منزل مارادونا..مطبخ خيري

بوينوس‭ ‬ايرس‭ (‬الأرجنتين‭) (‬أ‭ ‬ف‭ ‬ب‭) – ‬تحوّل‭ ‬المنزل‭ ‬الذي‭ ‬وُلِد‭ ‬فيه‭ ‬أسطورة‭ ‬كرة‭ ‬القدم‭ ‬الراحل‭ ‬دييغو‭ ‬أرماندو‭ ‬مارادونا،‭ ‬في‭ ‬حي‭ ‬محروم‭ ‬من‭ ‬الضاحية‭ ‬الكبرى‭ ‬لبوينس‭ ‬أيرس،‭ ‬في‭ ‬الأسابيع‭ ‬الأخيرة‭ ‬إلى‭ ‬مكان‭ ‬لتقديم‭ ‬وجبات‭ ‬مجانية،‭ ‬في‭ ‬سياق‭ ‬فقر‭ ‬مزمن‭ ‬تشهده‭ ‬الأرجنتين‭.‬

تبدو‭ ‬فيلا‭ ‬فيوريتو،‭ ‬الواقعة‭ ‬على‭ ‬بُعد‭ ‬نحو‭ ‬ساعة‭ ‬من‭ ‬وسط‭ ‬العاصمة،‭ ‬وهي‭ ‬ضاحية‭ ‬كغيرها‭ ‬من‭ ‬الضواحي‭ ‬المحيطة‭ ‬بها‭ ‬مكونة‭ ‬من‭ ‬مساكن‭ ‬إسمنتية،‭ ‬كأنها‭ ‬في‭ ‬ورشة‭ ‬بناء‭ ‬دائمة‭ ‬ومعظم‭ ‬الشوارع‭ ‬ترابية‭.‬

وكان‭ ‬مارادونا‭ ‬يردد‭ ‬عن‭ ‬مكان‭ ‬طفولته‭ “‬نشأت‭ ‬في‭ ‬حي‭ +‬خاص‭+: ‬محروم‭ ‬من‭ ‬المياه،‭ ‬محروم‭ ‬من‭ ‬الإسفلت،‭ ‬محروم‭ ‬من‭ ‬كل‭ ‬شيء‭”‬،‭ ‬في‭ ‬إشارة‭ ‬ساخرة‭ ‬إلى‭ ‬ما‭ ‬يُعرف‭ ‬بـ‭ “‬كاونتري‭”‬،‭ ‬وهي‭ ‬المجمعات‭ ‬السكنية‭ ‬الخاصة‭ ‬الفاخرة‭.‬

فيلا‭ ‬فيوريتو‭ ‬التي‭ ‬يقطنها‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬50‭ ‬ألف‭ ‬نسمة،‭ ‬هي‭ ‬مدينة‭ “‬D10S‭” (‬تلاعب‭ ‬لفظي‭ ‬بين‭ “‬Dios‭” ‬أي‭ ‬الإله‭ ‬بالإسبانية‭ ‬والرقم‭ ‬10‭)‬،‭ ‬كما‭ ‬تعلن‭ ‬إحدى‭ ‬الجداريات‭ ‬الكثيرة‭ ‬التي‭ ‬تخلّد‭ ‬حياة‭ “‬الطفل‭ ‬الذهبي‭” ‬الذي‭ ‬توفي‭ ‬عن‭ ‬60‭ ‬عاما‭ ‬في‭ ‬2020‭.‬

لا‭ ‬يزال‭ ‬بطل‭ ‬مونديال‭ ‬1986‭ ‬حاضرا‭ ‬في‭ ‬القلوب،‭ ‬وعاد‭ ‬مجددا‭ ‬إلى‭ ‬الواجهة‭: ‬إذ‭ ‬تبدأ‭ ‬الثلاثاء‭ ‬محاكمة‭ ‬سبعة‭ ‬من‭ ‬العاملين‭ ‬في‭ ‬القطاع‭ ‬الصحي‭ ‬بتهمة‭ ‬الإهمال‭ ‬المحتمل‭ ‬الذي‭ ‬تسبب‭ ‬على‭ ‬الأرجح‭ ‬بوفاة‭ ‬مارادونا‭ ‬خلال‭ ‬رعايته‭ ‬حين‭ ‬كان‭ ‬في‭ ‬فترة‭ ‬نقاهة‭ ‬بعد‭ ‬عملية‭ ‬جراحية‭.‬

ولو‭ ‬كان‭ ‬على‭ ‬قيد‭ ‬الحياة‭ “‬لقال‭ ‬دييغو‭ ‬إن‭ ‬هناك‭ ‬الكثير‭ ‬من‭ ‬الجوع،‭ ‬وإنه‭ ‬يجب‭ ‬المساعدة‭. ‬هناك‭ ‬الكثير‭ ‬من‭ ‬الاحتياجات،‭ ‬الكثير‭ ‬جدا‭ ‬من‭ ‬الاحتياجات‭”‬،‭ ‬وفق‭ ‬ما‭ ‬قال‭  ‬لوكالة‭ ‬فرانس‭ ‬برس‭ ‬دييغو‭ ‬غافيلان‭ ‬الذي‭ ‬جاء‭ ‬ليحصل‭ ‬على‭ ‬وجبة‭ ‬أمام‭ ‬منزل‭ ‬مارادونا‭.‬

ويضيف‭ ‬الجامع‭ ‬للورق‭ ‬المقوى‭ ‬والمعادن‭ ‬من‭ ‬أجل‭ ‬إعادة‭ ‬التدوير‭ “‬بدأت‭ ‬المجيء‭ ‬إلى‭ ‬المطابخ‭ ‬الشعبية‭ ‬منذ‭ ‬تغيير‭ ‬الحكومة‭. ‬هناك‭ ‬فقر‭ ‬أكثر‭”.‬

ومع‭ ‬تسهيل‭ ‬الاستيراد‭ ‬منذ‭ ‬وصول‭ ‬خافيير‭ ‬ميلي‭ ‬إلى‭ ‬السلطة‭ ‬في‭ ‬نهاية‭ ‬2023‭ “‬تراجعت‭ ‬أسعار‭ ‬المعادن‭ ‬والورق‭ ‬المقوى‭. ‬ولم‭ ‬نعد‭ ‬قادرين‭ ‬على‭ ‬تأمين‭ ‬متطلبات‭ ‬نهاية‭ ‬الشهر‭”.‬

‭ ‬ورغم‭ ‬أرقام‭ ‬رسمية‭ ‬تُظهر‭ ‬تراجع‭ ‬الفقر،‭ ‬تشير‭ ‬مؤشرات‭ ‬اجتماعية‭ ‬عديدة،‭ ‬لاسيما‭ ‬الإقبال‭ ‬على‭ ‬المطابخ‭ ‬الشعبية،‭ ‬إلى‭ ‬هشاشة‭ ‬دائمة‭ ‬في‭ ‬الأرجنتين‭ ‬وإلى‭ ‬إفقار‭ ‬للطبقة‭ ‬الوسطى‭ ‬والوسطى‭ ‬الدنيا‭.‬

في‭ ‬الفناء‭ ‬الترابي‭ ‬الصغير‭ ‬أمام‭ ‬المنزل‭ ‬الرقم‭ ‬523‭ ‬من‭ ‬شارع‭ ‬أزامور‭ ‬والمُعلن‭ “‬معلما‭ ‬تاريخيا‭ ‬وطنيا‭”‬،‭ ‬تمسك‭ ‬ماريا‭ ‬توريس‭ ‬بالقدر‭ ‬الضخم‭ ‬الذي‭ ‬تطبخ‭ ‬فيه‭ ‬يخنة‭ ‬من‭ ‬قطع‭ ‬الدجاج‭ ‬تُقدم‭ ‬مع‭ ‬الأرز‭.‬

وتقول‭ ‬هذه‭ ‬المرأة،‭ ‬مستندة‭ ‬إلى‭ ‬جدارية‭ ‬تُظهر‭ ‬دييغو‭ ‬ووالدي،‭ ‬إنه‭ “‬أمر‭ ‬لا‭ ‬يُصدق‭ ‬في‭ ‬الحي‭: ‬أن‭ ‬تأتي‭ ‬إلى‭ ‬بيت‭ ‬دييغو‭ ‬لتحصل‭ ‬على‭ ‬طبق‭ ‬طعام،‭ ‬من‭ ‬كان‭ ‬ليتخيل‭ ‬ذلك؟‭”.‬

وتضيف‭ “‬أعتقد‭ ‬أن‭ ‬الرجل‭ ‬سيكون‭ ‬سعيدا‭ ‬جدا‭ ‬بما‭ ‬يحدث‭ ‬هنا،‭ ‬حيث‭ ‬وُلد‭”.‬

وقد‭ ‬وُلدت‭ ‬فكرة‭ ‬المطبخ‭ ‬الشعبي‭ “‬عند‭ ‬دييغو‭” ‬في‭ ‬أعقاب‭ ‬يوم‭ ‬تضامني‭ ‬تقليدي‭ ‬لعيد‭ ‬الملوك‭ ‬المجوس‭ ‬في‭ ‬كانون‭ ‬الثاني‭/‬يناير،‭ ‬ووافق‭ ‬المالك‭ ‬الخاص‭ ‬الحالي‭ ‬للمنزل‭ ‬على‭ ‬ذلك‭.‬

ويذكّر‭ ‬أحد‭ ‬القائمين‭ ‬على‭ ‬المبادرة،‭ ‬الكاهن‭ ‬ليوناردو‭ ‬توريس،‭ ‬في‭ ‬حديثه‭ ‬إلى‭ ‬وكالة‭ ‬فرانس‭ ‬برس،‭ ‬بأن‭ ‬مارادونا‭ ‬كان‭ ‬يروي‭ ‬أن‭ ‬والدته‭ ‬دالما‭ “‬توتا‭” ‬فرانكو‭ ‬التي‭ ‬توفيت‭ ‬في‭ ‬2011،‭ ‬وهي‭ ‬شخصية‭ ‬محورية‭ ‬في‭ ‬حياته،‭ ‬كانت‭ ‬تحرم‭ ‬نفسها‭ ‬من‭ ‬الطعام‭ ‬من‭ ‬أجله‭.‬

وبحسب‭ ‬دييغو‭ “‬كانت‭ ‬والدته‭ ‬تقول‭ ‬إنها‭ ‬تعاني‭ ‬ألما‭ ‬في‭ ‬بطنها‭ ‬لكي‭ ‬يتمكن‭ ‬هو‭ ‬من‭ ‬الأكل‭. ‬ونحن‭ ‬نريد‭ ‬أن‭ ‬يعود‭ ‬الكثير‭ ‬من‭ +‬توتا‭+ ‬والكثير‭ ‬من‭ +‬دييغو‭+ ‬وبطونهم‭ ‬ممتلئة‭”.‬