمها ويسعى كل منهم في عرضها بحلة جديدة ، ولاتغيب عن الذاكرة اغاني المقام العراقي واغاني ناظم الغزالي التي كانت تشكل قفزة في الفن الغنائي العراقي ، والاغاني الريفية واغاني البادية واغاني جبال كردستان وسهل نينوى ، والتي اصبحت جميعها في عداد الفولكلور والتراث الشعبي وحكايات من التاريخ والذاكرة .
ليس هذا فحسب بل ان كل مارافق تلك الحقبة اصبح الان يعيش في الذاكرة وفي بطون الكتب وقاعات العرض التي تضم الرسوم والمنحوتات للفنانين الفطريين والازياء والملابس الشعبية التي لم يعد لها من يقتنيها ، وغياب رياضة الزورخانة ومقاهي ( الكرامافون ) التي تقدم اغاني المقام واغاني مغنيات تلك الفترة و ( القصة خون ) الذي يروي حكايات عنتر بن شداد وابو زيد الهلالي حين لم يكن جهاز التلفزيون قد دخل العراق ، والعاب المحيبس في المقاهي ، وانحسار السفرات العائلية الى البساتين المحيطة ببغداد واختفاء الكثير من الاكلات الشعبية والحمامات العامة في المناطق الشعبية ، ودور السينما التي اغلقت ابوابها للتحول الى اماكن للتسوق لغياب روادها ، بالاضافة الى الكثير من المظاهر التي كانت تشكل جزءاً من حياة المواطنين .
ويأخذ الحديث عن الفن الغنائي اهميته في استذكار ماآلت اليه ظروف هذا الفن بسبب التدهور الذي اصاب الاغنية العراقية في ظل غياب الفن والفنان الحقيقي وظهور ادعياء الفن والمرتزقة من المخنثين والطبالين الذين يصورون اغانيهم بواسطة ستوديوهات مشبوهة خارج العراق ، والذين تلتف حولهم بنات الغجر الناثرات شعورهن وهم يقدمون اغانيهم الفاضحة التي شوهت معنى الفن الحقيقي محاطين بالراقصات الغجريات ( المودرن ) اللواتي يلبسن الملابس غير المحتشمة ويتخذن اوضاع خالية من الحياء ويقمن بحركات وايماءات رخيصة لاتصلح الا في مواخير العروض الجسدية المشبوهة ، وللاسف يتم عرضها في بعض الفضائيات العربية مؤشرة على ان هذه هي صورة من صور الفن العراقي رغم ان المساهمين فيها من غجريات الملاهي الرخيصة والمخنثين وسماسرة انتاج الاغاني الفاضحة هم جميعاً لاينتمون الى الوسط الفني وانما هم مجموعة من الدخلاء اتخذوا الفن وسيلة للارتزاق والحصول على مال السحت الحرام ، واصبحت تلك وسيلة لافساد الذوق العام والتلاعب بذوق ومشاعر الشباب والمراهقين بما ينطوي عليه من تدني وسفه ودفع الذوق العام نحو الحضيض بحيث لم يعد هناك أي امل في انتشال ماوصل اليه الفن الغنائي من تدهور مع وجود مثل هذه الظواهر وغياب الفن الحقيقي وخلو الساحة الا من الاغاني الواطئة والرموز الغنائية الرخيصة وخلط الغناء بمظاهر الاثارة الغريزية بمرافقة الرقص الفاضح والمشاهــد الحميمية بيـن المغني والمـوديل النسائــي المرافق له ، بحيث اصبح هذا النوع من العروض الغنائية في غالبيته مقتصراً على الصوت الاجش والنصوص الغنائية السوقية والالحان الركيكة ، وكانها جاءت لتحطيم كل التراث الغنائي والموسيقي لتاريخ العراق الفني وبخاصة الفنون الغنائية والموسيقية منذ عقد الخمسينات حتى نهاية عقد الثمانينات الذي يعتبر عصراً ذهبياً للاغنية العراقية مع ظهور بعض الرموز الفنية الشابة التي اغنت الساحة العراقية للاعمال الفنية نصوصاً والحاناً واداءً والتي لازالت تعتبر نمودجاً معبراً عن هوية الفن العراقي حتى يومنا هذا .
وامام هذه الظاهرة فان وزارة الثقافة وهيئة الاعلام والاتصالات ونقابة الفنانين واتحاد الموسيقيين العراقيين مدعوون للوقوف في مواجهة ذلك للحد من الاساءة للفن في العراق بالوسائل الممكنة من خلال تنسيق المواقف فيما بينها والتوصل الى الصيغة الفاعلة للحد من هذا التدهور الذي يسيء للفن في العراق وتشكيل لجنة متخصصة للرقابة على الاعمال الفنية لهذا الغرض .























