خراب‭ ‬المعنى- مروان ياسين الدليمي

في‭ ‬النقد‭ ‬الفني،‭ ‬حين‭ ‬تُعلَّق‭ ‬لوحةٌ‭ ‬عظيمة‭ ‬في‭ ‬مكانٍ‭ ‬لا‭ ‬يليق‭ ‬بها،‭ ‬أو‭ ‬تُضاء‭ ‬بطريقةٍ‭ ‬سيئة،‭ ‬أو‭ ‬تُستخدم‭ ‬بوصفها‭ ‬قطعة‭ ‬ديكور‭ ‬بدل‭ ‬أن‭ ‬تُقرأ‭ ‬بوصفها‭ ‬عملًا‭ ‬جماليًا،‭ ‬فإن‭ ‬الضرر‭ ‬لا‭ ‬يصيب‭ ‬اللوحة‭ ‬وحدها،‭ ‬بل‭ ‬يصيب‭ ‬عين‭ ‬المتلقي‭ ‬أيضًا‭. ‬فهو،‭ ‬مع‭ ‬الوقت،‭ ‬يتوقف‭ ‬عن‭ ‬رؤية‭ ‬ما‭ ‬كان‭ ‬يجب‭ ‬أن‭ ‬يراه‭.‬

وهذا‭ ‬بالضبط‭ ‬ما‭ ‬يحدث‭ ‬للمجتمعات‭ ‬حين‭ ‬يُساء‭ ‬استخدام‭ ‬الرموز‭ ‬السياسية‭.‬

فالانتخابات‭ ‬التي‭ ‬تُمارس‭ ‬من‭ ‬دون‭ ‬أن‭ ‬تنتج،‭ ‬أو‭ ‬التي‭ ‬تُنتج‭ ‬ثم‭ ‬يُعاد‭ ‬تأويل‭ ‬إنتاجها‭ ‬في‭ ‬غرفٍ‭ ‬مغلقة،‭ ‬لا‭ ‬تُضعف‭ ‬ثقة‭ ‬المواطن‭ ‬بالسياسيين‭ ‬فقط،‭ ‬بل‭ ‬تُعيد‭ ‬تشكيل‭ ‬وعيه‭ ‬بطريقةٍ‭ ‬أخطر‭ ‬بكثير‭: ‬تُعلّمه‭ ‬ألا‭ ‬يثق‭ ‬بالفعل‭ ‬المدني‭ ‬نفسه‭.‬

وهنا‭ ‬يبدأ‭ ‬الانحدار‭ ‬الحقيقي‭.‬

ليس‭ ‬لأن‭ ‬الناس‭ ‬ستثور،‭ ‬أو‭ ‬ستحتج،‭ ‬أو‭ ‬ستكتب‭ ‬بيانات‭ ‬الغضب‭. ‬فهذه‭ ‬كلها‭ ‬علامات‭ ‬حياة‭. ‬

الخطر‭ ‬يبدأ‭ ‬حين‭ ‬يتوقف‭ ‬الناس‭ ‬عن‭ ‬الغضب‭ ‬أصلًا‭. ‬

حين‭ ‬يصبح‭ ‬خبر‭ ‬تشكيل‭ ‬الحكومة،‭ ‬أو‭ ‬سقوط‭ ‬التحالفات،‭ ‬أو‭ ‬تبدل‭ ‬الأسماء،‭ ‬حدثًا‭ ‬بلا‭ ‬أثرٍ‭ ‬وجداني‭. ‬

حين‭ ‬يُقال‭ ‬إن‭ ‬الانتخابات‭ ‬اقتربت،‭ ‬فيرد‭ ‬الجيل‭ ‬الجديد‭ ‬بابتسامةٍ‭ ‬ساخرة‭ ‬لا‭ ‬تحمل‭ ‬اعتراضًا‭ ‬بقدر‭ ‬ما‭ ‬تحمل‭ ‬معرفةً‭ ‬مسبقة‭.‬

في‭ ‬تلك‭ ‬اللحظة،‭ ‬لا‭ ‬تكون‭ ‬الديمقراطية‭ ‬قد‭ ‬فشلت‭ ‬سياسيًا‭ ‬فقط،‭ ‬بل‭ ‬تكون‭ ‬قد‭ ‬فقدت‭ ‬موقعها‭ ‬في‭ ‬المخيلة‭ ‬العامة‭.‬

والدول‭ ‬لا‭ ‬تعيش‭ ‬بالموازنات‭ ‬وحدها،‭ ‬ولا‭ ‬بالدساتير‭ ‬وحدها،‭ ‬بل‭ ‬بما‭ ‬يسكن‭ ‬في‭ ‬مخيلة‭ ‬الناس‭ ‬عنها‭.‬

العراق،‭ ‬على‭ ‬امتداد‭ ‬العقدين‭ ‬الماضيين،‭ ‬لم‭ ‬يكن‭ ‬يعاني‭ ‬من‭ ‬نقصٍ‭ ‬في‭ ‬الانتخابات،‭ ‬بل‭ ‬ربما‭ ‬عانى‭ ‬من‭ ‬وفرتها‭. ‬كانت‭ ‬الصناديق‭ ‬تُنصب‭ ‬في‭ ‬مواعيدها‭ ‬تقريبًا،‭ ‬والحملات‭ ‬الانتخابية‭ ‬تُملأ‭ ‬بالشعارات،‭ ‬والوعود‭ ‬تُكتب‭ ‬بلغةٍ‭ ‬كبيرة،‭ ‬والبرامج‭ ‬تُقدَّم‭ ‬كما‭ ‬لو‭ ‬أن‭ ‬البلاد‭ ‬تقف‭ ‬دائمًا‭ ‬على‭ ‬أعتاب‭ ‬ولادةٍ‭ ‬جديدة‭. ‬لكن‭ ‬ما‭ ‬كان‭ ‬يتكرر‭ ‬بعد‭ ‬ذلك،‭ ‬في‭ ‬كل‭ ‬مرة‭ ‬تقريبًا،‭ ‬هو‭ ‬ذلك‭ ‬المشهد‭ ‬الذي‭ ‬بدأ‭ ‬العراقيون‭ ‬يحفظون‭ ‬تفاصيله‭ ‬عن‭ ‬ظهر‭ ‬قلب‭: ‬نتائج‭ ‬تُعلن،‭ ‬ثم‭ ‬تبدأ‭ ‬مرحلةٌ‭ ‬أخرى،‭ ‬مرحلة‭ ‬لا‭ ‬تبدو‭ ‬فيها‭ ‬الأرقام‭ ‬كافية،‭ ‬ولا‭ ‬المقاعد‭ ‬حاسمة،‭ ‬ولا‭ ‬الإرادة‭ ‬الشعبية‭ ‬نهائية‭.‬

في‭ ‬تلك‭ ‬المرحلة،‭ ‬تدخل‭ ‬البلاد‭ ‬إلى‭ ‬ما‭ ‬يشبه‭ ‬المنطقة‭ ‬الخلفية‭ ‬للمسرح‭. ‬هناك،‭ ‬بعيدًا‭ ‬عن‭ ‬التصفيق،‭ ‬تُعاد‭ ‬كتابة‭ ‬النصوص‭. ‬تتغير‭ ‬التحالفات‭. ‬يتصافح‭ ‬الخصوم‭. ‬تُنسى‭ ‬الخطب‭. ‬تُؤجل‭ ‬الوعود‭. ‬ويكتشف‭ ‬الناخب،‭ ‬مرةً‭ ‬أخرى،‭ ‬أن‭ ‬ما‭ ‬اعتقد‭ ‬أنه‭ ‬خاتمة‭ ‬العملية‭ ‬السياسية‭ ‬لم‭ ‬يكن‭ ‬سوى‭ ‬افتتاحيتها‭.‬

والأخطر‭ ‬من‭ ‬هذا‭ ‬كله،‭ ‬أن‭ ‬هذا‭ ‬المسار‭ ‬لم‭ ‬يعد‭ ‬يُمارس‭ ‬باعتباره‭ ‬استثناءً،‭ ‬بل‭ ‬تحول‭ ‬إلى‭ ‬نوعٍ‭ ‬من‭ ‬الثقافة‭ ‬السياسية‭ ‬شبه‭ ‬المستقرة‭.‬

والثقافات،‭ ‬حين‭ ‬تستقر،‭ ‬تصبح‭ ‬أكثر‭ ‬صعوبةً‭ ‬من‭ ‬القوانين‭ ‬في‭ ‬التغيير‭.‬

لأن‭ ‬القانون‭ ‬يمكن‭ ‬تعديله،‭ ‬لكن‭ ‬العادات‭ ‬التي‭ ‬تتسلل‭ ‬إلى‭ ‬وعي‭ ‬النخب‭ ‬وإلى‭ ‬توقعات‭ ‬الناس‭ ‬تصبح‭ ‬جزءًا‭ ‬من‭ ‬البنية‭ ‬النفسية‭ ‬للنظام‭ ‬نفسه‭.‬

ولهذا،‭ ‬لم‭ ‬يعد‭ ‬السؤال‭ ‬في‭ ‬العراق‭ ‬متعلقًا‭ ‬بمن‭ ‬يفوز،‭ ‬بل‭ ‬بمن‭ ‬يقرر‭ ‬أن‭ ‬الفوز‭ ‬يكفي‭.‬

ولم‭ ‬يعد‭ ‬السؤال‭ ‬متعلقًا‭ ‬بعدد‭ ‬المقاعد،‭ ‬بل‭ ‬بمن‭ ‬يملك‭ ‬حق‭ ‬تفسير‭ ‬معنى‭ ‬المقاعد‭.‬

ومن‭ ‬هنا‭ ‬يمكن‭ ‬فهم‭ ‬ذلك‭ ‬الإحساس‭ ‬المتنامي‭ ‬بأن‭ ‬البلاد‭ ‬لا‭ ‬تُدار‭ ‬دائمًا‭ ‬بالمؤسسات،‭ ‬بقدر‭ ‬ما‭ ‬تُدار‭ ‬بشبكةٍ‭ ‬من‭ ‬الشخصيات‭ ‬التي‭ ‬تجاوز‭ ‬حضورها‭ ‬حدود‭ ‬الأحزاب‭ ‬نفسها‭. ‬فالزعيم‭ ‬السياسي،‭ ‬في‭ ‬التجربة‭ ‬العراقية،‭ ‬لم‭ ‬يعد‭ ‬مجرد‭ ‬ممثلٍ‭ ‬لكتلة،‭ ‬بل‭ ‬تحول‭ ‬—‭ ‬في‭ ‬أحيانٍ‭ ‬كثيرة‭ ‬—‭ ‬إلى‭ ‬ما‭ ‬يشبه‭ ‬المؤسسة‭ ‬داخل‭ ‬المؤسسة،‭ ‬والقانون‭ ‬داخل‭ ‬القانون،‭ ‬والتفسير‭ ‬داخل‭ ‬النص‭.‬

إنه‭ ‬لا‭ ‬يقرأ‭ ‬النتائج‭ ‬فقط،‭ ‬بل‭ ‬يعيد‭ ‬تعريفها‭.‬

وحين‭ ‬تصل‭ ‬السياسة‭ ‬إلى‭ ‬هذه‭ ‬المرحلة،‭ ‬فإن‭ ‬الانتخابات‭ ‬تبدأ‭ ‬في‭ ‬التحول‭ ‬من‭ ‬أداةٍ‭ ‬للتداول‭ ‬إلى‭ ‬طقسٍ‭ ‬للتبرير‭.‬

لكن‭ ‬المشهد‭ ‬العراقي‭ ‬يكتسب‭ ‬بعدًا‭ ‬أكثر‭ ‬تعقيدًا‭ ‬لأن‭ ‬هذا‭ ‬كله‭ ‬يجري‭ ‬في‭ ‬مجتمعٍ‭ ‬لم‭ ‬تُبنَ‭ ‬فيه‭ ‬السلطة‭ ‬على‭ ‬السياسة‭ ‬وحدها،‭ ‬بل‭ ‬على‭ ‬شبكةٍ‭ ‬متداخلة‭ ‬من‭ ‬الرموز‭ ‬الدينية‭ ‬والاجتماعية‭ ‬والتاريخية‭. ‬وهنا‭ ‬تظهر‭ ‬المفارقة‭ ‬الأكثر‭ ‬حساسية‭.‬

فالمرجعية‭ ‬الدينية،‭ ‬بوصفها‭ ‬واحدةً‭ ‬من‭ ‬أكثر‭ ‬الرموز‭ ‬رسوخًا‭ ‬في‭ ‬المخيلة‭ ‬العراقية،‭ ‬لم‭ ‬تكن،‭ ‬في‭ ‬وعي‭ ‬قطاعاتٍ‭ ‬واسعة،‭ ‬مجرد‭ ‬مؤسسةٍ‭ ‬روحية،‭ ‬بل‭ ‬كانت‭ ‬دائمًا‭ ‬تُقرأ‭ ‬بوصفها‭ ‬الضمير‭ ‬الذي‭ ‬يتدخل‭ ‬حين‭ ‬تفشل‭ ‬السياسة‭ ‬في‭ ‬حماية‭ ‬المعنى‭.‬

ولهذا،‭ ‬لم‭ ‬يكن‭ ‬الناس‭ ‬ينتظرون‭ ‬منها‭ ‬أن‭ ‬تختار‭ ‬الوزراء،‭ ‬أو‭ ‬أن‭ ‬ترسم‭ ‬التحالفات،‭ ‬أو‭ ‬أن‭ ‬تدخل‭ ‬في‭ ‬مفاوضات‭ ‬السلطة‭. ‬كانوا‭ ‬ينتظرون‭ ‬شيئًا‭ ‬أبسط‭ ‬وأكثر‭ ‬عمقًا‭: ‬كلمةً‭ ‬تعيد‭ ‬تسمية‭ ‬الأشياء‭ ‬بأسمائها‭.‬

حين‭ ‬يصبح‭ ‬صوت‭ ‬الناخب‭ ‬مادةً‭ ‬للتفاوض‭ ‬ومحلًا‭ ‬للمساومة،‭ ‬من‭ ‬سيقول‭ ‬إن‭ ‬الإرادة‭ ‬الشعبية‭ ‬ليست‭ ‬سلعة؟

حين‭ ‬تفقد‭ ‬الانتخابات‭ ‬قدرتها‭ ‬على‭ ‬التغيير،‭ ‬من‭ ‬يذكّر‭ ‬بأن‭ ‬الشرعية‭ ‬ليست‭ ‬رقمًا‭ ‬في‭ ‬صندوق،‭ ‬بل‭ ‬معنىً‭ ‬يُصان‭ ‬وثقةٌ‭ ‬تُحترم؟

حين‭ ‬ينحصر‭ ‬تقرير‭ ‬مصير‭ ‬الملايين‭ ‬في‭ ‬أيدي‭ ‬قلة‭ ‬من‭ ‬الزعامات،‭ ‬من‭ ‬سيقول‭ ‬إن‭ ‬السلطة‭ ‬التي‭ ‬لا‭ ‬تراجع‭ ‬نفسها‭ ‬تفقد،‭ ‬مع‭ ‬الزمن،‭ ‬مشروعيتها‭ ‬الأخلاقية؟لكن‭ ‬الصمت،‭ ‬حتى‭ ‬حين‭ ‬يكون‭ ‬مدروسًا،‭ ‬يظل‭ ‬في‭ ‬الوعي‭ ‬الجمعي‭ ‬شكلًا‭ ‬من‭ ‬أشكال‭ ‬الرسائل‭.‬

وحين‭ ‬يصمت‭ ‬الرمز‭ ‬في‭ ‬لحظةٍ‭ ‬يتعرض‭ ‬فيها‭ ‬رمزٌ‭ ‬آخر‭ ‬للتآكل،‭ ‬فإن‭ ‬الفراغ‭ ‬لا‭ ‬يبقى‭ ‬فراغًا‭ ‬طويلًا‭. ‬سرعان‭ ‬ما‭ ‬تملؤه‭ ‬السخرية،‭ ‬أو‭ ‬اللامبالاة،‭ ‬أو‭ ‬ذلك‭ ‬النوع‭ ‬البارد‭ ‬من‭ ‬اليأس‭ ‬الذي‭ ‬لا‭ ‬يهتف‭ ‬في‭ ‬الشوارع،‭ ‬لكنه‭ ‬ينسحب‭ ‬بهدوء‭ ‬من‭ ‬كل‭ ‬ما‭ ‬هو‭ ‬عام‭.‬

وهذا‭ ‬ربما‭ ‬أخطر‭ ‬ما‭ ‬يواجه‭ ‬العراق‭ ‬اليوم‭.‬

ليس‭ ‬صراع‭ ‬الكتل‭.‬

ولا‭ ‬تأخر‭ ‬تشكيل‭ ‬الحكومات‭.‬

ولا‭ ‬حتى‭ ‬احتكار‭ ‬القرار‭ ‬من‭ ‬قبل‭ ‬زعاماتٍ‭ ‬اعتادت‭ ‬أن‭ ‬ترى‭ ‬البلاد‭ ‬من‭ ‬شرفات‭ ‬التفاوض‭.‬

الخطر‭ ‬الحقيقي‭ ‬يكمن‭ ‬في‭ ‬أن‭ ‬المواطن‭ ‬العراقي،‭ ‬الذي‭ ‬تعلّم‭ ‬خلال‭ ‬عشرين‭ ‬عامًا‭ ‬كيف‭ ‬يقف‭ ‬أمام‭ ‬الصندوق،‭ ‬قد‭ ‬يتعلم،‭ ‬في‭ ‬العقد‭ ‬المقبل،‭ ‬كيف‭ ‬يمر‭ ‬بجواره‭ ‬من‭ ‬دون‭ ‬أن‭ ‬يلتفت‭ ‬إليه‭.‬

وحين‭ ‬يحدث‭ ‬ذلك،‭ ‬لن‭ ‬تكون‭ ‬الأزمة‭ ‬أزمة‭ ‬نظامٍ‭ ‬سياسي‭.‬

ستكون‭ ‬أزمة‭ ‬ثقافة‭.‬

وأزمات‭ ‬الثقافة،‭ ‬بخلاف‭ ‬أزمات‭ ‬السياسة،‭ ‬لا‭ ‬تُحل‭ ‬بتغيير‭ ‬الحكومات‭.‬

إنها‭ ‬تحتاج،‭ ‬أولًا،‭ ‬إلى‭ ‬استعادة‭ ‬المعنى‭.‬