أبواب الفردوس: هل هي رواية إيروتيكية ؟

أكثر من صراع في محتوى غير محتدم

 

أبواب الفردوس: هل هي رواية إيروتيكية ؟

 

 

ناطق خلوصي

 

 يشعر الكاتب ــ أي كاتب ــ بالغبطة حين يرى أن نصا ً له صار موضع اهتمام أو مثار نقاش ( بغض النظر عن طبيعة هذا النقاش ) ، لأن ذلك يجعله يطمئن إلى أن جهوده في كتابة نصه لم تذهب سدى ً .

 

 اعترف ان شعورا ً مثل هذا يساورني وأنا أقرأ ما يُكتب  عن روايتي ” ابواب الفردوس ” وأسمع ما يقال عنها ويبلغني بعضه شخصيا ً ، وأحترم كل هذا ، حتى ذلك الذي نختلف فيه ، إذ لا يُفترض بالضرورة أن تتطابق رؤية الكاتب   مع رؤية قارىء نصه . وضمن هذا السياق بدا لي ان بعض من قرأ الرواية ، انما قرأها على انها رواية ايروتيكية كُتبت بهدف اثارة المتعة الحسية ، وهو ما لم يحدث بالتأكيد .

 

لقد توقفت الرواية عند موضوعات اجتماعية ونفسية وفكرية لها حضورها المؤثر ، لعل في مقدمتها موضوعة الموقف الاجتماعي من المرأة ، في محاولة لاسقاط الضوء على حجم المعاناة التي تكابدها في المجتمعات الشرقية بشكل عام ومجتمعنا العراقي بشكل خاص ، في ظل تعسف السلطة الأبوية ونظرة المجتمع المتدنية ازاءها . ان أغلب الشخصيات النسائية في الرواية تعرضت الى أوجه مختلفة للتعسف والاضطهاد وبالشكل الذي جعلها تعاني من مردودات نفسية واجتماعية سلبية تجعلها تشعر بأنها ضحية ظروف مفروضة عليها . فالشابة السورية ” روان ” قالت ان أباها قدمها هدية  ــ ولم تقل انه باعها ــ زوجة ً لرجل في سن جدها اتخذها أداة للمتعة الجسدية ، يزورها مثل زائر عابرويمكث معها شهرين في السنة دون أن يهمه ما الذي يجري لها خلال أشهور  غيابه العشرعنها ، حيث يقضيها مع زوجاته الثلاث الأخريات  المتوزعات في ثلاثة بلدان مختلفة ( العراق وايران والكويت) . وهذا الرجل الذي يقول بأنه ملتزم بتعاليم الشرع الاسلامي ( وإلا لكان قد تزوج أخرى خامسة و مصرية هذه المرة )، يخرج على تعاليم هذا الشرع حين يصادر حق روان في الانجاب ، فالانجاب ” خط أحمر ” كما يقول ، ليحرمها من أي حق في الميراث وليلفظها من حياته متى ما انتهت رغبته فيها . أما  المراهقة ” نسرين ” فقد أرغمها أبوها على الزواج من الأبله شهاب ابن خالها ( وهو زواج يخدم مصلحة الأب الشخصية ) ، لتحمل منه فتضع بنتا ً وكادت تفقد حياتها ثمن ذلك لأنها لم تكن مؤهلة جسديا ً ونفسيا ً لعملية الحمل والوضع وهي في تلك السن . وعانت الأم ” فطم ” من تعسف  زوجها الذي كان يعاملها بقسوة ولا يتردد في الاعتداء عليها بالضرب وقد هجرها وأهملها في السرير وهي ما زالت تتوافر على بقية من شبابها وجمالها ،  وتزوج من أخرى دون علمها ، فدفعها الى أن تتمرد عليه . وكُتب على المدرسة الشابة ” نهال ” أن تفشل زيجتها بعد سنة واحدة فقط لسبب خارج عن ارادتها يتمثل في عدم قدرتها على الانجاب ، مثلما كُتب على ” أم رهيف ” أن تترمل وهي ما زالت شابة بعد أن استشهد زوجها الضابط في الحرب العراقية – الايرانية قبل توقفها ببضعة أسابيع، مخلفا ً وراءه  أطفاله الثلاثة منها فكان عليها أن تمارس دورا ً مزدوجا ً : دور الأم ودور الأب معا ً . وكان على الشابة ” سندس  ” أن تعاني من المردودات  السلبية للعنوسة إذ لم يتقدم أحد للزواج منها بسبب دمامتها وأميّتها . وكان على  ” ياسمين ” أن تترك بلدها ــ الباكستان ــ بعد طلاقها من زوجها هناك لعدم قدرتها على الانجاب هي الأخرى ، لتلوذ بالكويت وتعمل خادمة منازل ولم تكن تتردد في التفريط بجسدها من  أجل ضمان المحافظة على لقمة عيشها . وحتى ” ريم الشهلاوي ” الشخصية السلبية في الرواية فقد كانت ضحية واقع اجتماعي متعسف إذ  وجدت نفسها مضطرة وهي شابة ، لأن تتزوج من رجل يكبرها بأربعين سنة  ما لبث أن مات فنزلت للعمل في أحدى الشركات قبل أن تتزوج من نذير الحسيبي .

 

وتوقفت الرواية أيضا ًعند مرحلة المراهقة وما يمكن أن يترتب عليها من مخاطر في ظل غياب رقابة الأسرة والمدرسة معا ً ، لاسيما حين يُسمح للأطفال بالمبيت في غرفة الأبوين وهم صغار لتتاح لهم الفرصة لرؤية ما يحدث بينهما على السرير ، أو حين يسمح للإخوة والأخوات بالنوم في غرفة واحدة في مرحلة المراهقة  ، وكانت حالة نسرين نموذجا ً تطبيقياً لذلك . فقد اعتادت النوم ، هي وأخوها غزوان ، في غرفة أبويهما قبل أن يقرر الأب أن يفرد لهما غرفة خاصة  لوحدهما . ولأنها كانت تمر بفترة مراهقة شرسة  فقد وجدت في مبيت أخيها معها  فرصة للتنفيس عما تعانيه من كبت لاسيما بعد أن سافر الأب  إلى الكويت ، لهاثا ً وراء المزيد من  الكسب المادي ، متخليا ً عن مسؤوليته الأسرية  ، ووجدت في بيئة مدرستها وتراخي رقابة ادارتها ، متنفسا ً آخر للكبت الذي كانت تعاني منه ، لكن غزوان  استطاع أن  يخفف من غلواء شراسة مراهقتها ويصل بها إلى بر الأمان بسلام  .

 

وحيث يشكّل الصراع عنصرا ً أساسيا ً في السرد ، فإن ثمة أكثر من صراع في هذه الرواية . ولكنها صراعات يمكن القول عنها انها صراعات غير محتدمة أو انها من جانب واحد ، غير انها واضحة المعالم . فثمة صراع بين نذير الحسيبي وأخيه منير . فنذير المتخم بالأنانية وروح الجشع كان يناوىء أخاه إلى الحد الذي أقنع أباه قبل موته بأن يسجل البستان التي يملكها بإسمه هو لوحده ليحرم أخاه  من حقه في الإرث . وفضلا ً عن ذلك فإنه أقام حاجزا ً بين اسرته واسرة أخيه  وكان يشهّر به أمام ابنه  ليمنعه من الاقتراب منه أو التأثر بأفكاره . وثمة صراع آخر بين الحاج رمضان المنغلق على أفكاره السوداء والمتجلبب برداء ديني زائف وبين منير الحسيبى المنفتح على فضاء من الفكر التقدمي. وعاش غزوان صراعا ً نفسيا ً حادا ً وهو في مواجهة محاولات زوجة أبيه الشريرة للإيقاع به في حبائلها .

 

تغطي أحداث الرواية الفترة الممتدة بين أواخر الحرب العراقية – الايرانية واوائل ما صار يعرف بحرب الكويت وبالتالي فانها لا تتوقف عند مشاهد الفعل القتالي المباشر لكنها تشير إلى المردودات السلبية لهاتين الحربين  بانعكاساتها الاجتماعية والنفسية  والأخلاقية ، ويمكن القول  ان ما ظهر من تخلخل في القيم الاجتماعية كان قد حدث بتأثير تلك الانعكاسات  . ولنتوقف الآن عند القول بإيروتيكية  الرواية وهو قول يعوزه ما يؤكده ، وربما جاء حصيلة قراءة متعجلة  أو استند على السماع . ولست هنا في موضع الدفاع عن الرواية إذ انها ليست في حاجة إلى ذلك ،  انما أريد أن أوضح بعض ما يمكن أن يكون قد التبس على عدد ممن قرأوها .  في الاستطلاع الذي أجرته مجلة” تاتو “عن الجنس في الرواية ” ، كتب الباحث والناقد داود سلمان الشويلي يقول : ” آخرما قرأت في الرواية العراقية رواية ” أبواب الفردوس ” للروائي ناطق خلوصي التي طرحت الجنس كموضوع رئيسي – إلى حد ٍ ما – ولأنه روائي متمكن من أدواته الروائية لم يسقط في فخ الابتذال والاسفاف ، لقد خرج من دون خسارات ابداعية ، بل ان هذا الموضوع خدم رصانة الرواية تلك وابداعها . كتبت دراسة عن الجنس في هذه الرواية الحديثة الصدور ، وأرسلتها إلى صحيفة رصينة ذات فكر متفتح ، اعتذر محرر صفحتها الثقافية عن نشرها ، لأنها كما أخبرني تطرح موضوعة الجنس ونحن في زمن لا يسمح بذلك ” . فاذا كانت هذه وجهة نظر محرر في صحيفة  رصينة ذات فكر متفتح ، ويُفترض أن يتوافر هوالآخر على فكر متفتح ، فكيف هو الحال مع غيره ممن لا يتوافرون على مثل هذا الفكر ؟ ولعل الباحث والناقد الشويلي يقصد هنا دراسته الرصينة التي تعتمد على قراءة تحليلية منصفة للرواية والتي نشرتها له جريدة ” الحقيقة  ” في جزئين .  في كتابه ” أزمة الجنس في القصة العربية ” يقول الدكتور غالي شكري : ” اذا كان الجنس ، وسيظل ، محورا ً للآداب والفنون ، فإن الأدباء يختلفون من حيث درجات احتفائهم به ، فبينما يتخصص له بعضهم تخصصا ً تاما ً ، نلاحظ آخرين يولون الحياة بكاملها جل اهتمامهم وعنايتهم ، بما تشتمل عليه من زوايا تتضمن تلقائيا ً هذه العلاقة أو تلك ” ( ص 76 ) . ويعود ويقول في مكان  آخر : ” لقد نوقشت أزمة الجنس في انتاجنا القصصي على انها أزمة أجتماعية ونفسية أي ازمة حضارية . والحق ان هذا الانتاج بعينه يتضمن في بنائه ومحتواه أزمة حقيقية في الفكرة والتعبير . فما تزال عيوننا قاصرة على رؤية الأبعاد المختلفة  لقضية الجنس ، لا كتعبير عن العلاقة بين رجل وامرأة ، وانما كتجسيد  جوهري  للكثير من معاني حياتنا ، وفي مقدمتها معنى الحرية . ” ( ص 319 ) .

 

 أما فريال جبّوري غزّول فتقول في دراستها المعنونة ” تجليات الجنس  في الرواية العربية ” المنشورة في مجلة ” الكلمة ” الألكترونية  الصادرة في لندن  ( عدد مايس 2009 ) ان : ” الجنس يكاد يكون مشتركا ً بين كل الروايات العربية وإن تجلى بأشكال  مختلفة  فكان مستترا ً أحيانا ً وحاضرا ً إلى درجة التصريح أحيانا ً أخرى . والجنس المستتر في الرواية العربية بأهمية الجنس المتجلي  فيها في نظري . فلا يمكن أن نقتصر على ما هو واضح ، ونغض النظر عما هو متوار ٍ، لأن الصنعة الروائية ذاتها تعتمد على لعبة التجلي  والتواري ” .

 

وباستشهاد كل من الدكتور غالي شكري وفريال غزّول بأعمال  لكبار الكتّاب العرب :  نجيب محفوظ وتوفيق يوسف عواد والدكتور محمد حسين هيكل وتوفيق الحكيم ويحيى حقي    والدكتور سهيل ادريس واحسان عبد القدوس  ويوسف ادريس وفؤاد التكرلي وغيرهم ممن تناولوا الجنس في أعمالهم السردية بهذا الشكل أو ذاك ، دون ان يخل هذا التناول في قيمة أي منهم  أو قيمة اعماله مع انهم جميعا ً من بيئة اجتماعية محافظة . ولا تخرج ” أبواب الفردوس ” عن إطار مثل هذه الأعمال دون أن ترقى إلى مستواها بالتأكيد . لا أنفي ان هنك منحى ً ايروتيكيا ً في هذه الرواية  ولكنه لا يشكل هدفا ً انما هو محصلة لأخطاء رجل مهووس بالجشع واكتناز المال حتى على حساب  سلامة اسرته أخلاقيا ً واجتماعيا فقاد نفسه  إلى ما أساء إلى اسرته فأدان نفسه بنفسه . لم يكن مخططا ًسلفا ً لهذا المنحى  في الرواية ، فأنا لا أعمد إلى وضع مخطط مسبق لما سأكتبة ( وقد أجد من يرى ذلك مأخذا ) فبعد أن تتشكل الرواية في ذهني ،  أدع الشخصيات تقود أصابعي على مفاتيبح الحاسبة ، أ ي ، إذا أمكن القول ، ان تكتب الرواية نفسها وتسيّر أحداثها بنفسها . ويبدو ان هذا المنحى جعل بعض من قرأ الرواية يعتقد انها تحاكي ” المسرات والأوجاع ” ، رواية الكبير فؤاد التكرلي . لكن ما يجعلها تبتعد عنها ان لدى التكرلي من الخبرة والجرأة ما جعله يصور مغامرات بطله ( توفيق لام ) مع بعض نسائه بشكل صريح ومكمشوف أحيانا ً  وهو ما لم أجرؤ على القيام به فعمدت إلى توظيف التلميح قدر الإمكان .

 

ويبدو  أيضا ً ان التباسا ً صاحب بعض قراءات الرواية  فيما يخص علااقات غزوان في حدثين . لقد وجدنا أن هناك من قال بأن ابنة عمه رؤى أغوته أثناء خلوتهما في بستان أبيه ، وهذا ما لم يحدث في الواقع . كانت رؤى خطيبته رسميا ً آنذاك بموفقة أمه ثم أبيه وكان قد قرأ الفاتحة مع عمه وقد حاولت اغراءه فعلاً للتمادي أكثر من عملية المداعبة والاحتكاك الجسدي وقالت له ان أباها قال لها انهما أصبحا زوجين شرعا ً بعد قراءة الفاتحة ، فمن وجهة نظر غزوان  ظل “كل شيء حتى الآن يدخل في باب المسموح وإذا تماديا فلن يصل الأمر إلى حدود اللامسموح . فهذا هو قراره الصارم ( ص 182 ) . وحدث التباس مماثل حول زيارة غزوان للخادمة ياسمين في غرفتها الخاصة . لقد ذهب إلى هناك لكي يستنطقها عن علاقة ريم الشهلاوي ( زوجة أبيه ) بحمدي الاسيوطي  ( الموظف الذي يعمل في شركتهم ) بعد أن بدأ الشك يساوره حول طبيعة هذه العلاقة . لقد كانت ياسمين تتودد اليه لكي تكسب رضاه بعد أن ناب عن أبيه في أدارة أعماله لتضمن لقمة عيشها باعتباره صار ولي  نعمتها الجديد ، لكنه كان في شغل شاغل عنها : ” حسنا ً لقد التقط طرف الخيط الذي كان يبحث عنه. نهض بخلاف توقعها فقد كانت تنتظر أن يطلب منها الاستلقاء على السرير لتقوم بخدمته على طريقتها الخاصة لكنه جاء لاستنطاقها على ما يبدو . لم تكتم عنه رغبتها :

 

 ــ  ألا تريد أن أقوم بخدمتك ؟

 

أومأت إلى السرير فأدرك ما تقصد . فقال :

 

 ــ ليس الآن . في مرة قادمة . ” ( ص 287 )

 

ولم يفعل ذلك على الاطلاق .

 

لكن غزوان وقع في الخطيئة مع ثلاث نساء وقد لا يتحمل مسؤولية ذلك لوحده دون الطرف الآخر . كانت الأولى منهن ” نهال ” المدرّسة في المدرسة التي تدرس فيها أخته. والواقع انها هي التى استفزت غريزته فقد دفعها اعجابها الخفي به إلى أن  تخبر اخته انها على استعداد لمساعدته في استيعاب ما يمكن أن يستعصي عليه في الدروس العلمية التي هي من اختصاصها أو قريبة من اختصاصها  . لم يكن قد غادر مرحلة المراهقة بعد آنذاك وهي فترة استيقاظ الغريزة الجنسية ، كما انه تحرر من سطوة أبيه الذي ترك اسرته  ، ثم ان أباه كان قد قال عنه انه صار رجلا ً وربما أغراه ذلك لأن يمارس رجولته . والى جانب ذلك كان محكوما ً بطموح شديد للحصول على معدل عال ٍ في الامتحان الوزاري لذلك تودد إلى نهال والتحم معها جسديا ً لهذا الغرض معبّرا ً في ذلك عن جانب من السلوك الانتهازي للبرجوازية الصغيرة  متمثلا ً بسيرة أبيه من قبله . والأسباب نفسها تقريبا ً هي التي جعلته يقترب من ” أم رهيف ” فقد كان يسعى للحصول على تأجيل دراسته ودراسة خطيبته لمدة سنة، في كلية الهندسة التي تم قبولهما فيها ، وقد أفلحت أم رهيف في مساعدتهما . ونلاحظ انه حاول أن يكفّـّر عن خطيئته مع الاثنتين من خلال الهدية التي اختارها لهما لدى عودته من الكويت ، وهي هدية مزدوجة تتمثل في مصحف بحجم الكف ومصحف صغير بغطاء من الذهب وسلسلة ذهبية ، مع ما تحمله هذه الهدية من دلالة ( وهو ما أشار اليه الباحث والناقد داود سلمان  الشويلي في دراسته التي أشرنا اليها ) . أما الخطيئة الثالثة فهي من الكبائر لكنه لا يتحمل  وزرها  . لقد أرسله أبوه إلى الكويت ليحل محله في ادارة أعماله هناك وأوصاه أن يرعى زوجته وابنتيه منها فوعده أن يفعل ذلك ، فصار  يتودد اليها لهذا السبب ليكسب رضاها ورضا أبيه معا ً  . لم يحسب  نذير الحسيبي حساب ان ابنه في فورة شبابه وقد غادر مرحلة مراهقته للتو  ، فأفرد له غرفة إلى جانب غرفة الزوجية التي ستنفرد زوجته بها في غيابه ، في جناح يمكن ان يصبح منعزلا ً تماما ً مما يمكن أن يوفر خلوة لأي رجل وامرأة . وهكذا أصبح غزوان  محط اهتمام الزوجة  وقد افتتنت بوسامته الآسرة من اللحظة التي وقع فيها بصرها عليه للمرة الأولى. وكان واضحا ً ان كل تصرفاتها وأقوالها تشي بأنها عقدت العزم على أن تقوده إلى جسدها . وحين شعرت انه لا يستجيب إلى اغرائها عمدت إلى ما جعله يشعر بانها على استعداد لتحطيم المستقبل الذي يحلم به بالافتراء عليه أمام أبيه وها هو يفكرعلى لسان السارد: ” يالها من ماكرة يمكنها أن تحطم مستقبله دون أن يرف لها جفن . ساوره مزيج من الاشتهاء والخوف والحقد والرغبة في الانتقام وهاهو هذا المزيج يبسط سطوته على روحه وجسده معا ً (ص 305 ) . وأغلب الظن ان الحقد والرغبة في الانتقام كانا موجهين إلى أبيه الذي وضعه في هذا المأزق فضلا ً على انه رأى الفارق الشاسع بين البؤس الذي تعيشه امه والترف الذ ي تعيشه ريم الشهلاوي ، ” وسيظل ما فعله وشما   ًفي روحه لا يمحى طوال حياته ” ( ص 333 ) .

 

أما الأم ( فطم ) فإن الرغبة في الانتقام كانت وراء وقوعها في خطيئتها مع هشام  ابن حميّها الذي هو في عمر ابنها . لقد أهملها زوجها وعاملها بقسوة وتركها هي وابنها وابنتها وركض وراء أطماعه وتزوج من أخرى دون علمها ، وكأنها أرادت بتصرفها مع هشام أن تفصح عن احتجاجها على زوجها وتنتقم منه .لكنها تراجعت ، هي الأخرى ، وقررت التوقف عما قامت به وأفصحت عن ندمها فقد قالت لهشام وهي تنهي علاقتها به : ” سأعود لأكون أما ً لك مثلما كنت من قبل ، وليغفر الله لي ما ارتكبته بحق نفسي وحقك أيضا ً من ذنب ” ( ص 230 ) .

 

وختمت  الرواية سردها  بأن أنزلت  عقابها بنذير الحسيبي  الذي قاده جشعه إلى أن يخسر كل شيء في آخر المطاف وهو عقاب يستحقه !