
هل تتحّول أزمة هرمز إلى شلل في الأجواء العالمية؟ – فارس الجواري
لقد برزت التوترات الجيوسياسية في منطقة مضيق هرمز كأحد أكثر الملفات تعقيداً في المشهد الدولي إلا أن الزاوية الأكثر خطورة في هذه الأزمة تكمن في تحول هذا الصراع حول موارد الطاقة التقليدية إلى خطر صامت يهدد بخنق الشرايين الحيوية التي تغذي محركات الطائرات بالوقود خاصة وأن شركات الطيران في منطقة الشرق الأوسط تعتمد بشكل عضوي على المصافي المحلية التي تصدر إنتاجها عبر هذه الممرات المائية الحساسة لذا أي تعثر في وصول وقود الطائرات إلى المطارات المركزية لا يعني مجرد ارتفاع في التكاليف بل يمهد لتحول الأزمة إلى شلل تشغيلي شامل يعيد رسم خارطة الطيران المدني ويفرض واقعاً تلوح فيه بوادر تقليص الرحلات أو إلغائها تماماً مما يضع الناقلات الجوية أمام معضلة الحفاظ على كوادرها الفنية والإدارية في ظل عجز مالي قد يفضي إلى سياسات تسريح قسري نتيجة التوقف الطويل.
هذا المشهد تجلى بأبعاده المأساوية على الحالة العراقية حيث تظهر لغة الأرقام حجم الاستنزاف الذي يعانيه قطاع الطيران العراقي من ناحية المسارات الجوية التي تمثل ممراً حيوياً يعبره نحو 700 رحلة يومياً قبل التوترات والتي أدت تداعياتها الأمنية واللوجستية إلى شلل تام وصل في ذروته إلى صفر رحلة لمدة أربعين يوماً متواصلة بل حتى مع استئناف الحركة بفتح المجال الجوي من قبل سلطة الطيران المدني العراقي فإن العودة لم تتعدَ بضع عشرات من الرحلات في ظل ظروف غير مستقرة بسبب ضبابية الاوضاع حيث يترجم هذا الانحسار إلى نزيف مالي حاد في ميزانية الدولة فخسارة رسوم العبور السيادي المقدرة بنحو 450 دولاراً لكل طائرة تعني ضياع قرابة 315,000 دولار يومياً وهي أرقام تتراكم لتصبح ملايين الدولارات الضائعة شهرياً يضاف إليها خسائر خدمات المناولة والتموين التي كانت تدر دخلاً حيوياً للاقتصاد العراقي.
رحلات متبقية
إن الفجوة السعرية في تكاليف الوقود تزيد من عمق هذه الهاوية فبعد أن كان سعر وقود الطائرات يتراوح تاريخياً بين 70 و85 دولاراً للبرميل قفزت الأسعار حالياً لتتجاوز عتبة 120 دولاراً وهو يؤدي الى ارتفاع في اسعار وقود الطائرات بنسبة تتجاوز 75 بالمئة مع إضافة زيادة قيمة التأمين بسبب هذه المخاطر وهذا الارتفاع الجنوني يجعل تشغيل الرحلات المتبقية عبئاً اقتصادياً يستنزف السيولة النقدية للناقلات الوطنية ويجبر الشركات على اتخاذ قرارات صعبة مثل تغيير مسارات التزود بالوقود والهبوط في محطات وسيطة خارج منطقة النزاع مما يضاعف زمن الرحلة واستهلاك الوقود وتكاليف الصيانة , بالنسبة للعراق الذي يسعى طموحه الاقتصادي لتأهيل مطاراته وتشغيل ناقله الوطني فإن هذه الأزمة ستؤثر على خططه التشغيلية التي بدات بالتراجع الى مستويات متدنية جدا مما يعني سيخلق عجزاً في تغطية التكاليف التشغيلية بضمنها الرواتب مما سيجعل حلحلة هذه الازمة تاخذ منحنى خطير اقتصاديا على العاملين في هذا المجال , هذا يشير وبشكل واضح على هذه الأزمة ستؤدي الى فقدان المنطقة وبضمنها العراق لميزتها التنافسية بوصفها جسراً جوياً يربط الشرق بالغرب ويحول سماء المنطقة إلى ساحة هدوء قسري لا يبشر بخير للاقتصاد المثقل أصلاً بالتضخم بل ان التأثير سيتجاوز الربحية التشغيلية ليمس الأمن القومي الاقتصادي عندما تعطل المطارات مما يتبعها بالضرورة شلل في قطاعات التجارة والسياحة الدينية والتبادل الدولي ما لم يتم إيجاد بدائل لوجستية مرنة وتأمين طرق إمداد برية أو ممرات مائية بديلة إذا ما استمر لأشهر إضافية لان المطارات ستتحول من مراكز اقتصادية نابضة إلى ساحات خاوية وتضاعف الخسائر المالية التراكمية التي بدأت فعلياً باستنزاف مئات الآلاف من الدولارات يومياً نتيجة خسارة رسوم العبور السيادي كما اسلفنا وهو ما يجعل من أزمة هرمز قنبلة موقوتة تهدد بتفكيك منظومة النقل الجوي العراقي من الداخل قبل أن تصل آثارها إلى العالم لاسامح الله …. لذا السؤال الذي يبرز في نهاية هذه الجدلية هل للمخططين الاستراتيجيين العراقيين مخرج من هذه الازمة ؟

















