ضوء على رسالة جاسم الحلوائي 3 بطاطو: هولاكو لم يرتكب مجازر وحشية إقترفت بحق تركمان العراق عبد الحسين شعبان بيروت وجّه الرفيق جاسم الحلوائي ” أبو شروق” رسالة مفتوحة لي عبر المواقع الألكترونية، وكنت قد استلمتها مع رسالة موجّهة منه إلى الرفيق ” أبو سفيان” مع ” محبته”، يطلب منه تدقيقها وإعادتها، ثم ورد في رسالته المرسلة لي ” ليست للنشر الآن”، لكنني استلمتها من صديق منشورة على موقع الحوار المتمدّن (مع رابطها)، ثم علمت بنشرها في جريدة الحزب (طريق الشعب)، وفي وقت لاحق وصلني كتاب تصحيح واعتذار بإعادة نشر فقرة منها. لقد ساهم الكونفرنس الثاني 1956 في استعادة هوّية الحزب بعد توحيده، وكان التقرير الذي كتبه عامر عبدالله وبإشراف سلام عادل، قد عكس ذلك، خصوصاً وقد ترافق مع جو الحماس العروبي والانتعاش القومي التحرري وتلك كانت وراء القراءة الجديدة والتصحيحية للكونفرس الثاني للحزب الشيوعي، “المخالفة” من حيث التوجّه لسياسة الحزب عشية إعدام فهد وما بعدها، فالأمر يعود إلى أن العالم العربي شهد كله والعراق بشكل خاص انتعاشاً وطنياً وعروبياً، وخصوصاً قبيل وبُعيد العدوان الثلاثي على الشقيقة مصر، بتأميم قناة السويس وانطلاق أصوات تدعو لتأميم النفط وإسقاط الأنظمة القائمة. والجدير بالذكر أن الكونفرس الثاني الذي سبق انتفاضة العام 1956 ببضعة أشهر، حيث انعقد في أيلول (سبتمبر) 1956، كان قد أكّد على هوّية الحزب العراقية في إطار محيطه العربي ” لتحرير أرض العروبة من الإستعمار والتخلّف…” لغة جديدة ويلاحظ هنا أيضاً اللغة الجديدة المستخدمة في الكونفرنس ووثائقه وهي لغة مختلفة عمّا ساد من خطاب طيلة الفترة من بعد العام 1948 ولغاية الكونفرنس الثاني العام 1956 ابتداءً من عنوان التقرير، ومروراً بالعديد من مفاصله الأساسية التي أكدت على “أمة العرب” و”الوحدة القومية” و”الوحدة العربية” و”وحدة العرب” و”ركب العروبة” و”حركة التحرر العربي” و”خطر الصهيونية والاستعمار” واعتبار ” إسرائيل” قاعدة للاستعمار، وإن الحل العادل والجذري يكمن بالقضاء على الاستعمار وحكم عملائه وصنيعته الصهيونية المجرمة… وأعتقد أن لجان التثقيف الحزبي لم تضع يوماً في جدول عملها قراءة وثائق الكونفرنس الثاني، لا سيّما بعد محاولات “ازدراء” العروبة أو تبشيعها، لدرجة أنها أصبحت كلمة منبوذة أو مرذولة، بل أن بعضهم حاول أن ينسبها إلى صدام حسين وحزب البعث في ممارساتهم القمعية ضد الآخرين دون أن يدرك خطر ذلك على هوّية الحزب الوطنية والقومية، في حين أن التقرير مؤيدٌ من سلام عادل وأعضاء الكونفرنس، بل وكان الحزب عموماً آنذاك قد تبنّاها!. وكنت قد اقترحت على لجنة العمل الآيديولوجي المركزي التي كان سكرتيرها كريم أحمد الداوود عضو المكتب السياسي وضمّت عضويتها مهدي عبد الكريم عضو اللجنة المركزية وأبو سمير الذي استشهد في بشتاشان” وكاتب السطور، أن تدرج وثائق الكونفرنس الثاني ضمن البرنامج التثقيفي لعموم هيئات الحزب، لكنه لم يتسنَ لنا الحصول عليها وأبدى مهدي عبد الكريم (أبو كسرى) ملاحظة عن احتمال التوسع بمطالبتنا بوضع وثائق المؤتمرات الثلاثة للحزب بما فيها المؤتمر الثالث المؤيد للجبهة مع حزب البعث ضمن البرنامج، الأمر الذي قد يثير بعض الإشكالات التي نحن في غنىً عنها. وقد تمّت الموافقة على اقتراحي بإعادة طبع كرّاس” ردّ على مفاهيم برجوازية قومية وتصفوية” الذي صدر في العام 1957 ردّاً على بعض التيارات القومية الإنعزالية في إقليم كردستان داخل الحزب الشيوعي . وكانت لجنة العمل الآيديولوجي تشرف على إصدار نشرة ” مناضل الحزب” وهي نشرة داخلية صدر منها أربعة أعداد في حينها (1982-1983). بالعودة إلى التقرير الذي صدر عن الكونفرنس فقد كان عنوانه هو ” خطتنا السياسية في سبيل التحرر الوطني والقومي” وجاء فيه دعوة إلى “تحقيق أمة العرب أجمع في الوحدة القومية”، استناداً إلى أن هذا العصر هو عصر الشعوب والانبعاث القومي للأمم المستعمَرة والمضطهَدة، من أجل حق تقرير المصير. أما أهم النقاط التي يمكن إضاءتها وهي تعكس العقل الستراتيجي لعامر عبدالله وسكرتير الحزب سلام عادل فهي: 1- تأييد السياسة السوفييتية بشأن مبدأ التعايش السلمي بين الدول بغضّ النظر عن نظامها الاجتماعي، معتبراً المؤتمر العشرين ” حدثاً خطيراً” فتح أمام البشرية جمعاء آفاقاً رحبة، وعلمنا درساً ثميناً في توحيد الحركة الشيوعية والحرص على وحدة حزبنا وتعزيز قوى السلم في بلدنا…” 2- إدانة حلف بغداد باعتباره أداة لاستبعاد الشعوب، وأن هدف الغرب هو استرقاق بلدان الشرق العربي، وأن نضال شعوب الشرق ضد الكتل الاستعمارية، إنما هو نضال من سبيل الاستقلال الوطني، داعياً إلى الانسحاب من ميثاق بغداد الاستعبادي العدواني. 3- أكّد التقرير على الوحدة العربية حيث جاء فيه: ” إن وحدة العرب أصبحت باهرة بعد أن أزيحت السياسات الخاطئة”، مؤكداً ” ركب العروبة الزاخر بالحيوية” معتبراً الحركة القومية العربية حركة تقدمية ديمقراطية بمحتواها وشكلها وإن الطريق إلى الوحدة التامة (المقصود والشاملة) ينفتح على أساس زوال الاستعمار عن العالم العربي وتحقيق الاصلاحات الديمقراطية وفي ذلك نقد ذاتي واعتراف صريح بضرورة تصحيح مسار الحزب ومواقفه بشأن بعض الإتجاهات الانعزالية وضيقة الأفق، والموقف الخاطئ من قيام إسرائيل، والشعارات والتكتيكات السلبية والضارة التي اتّخذها الحزب خلال تلك الفترة. وهو ما نشرته صحيفة اتحاد الشعب في أواسط تشرين الأول (اكتوبر) العام 1956. 4- أكّد على ضرورة قيام الجهة الوطنية الموحّدة، باعتبارها سلاحاً في معركة التحرر الوطني، وهي حقيقة قائمة، تنشأ وتنمو وتتعزّز في نار المعارك الوطنية. ولأول مرة وبهذا الوضوح يخاطب جماهير الضباط والجنود ويدعو إلى اتحاد قوى الشعب، كما ذكّر بالشخصيات الوطنية مثل: شعلان أبو الجون ( أحد قادة ثورة العشرين) والزعيم الكردي الشيخ محمود الحفيد (الذي قاد ثورة العام 1919 في السليمانية) ومحمد جعفر أبو التمن والزعيم الوطني العراقي وحسن الأخرس وعبد المجيد كنّه من الشخصيات الوسطية العراقية ومصطفى خوشناو العسكري الكردي الذي أعدم في أواسط الأربعينيات. 5- شدّد النقد ضد شركات النفط التي تنهب ثروة العراق. 6- حيّا تأميم قناة السويس وانتقد حكومة نوري السعيد ومؤامراتها “السافلة” في الظلام لكسر عضد نصر القومية 7- شدّد الحزب في تقريره على: خطر الصهيونية والإستعمار وبعض العناصر المشبوهة. وفي إطار نقد ذاتي جريء حذّر من ” تسرّب المفاهيم الخاطئة إلى ملاكات الحزب بعد حرب عام 1948″ وذلك في إطار مراجعة جادة لم تستمر للأسف بشأن الموقف من الصهيونية وإسرائيل. واعتبر إسرائيل قاعدة الإستعمار، وأن الحل العادل والجذري يكمن بالقضاء على الإستعمار وحكم عملائه وصنيعته الصهيونية المجرمة”. ولعلّ في ذلك ردًّا غير مباشر على الأطروحات الصادمة للمزاج الشعبي التي كتبها زكي خيري من السجن في مناقشة لعزيز شريف بخصوص القضية الفلسطينية التي نشرها في جريدة الوطن في حينها ، مبرراً كون ” اليهود أمة” ولهم ” الحق في تقرير المصير” وأن إسرائيل ” دولة ديمقراطية” مقارنة بالبلدان العربية الرجعية، لأن فيها حزباً شيوعياً علنياً ونقابات مرخّص بها. 8- شدّد على المهمات العاجلة التي تتلخص في تحويل السياسة القائمة من سياسة تعاون مع الاستعمار وتوافق مع الصهيونية وانعزال عن حركة التحرر العربي إلى سياسة مستقلة، مؤكداً على التضامن العربي. 9- وعند حديثه عن الحركة التحررية العربية ربطها بالمسألة القومية الكردية بالقول: هاتان الحركتان التقدميتان ضد الإستعمار وأحلافه، تتضافران في سبيل التحرر الوطني والقومي ” وليس ثمة طريق في الظرف الراهن سوى طريق الكفاح مع الحركة التحررية العربية الصاعدة، في سبيل التحرر الوطني والقومي لجماهير الشعب العراقي، في سبيل الوحدة العربية وتأمين الاستقلال الذاتي لكردستان العراق وفق اتحاد اختياري كفاحي أخوي يفتح أمام الشعب الكردي طريق التحرر الشامل والوحدة القومية للأمة الكردية”. وأكّد التقرير على أن الشعب الكردي في العراق هو جزء لا يتجزأ من الأمة الكردية في جميع أجزاء كردستان التي مزقها الاستعمار. ودعا التقرير إلى الاعتراف المتبادل بحق تقرير المصير وبمشروعية كفاح الشعبين العربي والكردي إلى التحرر والوحدة القومية، مؤكداً الأخوة العربية- الكردية. وكان الحزب الشيوعي قد تبنّى موقفاً متقدماً بشأن المسألة الكردية، حين دعا منذ العام 1935 إلى مبدأ حق تقرير المصير، واعتمد قاعدة الاستقلال الذاتي لكردستان العراق في العام 1956 في كونفرنسه الثاني، تجسيداً لذلك المبدأ في الواقع العملي، داعياً إلى وحدة الأكراد القومية، مثل دعوته إلى الوحدة العربية، في إطار التحالف بين الحركتين التحرريتين العربية والكردية. للاطلاع على موقف الحركة الشيوعية في العراق من المسألة الكردية : جدير بالذكر أن ناصر عبود عضو المكتب السياسي في حينها يستبعد الدور المنسوب لعامر عبدالله في كتابة تقرير الكونفرنس الثاني لأنه حسبما يقول: لم يكن لا جمال الحيدري ولا عامر عبدالله في عداد اللجنة المركزية آنذاك، بل هما شاركا في الكونفرنس الذي انتخبهم من بين الحاضرين ليكونا عضوين في اللجنة المركزية، ويذكر أن سلام عادل كان له الدور البارز في الإعداد، لكن ذلك لا يمنع من أن يكون سلام عادل قد استعان بعامر عبدالله في كتابة التقرير. (جميع هذه النصوص مستقاة من الكتاب). علاقة شخصية وحول العلاقة الشخصية ولاسيّما قبل العام 1958 يتندّر عامر عبد الله عن كرم سلام عادل: فيقول كنّا في دمشق، وقد ذهبنا لتناول العشاء، في مطعم في شارع بغداد، ويومها كان سلام عادل منشرحاً بعد أخبار سارة عن علاقات الضباط الأحرار والتئام الحزب وتوسّع نشاطه تحضيراً لثورة 14 تموز (يوليو)، لا سيّما بوعود عربية واشتراكية بدعمها عند قيامها بعد جهود مضنية وشروحات مطوّلة قدمت للأصدقاء والأشقاء، فاعتدل في جلسته ونادى على النادل ونقّده (أي منحه)” ليرة” سورية قائلاً” جيب أي (إجلب) لنا إضافي لما يريده الشباب، ونظر إلى عامر عبد الله قائلا: أبو عبد الله أكو فلوس(أي توجد نقود).. نحن “زناكين” (أي أغنياء) وهي لفتة يحبّها عامر عبد الله ، وكان يقوم بتمثيلها كثيراً، خصوصاً وأن لقاءه مع أبو إيمان (حسين أحمد الرضي- سلام عادل، أمين عام الحزب آنذاك) كان حرّاً وبدون عوائق سواء في دمشق أو في موسكو، في حين عندما كان يلتقيه في بغداد متخفياً لابساً العقال والكوفية أو متنكّراً بزي آخر أو في أحد البيوت الحزبية، ويتحدّثان على نحو هامس في ظروف العمل السري والملاحقة. ويذكر عامر عبد الله أنه في أحد أيام عيد الحزب أو احتفاءً بإحدى مناسباته، أولمت السيدة ثمينة ناجي يوسف (زوجة سلام عادل) طعاماً إضافياً وبنوعيات أفضل، وأنها حضّرت لهم “طبقاً من الدولمة” ودجاجاً وما شابه، الأمر الذي يُعتبر بذخاً في تلك الأيام العصيبة وظروف الحزب المالية القاسية (العام 1956 أو ما بعده) وخاطب سلام عادل عامر عبد الله والآخرين: كُلوا فالحزب يريدكم أقوياء!! ومزايا سلام عادل تتعدى كونه شهيداً وبطلاً، فهذا أمرٌ مفروغ منه، لكن قيمته الحقيقية هي في مواهبه ومبادرته التنظيمية وعقله الستراتيجي في التقاط الجوهري من الأشياء وقدرته في الاستفادة من الكفاءات التي حوله، ولاسيّما قبل ثورة 14 تموز (يوليو) 1958، كما حاول بعد الثورة ضم وإشراك الكثير من القيادات ” التاريخية” و”الشابة” لاحقاً إلى قوام اللجنة المركزية وهيئات الحزب، لتوسيع دائرة اتخاذ القرار على الرغم من بعض تناقضاتها وذلك يتجلّى بعمله الدؤوب في استعادة وحدة الحزب دون إقصاء أو إلغاء أو تهميش، بل بمشاركة واعية، وكذلك في إعداد الكونفرنس الثاني العام 1956، والذي أعتبر شخصياً وثائقه من أهم وثائق الحزب وأنضجها حتى الآن، آخذاً بنظر الاعتبار سياقها التاريخي، وهي الوثائق التي لم يتم الحديث عنها منذ نصف قرن وكأنها أصبحت نسياً منسياً، ثم في التحضير لجبهة الاتحاد الوطني العام 1957 وإقامة علاقة مع شبكة الضباط والجنود والأشراف على التنظيم العسكري، والإعداد للثورة بالعلاقة مع الضباط الأحرار العام 1958. وحتى بعد الثورة فقد كان الترويج لأهم شعارات الحزب من صنع ومشاركة سلام عادل وقيادة الحزب، بحيث أصبحت قوة مادية في الشارع وهي الخروج من حلف بغداد الاستعماري والتحلّل من الاتفاقيات والمعاهدات الاسترقاقية المذلّة، والانسحاب من نظام الكتلة الاسترلينية والدعوة للإصلاح الزراعي، والتوجه لاستعادة حقوقنا من شركات النفط الاحتكارية، والانعطاف نحو المعسكر الاشتراكي، والمطالبة بالحريات وإبراز أهمية حقوق المرأة ومساواتها مع الرجل، لاسيّما في العام الأول من عمر الثورة. ولهذا لا يمكن اختزال سلام عادل إلى مجرد إرسال برقية أو إصدار بيان أو إشراف على الجريدة (وجاءت على نحو يفهم منه هيمنة) كما ورد في التعليق. لكن الخلافات التي دبّت في الحزب الشيوعي، إضافة إلى نهج الغرور ومحاولة الانفراد بالشارع وتهميش دور الآخرين دفعتنا إلى ارتكاب أخطاء عديدة اعترف بها على نحو شجاع تقرير العام 1959 (اجتماع ل.م) وإن كان الأمر يحتاج إلى طائفة من التدابير لم يتم التوصل إليها، وهو ما أضعف محتوى سياستنا وجوهرها خصوصاً، بعض الأطروحات العائمة فما معنى: كفاح، تضامن، كفاح، كما أن شعار ” السلم في كردستان” لم يكن شعاراً يليق بالحزب الشيوعي، خصوصاً وأن الشعب الكردي يتعرّض للقصف ولكننا عدّلنا ذلك بالتقرير الذي أعدّه جمال الحيدري وأشرف عليه سلام عادل حول القضية الكردية، ولكن بعد فوات الأوان. كان الحزب يتصرّف وفقا لرد الفعل وينتظر القدر ” الغاشم” (المؤامرة المنتظرة ليتصدّى لها) وتدريجياً لم يكن لنا حلفاء يعتدّ بهم، أما ما أطلق عليه ” النضال الجماهيري” فقد انحسر بالتدريج حيث ضعفت مبادراتنا، وكانت أقرب إلى ردود فعل سواء إزاء سلطة قاسم أو بخصوص المسألة الكردية، أو لمواجهة الإضراب الطلابي الذي فرضه البعثيون والقوميون والاتحاد الوطني لطلبة العراق تحضيراً لانقلاب 8 شباط (فبراير) الدموي العام 1963 وغيرها. خطة طوارئ ولم يكن التراجع منظّماً واتّضح أننا واجهنا التحدّيات بخطة طوارئ فاشلة “وبمسدس مايثور” “لأنه تعرّض للصدأ” حسب وثيقة التقويم، كما أن مواجهة انقلاب 8 شباط (فبراير) كانت محدودة على الرغم من البطولة والبسالة، وكل ذلك حتى وإن كان يتحمل قسطه الأكبر الرفيق سلام عادل بصفته التنظيمية بنجاحاته وإخفاقاته، لكنه لا ينبغي نسيان خصاله الباهرة وسجاياه، وشفافيته الإنسانية المتميّزة ، فضلاً عن بطولته النادرة، وذلك دون المتاجرة بدم الشهداء وفي مقدمتهم سلام عادل. فنحن إزاء تقويم سياسي وعلينا أن نضع العواطف جانباً، فضلاً عن محاولات التشويه. أما عن ما ورد مشوّهاً وإغراضياً عن عامر عبدالله وسلام عادل، فكانت رؤيتي ولا تزال أن عامر عبدالله لم يرغب أن يكون الرجل الأول في الحزب حتى لو اتيحت له الفرصة، لكنه يريد أن يتصدّر المقاعد الأولى باستمرار، اعتزازاً بنفسه وتقديراً لكفاءاته، وهو كما ذكرت بالنص ” ولعلّ انطباعاتي الشخصية بأن عامر عبدالله لا يريد أن يكون الشخص الأول، وإنما يريد توجيه الشخص الأول، على أن يترك له كامل الحرية للتصرف، وبذلك يكون أكثر انسجاماً وأظن أن فترة 1956-1958 سارت بهذا الاتجاه، لاسيّما في ظروف العمل السري”، وهذه رغبة عامر عبدالله وقد تتحقق وقد لا تتحقق، وقد يرتضي بشيء منها وقد لا يرتضي، ولذلك حدث الاختلاف مع سلام عادل، بل والافتراق، بسبب عدم الانسجام وعدم تحقق رغبات عبدالله. وقد استنتجت ذلك من مواقف أخرى ذكرتها في الكتاب أيضاً، فهو يعتبر نفسه الأجدر والأفضل واعتاد أن يكون في الصفوف الأولى استحقاقاً له، وعندما سألته كيف أُنتخب الرفيق عزيز محمد ، فقال إنه اعتذر وأصرّ على اعتذاره، وحاولنا اقناعه أن يكون أميناً عاماً لعام واحد ونحن نساعده، فاضّطر للموافقة “مرغماً”، لكنه أضاف أنه تمسّك بالموقع لـ29 سنة، وتقديري مرّة أخرى وانطباعي الشخصي أنه كان يريد أن يعطيه عزيز محمد صلاحيات واسعة قد تصل إلى بعض صلاحياته، ويطلق يديه كما أطلقها لفخري كريم في الثمانينيات، لكن أمله خاب. ومرّة ثالثة وهذا موجود في الكتاب أيضاً لمن يقرأ، سألته من تعتقد سيكون الشخص الأول للحزب الذي كنّا ننوي تأسيسه فأجابني على الفور ودون تفكير أو تردّد: باقر ابراهيم، وعندما قلت له لماذا قال: إنه يعرف غالبية الرفاق ولديه اهتمام بموضوع التنظيم، ويمكننا أن نتفاهم مع مراعاة ما خلّفته الحرب العراقية – الإيرانية من نزعات في المجتمع وفي بلدان المهجر، ولذلك فإنه الأصلح. وقلت له لماذا لا تكون أنت أو باقر أحدكما رئيساً والآخر أميناً عاماً، ولكل منكما نائبان تأكيداً للعمل الجماعي، وهنا شعرت أنه يستطيع التفاهم مع باقر ابراهيم ولا يريد توسيع الدائرة، بحيث تكون صلاحياته واسعة، وهو ما يرغب به أهم من الموقع الأول الذي عليه تبعات أخرى. وأعود مرّة أخرى إلى هذه المسألة فحين أسسنا المنبر الشيوعي سأله ماجد عبد الرضا لماذا لا تأتي معنا، فكان جوابه إنكم تعملون ونحن معكم، وكان يريد لملاحظاته حتى وإن كان خارج المجموعة أن تؤخذ بنظر الاعتبار، بما فيها بعض ما نشرناه في الجريدة. وقد ظلّت عينه الأولى على إدارة الحزب، أما الثانية فعلى المعارضة الحزبية، وهناك تفاصيل كثيرة في الكتاب، لكن خيبته ومرارته تضاعفت عندما لم يلقَ ما يريده من السوفييت وكذلك من عدد من الأحزاب الشقيقة والصديقة، سوى التعاطف والتسهيلات المحدودة، ولكن القنوط هيمن عليه إلى درجة كبيرة عند انهيار الاتحاد السوفييتي، حينها شعر الفداحة الأكبر وكأنه خسر أعز ما يملك. أعرف أن هذه القراءة غير تقليدية وغير مألوفة لكثيرين سواء حول شخصية عامر عبدالله أو النظر إلى المواقع الحزبية، إنها حالة سسيولوجية وسايكولوجية تتعلق بمواقف القيادة وعلى كل هي انطباعات شخصية، استقيتها من علاقتي بعامر عبدالله في السنوات الأخيرة ومن تجربتي الشخصية وفهمي الخاص، وهي على كل حال اجتهاد إن أصاب فلنا أجران وإن أخطأ فلنا أجر الاجتهاد حسب الإمام الشافعي . أما بخصوص مجزرة كركوك فلا تزال آثارها باقية لحد الآن بل تؤرق ذاكرة التركمان، والذاكرة الحقوقية والإنسانية بشكل عام، وليس من الصحيح القول: بعد بضعة أسابيع تم نسيانها كما ورد في التعليق بتسطيح الأمور. دليلي أنه في الذكرى الخمسين لثورة 14 تموز (يوليو) العام 2009 جدّدت مجموعة سياسية تركمانية مطالبها بالاعتذار الرسمي من قبل الشيوعيين العراقيين والزعامات الكردية، عن المجزرة الدامية التي شهدتها مدينة كركوك. وكما ذكرت العديد من المصادر أن عدد القتلى كان 31 ، أما الجرحى فبلغ عددهم 130 وتم نهب 70 محلاً تجارياً تعود للتركمان، كما تم قصف دار السينما ومناطق أخرى. المأساة المروّعة في حينها كانت تستوجب ولا تزال: 1- ردّ الاعتبار للضحايا الأبرياء وعوائلهم وتخليدهم وإبقاء الذاكرة حيّة، لكي لا يحصل ما حصل دون ردع أو مساءلة . وقد يؤدي ذلك إلى إطفاء جزء ولو يسير من نار الكراهية والحقد والضغينة والانتقام والثأر والكيدية، وما إلى ذلك تلك التي ترتفع عقيرته اليوم على نحو صاخب ومدمّر، والأمر يتعلق بالمرتكب والضحية على حدّ سواء. 2- اعتذار رسمي من الذين يتحمّلون المسؤولية المباشرة أو غير المباشرة، بمن فيهم من تواطأ وسكت وأخفى المعلومات ولم يقدّمها في حينه للسلطات. 3- تقديم تعويض مناسب بعد جبر الضرر المادي والمعنوي. 4- كنت سأقول كشف الحقيقية كاملة والمساءلة، ولكنني أدرك حساسية الأوضاع وأعمال القتل اليومي، وكل ذلك يتعلق بملف العدالة الانتقالية المعروف في الأدب الحقوقي العالمي، مع التأكيد على إصلاح الأجهزة الأمنية والقانونية والقضائية. ولا يمكن الاستخفاف بالذاكرة، بالقول “وباتت الاشاعات والمبالغات التي تتحدث عن مظلومية التركمان، الذين ظلموا فعلاً، تنتشر وتصدّق بسرعة”. يا لإنسانية هذا الاستنتاج العظيم بخصوص مجزرة رهيبة يصفها حنا بطاطو ” إن هولاكو لم يرتكب مثل هذه الأفعال الوحشية ولا الصهاينة فعلوا” وأطلق ” إسم الأوغاد وبلا شرف ولا ضمير وأحطّ من الفاشيين” على المرتكبين. لقد آذت أحداث كركوك المأسوية الشيوعيين، خصوصاً وأنها جاءت بعد أحداث الموصل وفي الجو المشحون سياسياً وقومياً، لاسيّما بعد أن رفعنا شعاراً راديكالياً نطالب فيه بضم الحزب إلى الحكومة بطريقة الضغط الجماهيري من الأسفل إلى الأعلى، الأمر الذي أخاف قاسم والقوى الداخلية والخارجية المعادية للشيوعية، وبالطبع فإنها وجدت في أحداث كركوك مادة دسمة تستطيع أن تتغذّى عليها لآجال طويلة، لاسيّما وأننا كنّا من بين من وجهت إليهم الاتهامات، وهو ما وصل إلى الزعيم عبد الكريم قاسم في مذكرة شاملة آنذاك، وبادر الزعيم إلى إدانتها بخطابه المدوّي في كنيسة مار يوسف ببغداد، مشيراً إلى الفوضويين، ولم يكونوا هؤلاء سوى نحن. وجاءت المجزرة في أجواء منافسة محمومة بين الأكراد والتركمان، ساهم فيها شيوعيون من الأكراد، لكنهم أعضاء في الحزب الشيوعي، بما فيه من بعض أعضاء المنظمات الديمقراطية، المحسوبة على ملاك الحزب. لا يمكن الاعتداد بشهادتين، أحدهما لمسؤول الفرع الكردي، الرفيق الأمين العام السابق، لأن الحزب أُقحم كطرف في القضية، من خلال عدد من الشيوعيين، والثاني لمسؤول كردي كطرف آخر بالقضية. وكنت في حديث مع الرفيق عزيز محمد أدعوه لكتابة مذكراته، فاعتذر حينها بتواضعه المعهود، بأنه ليس زعيماً ولا قائداً فهو ليس الجادرجي أو محمد مهدي كبّة أو البارزاني أو حتى الجواهري، وإنه مجرد مسؤول مكلّف لفترة معينة في قيادة الحزب. ثم أضاف إنه ليس بكاتب كي يخطّ يراعه ما يريده الناس وما ينتظرونه. قلت له لكنك مسؤول وأمين عام لأهم وأخطر حزب شيوعي في الشرق الأوسط لنحو ثلاثة عقود من الزمان وعلينا أن نستجلي منك بعض الخفايا والخبايا والأسرار. ماذا حصل بانشقاق الشغيلة؟ وبعد الثورة وبشكل خاص أحداث كركوك وأنت مسؤول الفرع الكردي وأحداث الموصل، ثم كيف انتُخبت أميناً عاماً؟ وما هو موضوع خط آب وانشقاق العام 1967 والعلاقة مع البكر وصدام؟ وهل هناك اتفاقات سرّية، ثم تجربة الكفاح المسلح؟ وحتى موضوع الكتابة يمكن حلّه عبر تسجيلات شريط الكاسيت أو الفيديو وهناك من يفرّغها ويحررّها، ولكنه استمرّ في اعتذاره، وحتى اليوم فإن المقابلات والحوارات التي أجراها معظمها دون تفاصيل تُذكر.























