وإعترفت أخيراً

قصة قصيرة

 

وإعترفت أخيراً

 

 

اخيرا كسرت ذلك الصمت الرهيب الذي كانت تعيش فيه وبالرغم من انها كانت تعيش معي ردحا من الزمن.. الا انها لم تصرح يوما بما يخالج نفسها من حب وعواطف واحاسيس حتى ان الظنون قد اخذت مني ما اخذت ومثلها مثل تلك الامواج الهائجة تتلاطمني وانا لا حول ولا قوة.. الا ان حبي الكبير لها جعلني اصبر عليها كثيرا وكان ذلك الصبر قاسيا على قلبي وروحي وكانني اتناول في كل لحظة من اللحظات الحنظل المر.

 

لقد كانت تشاركني حياتي بكل ما فيها من حلاوة ومرارة ولكن كامراة وانثى لا روح فيها.. وكنت اسال نفسي هل يمكن لهذه الانسانة الوديعة الهادئة الرقيقة ان تخادعني مثلا وتحب شخصاً اخر غيري..؟ ويا ترى هل انا حقا فتى احلامها؟ وهل هناك من خلل في شخصيتي او شخصي ما يجعلها باردة عاطفيا معي؟ اذن ما هي الحكاية.. لقد راجعت نفسي عشرات ومئات المرات ولم اجد ما يجعلها صامتة كالحجر الاصم.. لم تهزها زلازل الدنيا.. ولم يحرك عواطفها شيء رغم كل الاحاسيس التي احملها لها وكنت دائما احيطها بحبي وعواطفي وحناني ولم ابخل عليها في اظهار كل ذلك حتى تدرك مدى حبي الكبير لها وقد يسالني احدكم: عن بداياتي معها كيف كنت؟ وكيف كان ارتباطنا وحبي لها؟ وكيف وافقت ان تشاركني حياتي؟ وهل كانت منذ بداية مشوارنا على هذه الشاكلة؟ ساروي لكم القصة من اول بداياتها.

 

قبل ثلاث سنوات التقيت بها صدفة في حفلة زفاف صديق لي.. واقيمت حفلة زفاف باحدى القاعات وكنت قد تصادمت معها كتفا بكتف فاعتذرت منها وما ان التقت عيني بعينيها حتى احسست برعشة تصيب جسدي ورغم ابتسامتها العريضة شعرت بانها ترمقني بنظرة غريبة وكانها تعرفني وقد صادفتني بعد فراق وبعد تبادل عبارات الاعتذار ذهبت لتجلس على طاولة تجلس حولها عائلة دون ان يكون رجلا بينهم فما كان مني الا ان اسال احدى معارفي عنها فعلمت انها خريجة كلية ومن عائلة محافظة وهي البنت الثانية في العائلة واختها التي تكبرها متزوجة.. في الوقت الذي علمت فيه انها استعلمت وعرفت كل شيء عني.. وكان موضع جلوسها قريبا مني فكانت النظرات متبادلة بيننا وتلك النظرات كانت ابلغ من كل كلام واضطررت ان استعين بواحدة من قريباتي لتعارفنا وكان لي ذلك وتبادلنا ارقام الموبايل على ان تتصل بي باقرب فرصة..

 

ما ان انتهى الحفل ورجعت الى البيت وانا احلم بمكالمتها وصورتها لم تفارق مخيلتي وقلبي يملؤه السرور لتلك الصدفة الرائعة التي جمعتني بانسانة ذات جمال هادئ .. خلاب وبنظرة منها قد جعلت قلبي اسيرا لسحرها.. وكنت في تلك الليلة اترقب مكالمتها بفارغ الصبر واللحظات تمر ثقيلة قاتلة ونبضات قلبي ازدادت دقاتها.. وفكري مشلول تماما.. ما بين صورتها التي باتت لا تفارق مخيلتي وبين انتظار مكالمتها لي.. والساعة قد قاربت على الثالثة صباحا.. وقد ياست من اتصالها..

 

ومددت يدي لاتناول علبة السكائر وكان الهاتف يرن فجأة وسارعت لارى من المتصل فكانت هي وساعتها كاد قلبي يتوقف والفرحة لا تسعه وحادثتني وحادثتها لاكثر من ساعة.. وكانت هذه المكالمة لتعارفنا بشكل كبير اضافة الى طرح ما تكنه قلوبنا لبعض.. ولم تقل سوى انها اعجبت بشخصيتي ووسامتي.. وانها كانت تتمنى ان تلتقي بفتى احلامها وقد وجدت ضالتها بشخصي..

 

وكنت سعيدا باقوالها تلك وكنت اقول لها انني احببتها وعشقتها من اللحظة التي التقت عيناي بعينيها.. واستمرت علاقتنا عبر الموبايل فترة ليست بالقصيرة وكلما مرت بنا الايام كان حبي لها يزداد قوة وعنفا وكانت لي لقاءات عدة معها.. وهذه اللقاءات قد رسمت خطوط ارتباطنا وزادت من تمسكنا ببعض كما ازددت هياما بها فكان سحرها لا يقاوم.. وعشقت كل ما فيها.. ولم اعرف ان اخفي مشاعري فاغرقتها في بحر حبي.. واتفقنا على الزواج.. ولقد هيأت لي اجواء خطبتها وتحقق ذلك وانا فرح بها وبحصولي عليها الا ان طوال فترة ارتباطنا لم اسمع منها كلمة حب كانت سعادتها كبيرة معي وما كنت اراه منها من لهفة وشوق.. وكنت اتمنى ان اسمع منها ما يخالج نفسها من شعور الا انها ظلت على ما هي عليه تجاريني بكل شيء.. وعندما اكون معها في حالة حب كانت تكتفي بان تقبلني او تمسك يدي بحب.. وانتقلت الى شقتنا الصغيرة بعد زواجنا .. وكانت زوجة رائعة بكل شيء وجعلت من تلك الشقة الصغيرة جنة من الجنات.. وكانت بصماتها في كل زاوية وركن من الشقة.. واحببت ذلك لذوقها الرفيع.. وسارت ايامنا سعيدة هانئة واتفقنا على عدم الانجاب حتى نستطيع ان نحيا لبعضنا البعض قبل ان يكون هناك ما يشغلنا.. وكنا فعلا سعداء بذلك القرار.. وبعد سنتين تقريبا طلبت مني ان نستقبل طفلا.. يملأ حياتنا وكنت فرحا لقرارها.. ورغم كل ما نحن به من سعادة الا اني كنت مهموما لاني لا اجد منها ما يفصح عن مشاعرها وقد اصاب علاقتنا بعض الفتور الشعوري بذلك والظاهر ان شعوري ذلك قد انتقل اليها وباتت تلاحظ تذمري وقلقي دون ان تكلمني عن ذلك وبقيت هادئة والصمت هو ملاذها.. ورجعت من العمل ذات يوم لاجد الشقة قد زينت بالنشرات والبالونات وكاننا نريد اقامة حفلة منها.. فاستغربت ذلك الا انها استقبلتني وهي بملابس النوم.. وعلى وجهها ابتسامة عريضة وسارعت لتجلسني على الاريكة ولما اردت محادثتها سارعت بوضع اصبعها على فمي حتى لا اتكلم.. وقبلتني ودخلت غرفتها.. ثم عادت وهي تحمل ظرفا وعلبة صغيرة مربوطة بشريط احمر وهي من ذلك النوع الذي يقدم كهدية..

 

وقالت: عندي لك مفاجأة.. الاولى عليك ان تقرأ هذا الظرف.. وناولتني الظرف ولما اخرجت الورقة التي فيه وجدته تقريرا طبيا يقول بان زوجتي حامل في شهرها الثاني.. وطرت فرحا وانا امطرها بوابل من القبلات واجلسها الى جواري بل انها قامت وجلست على ساقي لتكون بحضني وكنت اقول لها انه اسعد خبر سمعته.. الا انها بادرتني وقالت: اما المفاجأة الثانية اشتريت لك هدية بمناسبة يوم خطبتنا فقبلتها وشكرت لها ذلك واخذت العلبة منها وكانت ساعة يدوية فيها صورتها فما كان مني الا ان اطبع قبلة على اناملها شاكرا لطفها.. وقالت: اليوم سنحتفل معا.. هنا في شقتنا وطلبت مني ان اغير ملابسي ونهضت وتركتها تدخل المطبخ.. وما ان فرغت من تبديل ملابسي والاستحمام حتى وجدت مائدة الطعام عامرة بكل ما لذ وطاب وكانت الانارة في الشقة خافتة مما جعل اجواءها رومانسية حقا.. وتناولنا الغداء ونحن نتحدث ونضحك مع اعتذاري لها بعدم تقديم هدية لها.. قالت: انت هديتي الكبيرة.. ولاول مرة تتحدث بهذه اللغة وبهذه اللهجة العاطفية.. وعند انتقالنا الى غرفة النوم قالت: ساريك اليوم ما لم تشاهده مني قبلا ..

 

فضحكت قائلا: زيديني حبا وعشقا يا حبيبتي.. فضحكت واسرعت بتشغيل جهاز التسجيل لتنبثق منه موسيقى راقصة وما كان منها الا ان رقصت على تلك الانغام وهي تقترب مني وتبتعد وكانت تتلوى كالافعى وعمدت بحركاتها على اثارتي فعلا.. وهي ترسل لي قبلات على الهواء.. وكنت اصيح وانا اراها.. الله.. الله.. ماذا الجمال.. وما ان انتهت من رقصتها حتى ارتمت باحضاني لتقول لي انت حبي الكبير.. احبك.. احبك.. وانا مندهش مما سمعته منها اخيرا اعترفت لي بحبها بعواطفها.. ثم اردفت قائلة: اني لا اريدك ان تذهب بك الظنون في يوم من الايام بعيدا.. فتأكد ان حبي لا يكاد يسعه هذا العالم بكل ما فيه فانت انشودتي واملي وكل حياتي.. كنت اسمعها وبلا ارادة مني تساقطت دموعي وكانني انزلت من على كاهلي ثقلا كبيرا.. وشعرت براحة لم اشعر بها من قبل.. فما كان مني الا ان اضمها الى صدري بكل الحب وبكل الحنان دون حاجتي الى الكلام.. فلقد قالت دموعي كل شيء..

 

 

محمدعباس اللامي – بغداد