حكم الكاتب يتيح للذاكرة فرصة تشكيل ذاتها من جديد

مابين الصندوق والكتاب … حكم الكاتب يتيح للذاكرة فرصة تشكيل ذاتها من جديد

الموصل – بروين حميد مجيد 

بين صفحات التذكر، هناك فضاء يتوسط فسحة خاصة تُدلي بشهاداتها، تخرج إلى ماوراء الرؤية، تنحت على صخرة الوجع نقشاً معيناً، هذا النقش بالذات يقودنا احياناً كثيرة إلى رمزية لها امتداد ملاصق لشغف التعلق بإعادة تشكيل الأشياء وإنتاجها من جديد وفقاً لما يعتلج فيها من جذوة أمل وإصرار في توظيفها بشكل إيجابي يتناغم مع عناوين لافتة ورفيعة تعكس ذاك الطموح المتشظي من روح تواقة للأفضل.

مع تلك التشظيات، تأملتُ قليلاً وأنا أتلمس تجربة الفنان التشكيلي الموصلي حكم الكاتب، وهو يحول الفن إلى محطة وموقف، حينما ربط بين قيمة جامدة مدججة بخوف فطري من الموت من خلال صندوق أو حاوية الرصاص الذي أضحى صورة تلامس مخيلاتنا ونحن نخوض الحروب ونعيشها لحظة بلحظة، تلك الحروب الذي أخذتنا بقوة إلى خانة الإصغاء لمصطلحاتها ومسميات استحضاراتها، ليكون “صندوق العتاد” إحدى أهمها، فهو الملازم لجندي كان يحتسب أنفاسه واستمرارها على ماكان يحتويه ذاك الصندوق من رصاص يدافع عنها، بتوليفة عجيبة بين الرغبة بالبقاء على قيد الحياة وبين حجم الموت الذي سيخلفه نفاد العتاد .
ففي تكثيف حقيقي للعناصر مابين المادية والصمت الرهيب المليء بتساؤلات لا إجابة لها أحياناً كثيرة، تنتقل دلالات عمل حكم الكاتب إلى ركن يتحول بنا سريعاً إلى زاوية ذاك الأمل الذي ذكرت، حينما أصر على تحويل ذاكرتنا لهذا الصندوق من أنه رائحة للموت، إلى وعاء للأمل، عندما أودع فيه مدينة بأكملها، انها الموصل الشماء التي تناولتها أنامله المبدعة في صفحات كتاب تشكيلي يزخر بالألوان التي ابتدأت بالالوان الرمادية في إشارة إلى استحضار جدران المدينة بعد الحرب، فهو ليس لوناً محايداً، بل ذاكرة متعبة، أما لون الغبار الذي يعلو الأشياء، لون الزمن حين توقف. ولكن هل يتوقف اللون الرمادي ؟ فكانت هناك إشارات لونية أخرى وكأنها محاولات للإنقاذ، وهنا فإننا أمام طبقات لونية تشبه طبقات الذاكرة ذاتها، مايمحى منها وماهو باق، مايبهت فيها ويشتد.
في صفحاته اللاحقة، تحولت الألوان إلى الأخضر، لأنه يشغل مكان خاصة في الوجدان الموصلي، فهو لون المحاريب، لون البيوت القديمة، لون الطمأنينة، على الرغم من أنه ليس صحافياً وميله إلى الرمادي، وكأن الفنان رافض للنقاء المطلق، مفضلاً منطقة وسطى مابين الحار والبارد، بين الضوء والعتمة. إن هذا التوازن اللوني يشير إلى رؤيته الفلسفية: أن لاشيء خالصاً في الواقع، بل كل الأشياء يحكمها الداخل .

فيما وجدت عناصر معمارية من المدينة في كتابه هذا، تجلت في المحاريب، التي لم يقدمها كعناصر دينية فقط، بل بوصفها فضاءآت للسكينة، نقاط للإلتقاء بين الإنسان واللامرئي . فإن إدخالها منح الكتاب بعداً روحياً، يولون بين العنف الكامن في فكرة الصندوق وبين الطمأنينة التي يمنحها المحراب.

في منتصف الكتاب تتبدل البنية البصرية، حيث أخذت شكلاً يقرب إلى رقعة شطرنج، وهو بحد ذاته ليس شكلياً في دلالة معمقة إلى أنه ليس لعبة، بل أن المدينة تصارع بين الحق والباطل، بين الأصالة والتشويه، فكل مربع هو احتمال، وكل حركة هي قرار، وكل خسارة لها ثمن، في دلالة كبيرة إلى وعي الفنان حكم الكاتب لطبيعة الصراع الذي عاشته المدينة، لا بوصفه حدثاً غالباً بل كحالة ممتدة.
لقد جمع الفنان حينما التقيته وهل يفضل حكايته بين التجريد والتجسيد. فالعناصر الحادية واضحة: صندوق، كتاب، صفحات، ألوان. لكن معانيها تجاوزت العناصر هذه لتصل إلى رمزية عميقة، لأنها أشبه بنص بصري مقروء في خطاب فلسفي للذاكرة والهوية والتحول .

إن هذا العمل الفذ هو نسيج بصري، يحيلنا إلى تراكماته الزمنية العميقة، فما أن تقع العين على ذاك الصندوق، حتى تستدعينا ذاكرة اللون الخاكي، سطح خشن، مكان مفتاح صَدِء، ولكن فجأة تتحول تلك اللحظة إلى دهشة ممزوجة بفرح كان ينتابنا ويغمرنا في أيام كانت تحمل لنا سعادة وزهواً عندما نتباهى بإرث موصلنا وحضارتها، لنجدها حاضرة في صفحات كتابه التشكيلي الذي يحمل عنوان ” الموصل أرض الخير والسلام ” في إعلان كبير عنها وهي تنهض من جديد ومن المستحيل أن تختزل في ألم مستديم، ليكون الكتاب دعوة جليلة لتعريف المدينة خارج سرديات التدمير والخراب .

إن الفنان حكم الكاتب ينتمي إلى جيل السبعينات، مراحل عمره شهدت الحروب المختلفة، وهو بشغفه الفني التشكيلي وإبداعه الفطري إكتنز في ذاكرته لوحات مختلفة لتكبر معه في تراكم مذهل وَلّدَ هذا الثمر اليانع بصورة مختلفة ومتفردة ليوظفه ضرورة وليس ترفاً، يستعين به بطريقة تنقذه من اليأس والإنزواء .
أقولها استاذ حكم الكاتب، مبارك لموصلنا حضورك البهي وأنت تغرس ذائقتك الرفيعة بين ثنايانا فخراً وأملاً .