أكتب عن مي زيادة – عبد المحسن عباس الوائلي

 

أكتب عن مي زيادة – عبد المحسن عباس الوائلي

اريد ان اكتب عن هذه الشخصية الادبية اللامعة مي زيادة والذي دفعني للكتابة عنها كلما تذكرت سعدية وهي من اقاربي وكانت تدرس في كلية الشريعة ببغداد قبل سنوات كانت مبدعة لطيفة بالتعبير كثيرة القراءة والحفظ وكنت دائما اقول لها ولاهلها والله لو فسحتوا لها المجال لكانت عندنا في العراق رمز مي زيادة ولهذا كانت عندي رغبة قوية وعميقة في الكتابة عن مي زيادة.

ومنذ أسابيع ومي لاتذهب من فكري، كاني مسكون بها، او كانها ما زالت تعيش الان معنا، وفي لحظات أخالها امامي بثوبها الأبيض المشغول بالدانتال.

وعلى رأسها تلك القبعة المحملة بمختلف انواع الزهور، تود ان تقول لي شيئا، لكنها لاتفعل!

وأعود ابحث عنها في كتبها وما كتب عنها، في مقاطعها الرومانسية، في وجدانيتها وخطبها الداعية الى التحديث، في اول مجموعة شعرية لها ازاهير حلم 1911 وفي ذاك الصراع الرهيب الذي عانت منه، وتتراءى لي تلميذة وقد انتزعت من الناصرة حيث ولدت في فلسطين، لتتلقى تعليمها في القسم الداخلي عند راهبات عين طورة في جبل لبنان، وما ترك هذا في نفسها من اثر خاصة في مرحلة الصبا والشباب.

افكر في موت شقيقها وهي ما زالت طفلة صغيرة، في تركها للناصرة التي احبت وعشقت ورحيلها مع العائلة الى ارض الكنانة مصر. في صالونها الادبي العامر بكبار ادباء ومثقفي ذاك الزمن، في وحدتها، تلك الوحدة القاسية والباردة التي طبعت حياة مي بطابعها، ولعلها لم تتغلب عليها الا حين كانت وحيدة معها.

افتش في رسائلها عن ذاك الحب الذي قرأت وسمعت عنه الكثير، حبها لجبران خليل جبران، الذي قدر له ان يظل حبيس الرسائل وجدران القلب.

افكر بالالام التي عانت واتساءل: ترى لو ان مي زيادة حقا كانت موجودة معنا اليوم، هل كانت ستواجه نفس المصير الذي واجهت؟؟

ويلح عليّ السؤال بشكل غير طبيعي، يلف ويدور ويعود يطرح نفسه من جديد.

ان مي لم تكن كاتبة عادية، ومشكلتها لم تكن في انها كتبت ولكن في انها عجزت عن الاندماج في واقع اجتماعي رفضته، وهذه الحالة المأساوية تؤدي بالضرورة الى حالة انفصام الشخصية، فالنظام الاجتماعي لاسيما في علاقته مع المرأة بالذات، يفرض على ناسه ان يضعوا قناعا على وجوههم، ليلد ذاك الصراع الخفي والحاد بين الانا الحقيقية والانا الاجتماعية، وهو الصراع القاسي والمرير الذي خاضته مي مع نفسها، أي بين الانا الاصيلة التي تنزع الى الحرية، وبين الانا الاجتماعية المزيفة المحكومة بسلوك فرض عليها.

غير ان مي زيادة، وهنا تكمن عظمتها وربما مأساتها ايضا، رفضت ان تضع القناع، بل ذهبت ابعد من ذلك، رمته بعيدا وجاء النظام الاجتماعي يتهمها بالجنون، ويلقي القبض عليها حيث اودعت في مصح للامراض العقلية (1936) واعترضت مي.

اضربت عن الطعام ولكنها لم تضرب ابدا عن الكتابة، ظلت تكتب، وتكتب.. حتى تم الافراج عنها لتذهب من العصفورية رأسا الى الجامعة الامريكية في بيروت، تلقي محاضرة هي أية في العقل.

مي زيادة انسانة نادرة، جميلة، مثقفة، خطيبة كبيرة. كانت من النساء اللواتي يتركن في مجتمعهن اثرا لاينسى.

لم تتزين، ولم تتبرج، ولم تغير جلدها، ولم تستغل انوثتها، ولم تحن رأسها، ارادت شيئا بسيطا ولم تدر انه صعب- ان تكون هي نفسها- وكم كان جبران خليل جبران مدركا لمأساتها حين كتب اليها: “انت يامي صوت صارخ في البرية”.

تحية الى مي زيادة في كل ساعة ويوم وشهر وسنة انها تعلمت الادب وعلمته وتعلمنا منها الكثير انها استاذة الادب بحق وكل الذكريات لازالت حية مهما طال عليها الزمن وان يومي هذا كأمسي لن انسى من ذكريات الامس شيئا ابدا ياسعدية العراق يامي العراق ايتها النابغة مع تقديري واحترامي.