أهميــة أن تكـون شــبحاً

أهميــة أن تكـون شــبحاً يحيى صاحب ما كنا نجرؤ على أن نهمس بما نشكو منه، أمّا الآن، فبحمد الله، نصيح. لولا أنّ النتيجة، مع ذلك، تبقى نفسها. لا استجابة لما نشكو منه، أبداً. قُلنا، ونحن نعرف الفرق، ماالفرق، إذن، بين الأمس واليوم ؟ وتحسّستُ، لَعَمري، بأصابع ذهني، خيطاً حريريّاً رفيعاً، لا يكاد يُرى. وإذا قلتُ غير مرئيّ، أدنو كثيراً إلى أنّه غير موجود. ولأنّ هذا سيُصيبني بالفزع، دافعاً إيّاي، مسافة غير قصيرة في الماضي، أتشبّثُ بمكاني. وأقول، بيقين مُزعزع، وأنا أمدّ يدي : ها هو ذا، وإنّني لأضع أصابعي العشر على امتداده، وأنّني لأراه. أحمد الله على أنّني بكامل يقظتي، وأنّني لم أستيقظ، توّاً، مما تراءى لي كابوساً، بل من حُلم. ولقد كان رقيقاً جدّاً ؛ حدَّ نهضتُ، عندما نهضتُ من سرير. وكان السرير في غُرفة، وحين فتحتُ الباب، وجدتُ غُرفتي في بيت. وحين فتحتُ باب المدخل الخشبيّ، وجدتُ أطفالي، وهم مُعافون وبثياب جديدة، يلعبون في حديقة بيتي الواسعة، بين الأشجار. وحين عدتُ إلى سريري، وجدتُ زوجتي، على الجانب الأيسر منه، تواصل حُلمها. فلم أستطع مُقاومة ما كان مكشوفاً منها ؛ وجهها، صدرها وفخذيها. وعندما خلعتُ بجامتي اكتشفتُ أنَّ لديّ بجامة، وحين وضعتُ قدميّ في النعال، أنَّ لديّ نعلين. وحين فتحتُ باباً من أبواب الكنتور الستة، سحبتُ بدلةً من بين عشر، وقميصاً، من بين عشرين، وزوج جوارب، من بين ثلاثين. وحين وضعتُ أُولى قدميّ على إسفلت الشارع ؛ اليُمنى، تحديداً، لمحتُ من بعيد، صاحب المولّدة، فتذكّرتُ : اليوم 3 في الشهر. قُلتُ في نفسي ومن أين له أن يعرفني. ومع ذلك، سأُفاجئه بما لم يعتد عليه، إطلاقاً. مددتُ يدي لإخراج محفظتي فلم أجدها، لأنّني لم أجد جيباً، وحين نظرتُ مذعوراً إلى بدلتي، لم أجد إلاّ دشداشتي، فلم أُغادر بيتي، البتّة. بخطوة إلى الوراء، كنتُ في بيتي، وبنصف خطوة، في ما أدعوه، وحدي، غُرفتي. فاجأتني زوجتي : لِمَ أنتَ شاحب ! فأجبتها : أبو البيت ! أبو المولّدة ! أبو الكهرباء ! أبو الماء ! ولم أفتح فمي. ليس لي فم. وقُلتُ في نفسي لم يرني أحد منهم. وتمنّيتُ من أعماقي، أنّني شبح. وأن ليس بوسع أُولئك، جميعاً، رؤيتي. وحين استسهلتُ قدرتي على أن أعود لأطفالي بفطور، مجّاناً، من أسواق يوسف، وضعتُ في خُططي أن آتيهم بعد أن يفطروا، بكُلّ ما يحتاجون إليه على الغداء من المُخضّر، من دكّان عبّاس. وحين وجدتُ فعّاليتي هذه صغيرة، وأنّها لتجري بيُسر، قرّرتُ الخروج، بعد الغداء، وذهني خالٍ، تماماً، إلاّ من خطّة واحدة، ولكنّها لن تكون الوحيدة. نزعتُ كيس الطحين المُتدلّي بديلاً لباب المرحاض. تأبطته وخرجتُ. تجاوزتُ كلّ ما تتالت عليّ من الحوانيت المًمتلئة بكُلّ ما لذّ وطاب، الطافحة فائضةً، على الأرصفة. ومشيتُ بخطى ثابتة، نحو ما استقرّ في ذهني، منذ اطمأننتُ، تماماً، إلى قدراتي الجديدة، وألفيتُ بإزاء بوّابة واسعة مفتوحة على مصراعيها، ولم آبه لعدد الشرطة، المبثوثين، أمامَها، هنا، وهناك، من مقدم البناية ـ صحا عندما سمع بابه يُقرع، وحين تواصل هذا واشتدّ، أخرجه القرع المُفزِع، وألقاه، بإزاء أربعة أزواج من العيون تتطاير شرراً، لحماً، دونما أيّة حماية، خارج قدراته تلك. فانكمش مُقرفصاً وراح يرتجف. ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ { من مجموعته القصصية العاشرة 2013: أسـئلة ذيليـة