

مشتاق الربيعي
تُعدُّ حماية الأطفال وإنقاذهم من العنف والاستغلال والإهمال مسؤوليةً إنسانية ووطنية وأخلاقية تقع على عاتق الجميع، لأن الطفل هو اللبنة الأساسية في بناء المجتمع، وأيُّ أذى يتعرض له اليوم سينعكس سلباً على مستقبل الوطن بأكمله. فالطفولة تمثل أجمل مراحل العمر وأكثرها حساسية، وهي المرحلة التي تتشكل فيها شخصية الإنسان وقيمه وأحلامه، لذلك فإن أيَّ انتهاكٍ أو حرمانٍ يتعرض له الطفل يترك آثاراً عميقة قد ترافقه طوال حياته، وقد يتسبب أيضاً بأمراضٍ نفسية واضطراباتٍ تؤثر على سلوكه ومستقبله واستقراره الاجتماعي.
ومع شديد الأسف، ما زال الكثير من الأطفال يواجهون أشكالاً مختلفة من المعاناة والانتهاكات، بدءاً من العنف الأسري والاعتداءات الجسدية والنفسية، وصولاً إلى عمالة الأطفال والتسرب من المدارس والتشرد والاستغلال بمختلف أشكاله. لقد أصبحت مشاهد الأطفال الذين يعملون في الشوارع والأسواق وورش البناء والمعامل، بدلاً من الجلوس على مقاعد الدراسة، أمراً يبعث على الحزن والقلق، خصوصاً في ظل الظروف الاقتصادية والاجتماعية الصعبة التي دفعت بعض العائلات إلى الزج بأطفالها في أعمال تفوق طاقتهم الجسدية والنفسية من أجل تأمين لقمة العيش.
كما أن بعض الأطفال يتعرضون إلى انتهاكات خطيرة داخل الأسرة أو المجتمع، كالعنف والقسوة والإهمال والاعتداءات الجنسية، وهي جرائم لا تستهدف أجسادهم فقط، بل تدمر براءتهم وطفولتهم وأمانهم النفسي. فالطفل الذي يعيش الخوف والحرمان والإهانة قد يفقد الشعور بالاستقرار والثقة بالنفس، وربما يتحول مستقبلاً إلى ضحية للانحراف أو الجريمة أو التطرف نتيجة ما تعرض له من قسوة وإهمال. لذلك فإن حماية الأطفال لا ترتبط فقط بالجانب الإنساني، بل ترتبط أيضاً بأمن المجتمع واستقراره ومستقبله.
إنَّ الطفولة ليست مرحلةً عابرة من العمر، بل هي الأساس الحقيقي لبناء الإنسان الصالح والمجتمع السليم. فالاهتمام بالطفل وتعليمه ورعايته الصحية والنفسية يعني بناء جيلٍ واعٍ قادر على النهوض بالوطن وخدمة المجتمع، بينما إهماله وتركه فريسة للفقر والعنف والاستغلال يعني صناعة أزمات اجتماعية وإنسانية خطيرة في المستقبل. ولهذا فإن الدول المتقدمة تولي اهتماماً كبيراً بحقوق الطفل، لأنها تدرك أن الاستثمار الحقيقي يبدأ من حماية الإنسان منذ سنواته الأولى
ومن هنا، نهيبُ برئاسة وأعضاء المجلس النيابي الموقر الإسراع في تشريع قانون حماية الطفولة، من أجل وضع نصوص قانونية واضحة وصارمة تُجرِّم جميع أشكال العنف والاستغلال والإهمال بحق الأطفال، مع فرض عقوبات رادعة بحق كل من يعتدي عليهم أو يستغل براءتهم أو يحرمهم من حقوقهم الأساسية. كما ينبغي أن يتضمن القانون إنشاء مراكز متخصصة لحماية الأطفال وتأهيلهم نفسياً واجتماعياً، وتوفير خطوط ساخنة للإبلاغ عن حالات العنف والانتهاكات، فضلاً عن دعم العائلات الفقيرة للحد من ظاهرة عمالة الأطفال والتسرب الدراسي.
وبرغم الجهود الحثيثة التي تبذلها الشرطة المجتمعية ومنظمات المجتمع المدني والمؤسسات المعنية بحقوق الإنسان من أجل إنقاذ الأطفال من معاناتهم، إلا أن الطفولة ما زالت بحاجة إلى تشريعاتٍ أكثر صرامة وعدالة، تضمن حماية حقوق الأطفال وتوفر لهم بيئة آمنة ومستقرة تليق ببراءتهم وإنسانيتهم.
كذلك فإن مسؤولية حماية الطفل لا تقع على عاتق الدولة وحدها، بل هي مسؤولية مشتركة بين الأسرة والمدرسة والمؤسسات التربوية والدينية ومنظمات المجتمع المدني ووسائل الإعلام، من خلال نشر ثقافة الوعي بحقوق الطفل وتعزيز قيم الرحمة والتسامح والإنسانية داخل المجتمع. فالإعلام الهادف والتوعية المستمرة يمكن أن يساهما بشكل كبير في الحد من حالات العنف والإهمال، كما أن الأسرة الواعية تشكل الحصن الأول لحماية الطفل وتنشئته بصورة سليمة.
إنَّ إنقاذ الطفولة ليس مجرد شعار يُرفع في المناسبات، بل واجب إنساني وأخلاقي ووطني يتطلب تضافر جهود الجميع من أجل حماية براءة الأطفال وصون كرامتهم وحقوقهم. فالأوطان القوية لا تُبنى بالقوة وحدها، بل تُبنى بأطفالٍ آمنين متعلمين يتمتعون بالصحة والرعاية والعدالة والأمل بالحياة، لأن الطفل الذي نحميه اليوم سيكون مواطن الغد الذي يحمل مسؤولية بناء الوطن والدفاع عنه وصناعة مستقبله الأفضل























