
في النقد الفني، حين تُعلَّق لوحةٌ عظيمة في مكانٍ لا يليق بها، أو تُضاء بطريقةٍ سيئة، أو تُستخدم بوصفها قطعة ديكور بدل أن تُقرأ بوصفها عملًا جماليًا، فإن الضرر لا يصيب اللوحة وحدها، بل يصيب عين المتلقي أيضًا. فهو، مع الوقت، يتوقف عن رؤية ما كان يجب أن يراه.
وهذا بالضبط ما يحدث للمجتمعات حين يُساء استخدام الرموز السياسية.
فالانتخابات التي تُمارس من دون أن تنتج، أو التي تُنتج ثم يُعاد تأويل إنتاجها في غرفٍ مغلقة، لا تُضعف ثقة المواطن بالسياسيين فقط، بل تُعيد تشكيل وعيه بطريقةٍ أخطر بكثير: تُعلّمه ألا يثق بالفعل المدني نفسه.
وهنا يبدأ الانحدار الحقيقي.
ليس لأن الناس ستثور، أو ستحتج، أو ستكتب بيانات الغضب. فهذه كلها علامات حياة.
الخطر يبدأ حين يتوقف الناس عن الغضب أصلًا.
حين يصبح خبر تشكيل الحكومة، أو سقوط التحالفات، أو تبدل الأسماء، حدثًا بلا أثرٍ وجداني.
حين يُقال إن الانتخابات اقتربت، فيرد الجيل الجديد بابتسامةٍ ساخرة لا تحمل اعتراضًا بقدر ما تحمل معرفةً مسبقة.
في تلك اللحظة، لا تكون الديمقراطية قد فشلت سياسيًا فقط، بل تكون قد فقدت موقعها في المخيلة العامة.
والدول لا تعيش بالموازنات وحدها، ولا بالدساتير وحدها، بل بما يسكن في مخيلة الناس عنها.
العراق، على امتداد العقدين الماضيين، لم يكن يعاني من نقصٍ في الانتخابات، بل ربما عانى من وفرتها. كانت الصناديق تُنصب في مواعيدها تقريبًا، والحملات الانتخابية تُملأ بالشعارات، والوعود تُكتب بلغةٍ كبيرة، والبرامج تُقدَّم كما لو أن البلاد تقف دائمًا على أعتاب ولادةٍ جديدة. لكن ما كان يتكرر بعد ذلك، في كل مرة تقريبًا، هو ذلك المشهد الذي بدأ العراقيون يحفظون تفاصيله عن ظهر قلب: نتائج تُعلن، ثم تبدأ مرحلةٌ أخرى، مرحلة لا تبدو فيها الأرقام كافية، ولا المقاعد حاسمة، ولا الإرادة الشعبية نهائية.
في تلك المرحلة، تدخل البلاد إلى ما يشبه المنطقة الخلفية للمسرح. هناك، بعيدًا عن التصفيق، تُعاد كتابة النصوص. تتغير التحالفات. يتصافح الخصوم. تُنسى الخطب. تُؤجل الوعود. ويكتشف الناخب، مرةً أخرى، أن ما اعتقد أنه خاتمة العملية السياسية لم يكن سوى افتتاحيتها.
والأخطر من هذا كله، أن هذا المسار لم يعد يُمارس باعتباره استثناءً، بل تحول إلى نوعٍ من الثقافة السياسية شبه المستقرة.
والثقافات، حين تستقر، تصبح أكثر صعوبةً من القوانين في التغيير.
لأن القانون يمكن تعديله، لكن العادات التي تتسلل إلى وعي النخب وإلى توقعات الناس تصبح جزءًا من البنية النفسية للنظام نفسه.
ولهذا، لم يعد السؤال في العراق متعلقًا بمن يفوز، بل بمن يقرر أن الفوز يكفي.
ولم يعد السؤال متعلقًا بعدد المقاعد، بل بمن يملك حق تفسير معنى المقاعد.
ومن هنا يمكن فهم ذلك الإحساس المتنامي بأن البلاد لا تُدار دائمًا بالمؤسسات، بقدر ما تُدار بشبكةٍ من الشخصيات التي تجاوز حضورها حدود الأحزاب نفسها. فالزعيم السياسي، في التجربة العراقية، لم يعد مجرد ممثلٍ لكتلة، بل تحول — في أحيانٍ كثيرة — إلى ما يشبه المؤسسة داخل المؤسسة، والقانون داخل القانون، والتفسير داخل النص.
إنه لا يقرأ النتائج فقط، بل يعيد تعريفها.
وحين تصل السياسة إلى هذه المرحلة، فإن الانتخابات تبدأ في التحول من أداةٍ للتداول إلى طقسٍ للتبرير.
لكن المشهد العراقي يكتسب بعدًا أكثر تعقيدًا لأن هذا كله يجري في مجتمعٍ لم تُبنَ فيه السلطة على السياسة وحدها، بل على شبكةٍ متداخلة من الرموز الدينية والاجتماعية والتاريخية. وهنا تظهر المفارقة الأكثر حساسية.
فالمرجعية الدينية، بوصفها واحدةً من أكثر الرموز رسوخًا في المخيلة العراقية، لم تكن، في وعي قطاعاتٍ واسعة، مجرد مؤسسةٍ روحية، بل كانت دائمًا تُقرأ بوصفها الضمير الذي يتدخل حين تفشل السياسة في حماية المعنى.
ولهذا، لم يكن الناس ينتظرون منها أن تختار الوزراء، أو أن ترسم التحالفات، أو أن تدخل في مفاوضات السلطة. كانوا ينتظرون شيئًا أبسط وأكثر عمقًا: كلمةً تعيد تسمية الأشياء بأسمائها.
حين يصبح صوت الناخب مادةً للتفاوض ومحلًا للمساومة، من سيقول إن الإرادة الشعبية ليست سلعة؟
حين تفقد الانتخابات قدرتها على التغيير، من يذكّر بأن الشرعية ليست رقمًا في صندوق، بل معنىً يُصان وثقةٌ تُحترم؟
حين ينحصر تقرير مصير الملايين في أيدي قلة من الزعامات، من سيقول إن السلطة التي لا تراجع نفسها تفقد، مع الزمن، مشروعيتها الأخلاقية؟لكن الصمت، حتى حين يكون مدروسًا، يظل في الوعي الجمعي شكلًا من أشكال الرسائل.
وحين يصمت الرمز في لحظةٍ يتعرض فيها رمزٌ آخر للتآكل، فإن الفراغ لا يبقى فراغًا طويلًا. سرعان ما تملؤه السخرية، أو اللامبالاة، أو ذلك النوع البارد من اليأس الذي لا يهتف في الشوارع، لكنه ينسحب بهدوء من كل ما هو عام.
وهذا ربما أخطر ما يواجه العراق اليوم.
ليس صراع الكتل.
ولا تأخر تشكيل الحكومات.
ولا حتى احتكار القرار من قبل زعاماتٍ اعتادت أن ترى البلاد من شرفات التفاوض.
الخطر الحقيقي يكمن في أن المواطن العراقي، الذي تعلّم خلال عشرين عامًا كيف يقف أمام الصندوق، قد يتعلم، في العقد المقبل، كيف يمر بجواره من دون أن يلتفت إليه.
وحين يحدث ذلك، لن تكون الأزمة أزمة نظامٍ سياسي.
ستكون أزمة ثقافة.
وأزمات الثقافة، بخلاف أزمات السياسة، لا تُحل بتغيير الحكومات.
إنها تحتاج، أولًا، إلى استعادة المعنى.























