سوق‭ ‬الحميدية‭ ‬في‭ ‬دمشق‭ ‬يعيد‭ ‬فن‭ ‬الكتابة‭ ‬على‭ ‬حبّة‭ ‬الأرز

حرفة‭ ‬متوارثة‭ ‬و‭ ‬هدايا‭ ‬دقيقة

دمشق‭-‬سانا‭: ‬لا‭ ‬تخلو‭ ‬أسواق‭ ‬دمشق‭ ‬القديمة‭ ‬من‭ ‬مشاهد‭ ‬لافتة‭ ‬تأسر‭ ‬انتباه‭ ‬الزائر،‭ ‬حيث‭ ‬تتجلى‭ ‬فيها‭ ‬فنون‭ ‬يدوية‭ ‬دقيقة‭ ‬تعكس‭ ‬أصالة‭ ‬الحرفة‭ ‬السورية،‭ ‬ويبدع‭ ‬الحرفيون‭ ‬من‭ ‬خلالها‭ ‬في‭ ‬تحويل‭ ‬أبسط‭ ‬المواد‭ ‬إلى‭ ‬أعمال‭ ‬فنية‭ ‬تحمل‭ ‬طابعاً‭ ‬جمالياً‭ ‬فريداً،‭ ‬وروحاً‭ ‬تراثية‭ ‬نابضة‭ ‬بالحياة‭. ‬وتنتشر‭ ‬هذه‭ ‬الفنون‭ ‬في‭ ‬الأسواق‭ ‬التقليدية‭ ‬مثل‭ ‬سوق‭ ‬الحميدية‭ ‬وسوق‭ ‬المسكية‭ ‬وصولاً‭ ‬إلى‭ ‬حي‭ ‬القيمرية،‭ ‬حيث‭ ‬يجد‭ ‬الحرفيون‭ ‬بيئة‭ ‬مثالية‭ ‬لعرض‭ ‬مهاراتهم،‭ ‬ومن‭ ‬بينها‭ ‬فنون‭ ‬تعتمد‭ ‬على‭ ‬حبات‭ ‬الأرز‭ ‬التي‭ ‬تُشكَّل‭ ‬وتُنسَّق‭ ‬بعناية‭ ‬لتكوين‭ ‬لوحات‭ ‬وزخارف‭ ‬مدهشة،‭ ‬مستخدمين‭ ‬أدوات‭ ‬بسيطة‭ ‬تتطلب‭ ‬دقة‭ ‬متناهية‭ ‬وصبراً‭ ‬كبيراً‭ ‬في‭ ‬التنفيذ‭. ‬يُعدّ‭ ‬الحرفي‭ ‬يوسف‭ ‬خليل‭ ‬من‭ ‬أبرز‭ ‬الممارسين‭ ‬لفن‭ ‬الكتابة‭ ‬على‭ ‬حبّة‭ ‬الأرز،‭ ‬حيث‭ ‬يمارس‭ ‬هذه‭ ‬المهنة‭ ‬منذ‭ ‬نحو‭ ‬16‭ ‬عاماً،‭ ‬مواصلاً‭ ‬إرثاً‭ ‬عائلياً‭ ‬ورثه‭ ‬عن‭ ‬والده‭ ‬الذي‭ ‬عمل‭ ‬بها‭ ‬في‭ ‬المكان‭ ‬ذاته‭ ‬في‭ ‬سوق‭ ‬الحميدية‭.‬

وفي‭ ‬تصريح‭   ‬أوضح‭ ‬خليل‭ ‬أن‭ ‬هذا‭ ‬الفن‭ ‬يقوم‭ ‬على‭ ‬نقش‭ ‬كلمات‭ ‬أو‭ ‬أرقام‭ ‬أو‭ ‬رموز‭ ‬دقيقة‭ ‬للغاية‭ ‬على‭ ‬حبّة‭ ‬الأرز،‭ ‬باستخدام‭ ‬أدوات‭ ‬خاصة‭ ‬متناهية‭ ‬الصغر،‭ ‬مثل‭ ‬الأقلام‭ ‬الميكروية‭ ‬أو‭ ‬الإبر‭ ‬الرفيعة،‭ ‬بما‭ ‬يحوّل‭ ‬الحبة‭ ‬الصغيرة‭ ‬إلى‭ ‬مساحة‭ ‬فنية‭ ‬مصغّرة‭ ‬تزخر‭ ‬بالتفاصيل‭.‬

وأكد‭ ‬خليل‭ ‬أن‭ ‬هذه‭ ‬الحرفة‭ ‬تعتمد‭ ‬بالدرجة‭ ‬الأولى‭ ‬على‭ ‬الصبر‭ ‬والممارسة‭ ‬الطويلة،‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬اعتمادها‭ ‬على‭ ‬الأدوات،‭ ‬لافتاً‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬أي‭ ‬خطأ‭ ‬بسيط‭ ‬قد‭ ‬يؤدي‭ ‬إلى‭ ‬إتلاف‭ ‬العمل‭ ‬بالكامل‭. ‬يتطلّب‭ ‬العمل‭ ‬على‭ ‬حبّة‭ ‬الأرز‭ ‬مستوى‭ ‬عالياً‭ ‬من‭ ‬التركيز‭ ‬والدقة،‭ ‬إذ‭ ‬يلجأ‭ ‬الحرفيون‭ ‬إلى‭ ‬استخدام‭ ‬عدسات‭ ‬مكبّرة‭ ‬تساعدهم‭ ‬على‭ ‬تنفيذ‭ ‬أدق‭ ‬التفاصيل،‭ ‬إلى‭ ‬جانب‭ ‬أقلام‭ ‬خاصة‭ ‬تتفاوت‭ ‬دقتها‭ ‬تبعاً‭ ‬لطبيعة‭ ‬العمل‭ ‬المطلوب‭ ‬وفق‭ ‬خليل‭. ‬وبيّن‭ ‬خليل‭ ‬أن‭ ‬اختيار‭ ‬الأداة‭ ‬المناسبة،‭ ‬إلى‭ ‬جانب‭ ‬الممارسة‭ ‬المستمرة،‭ ‬يشكّلان‭ ‬الركيزة‭ ‬الأساسية‭ ‬لإتقان‭ ‬هذا‭ ‬الفن،‭ ‬القائم‭ ‬على‭ ‬تحويل‭ ‬مساحة‭ ‬متناهية‭ ‬الصغر‭ ‬لا‭ ‬تُرى‭ ‬بالعين‭ ‬المجردة‭ ‬إلى‭ ‬لوحة‭ ‬فنية‭ ‬متكاملة‭ ‬التفاصيل‭. ‬ختم‭ ‬خليل‭ ‬حديثه‭ ‬مؤكداً‭ ‬أن‭ ‬فن‭ ‬الكتابة‭ ‬على‭ ‬حبّة‭ ‬الأرز‭ ‬لم‭ ‬يعد‭ ‬مجرّد‭ ‬هواية‭ ‬فردية،‭ ‬بل‭ ‬بات‭ ‬حاضراً‭ ‬في‭ ‬المعارض‭ ‬الفنية،‭ ‬ويُستخدم‭ ‬كهدايا‭ ‬تذكارية‭ ‬مميزة،‭ ‬نظراً‭ ‬لما‭ ‬يتمتع‭ ‬به‭ ‬من‭ ‬طابع‭ ‬فريد‭ ‬يجمع‭ ‬بين‭ ‬الدقة‭ ‬والجمال‭. ‬وأشار‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬هذا‭ ‬الفن‭ ‬أصبح‭ ‬وسيلة‭ ‬مبتكرة‭ ‬للتعبير،‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬تقديم‭ ‬رسائل‭ ‬مصغّرة‭ ‬تحمل‭ ‬بصمة‭ ‬إبداعية‭ ‬خاصة،‭ ‬وتعكس‭ ‬مزيجاً‭ ‬من‭ ‬الصبر‭ ‬والخيال‭. ‬تشير‭ ‬مصادر‭ ‬تاريخية‭ ‬وفنية‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬فنّ‭ ‬الكتابة‭ ‬على‭ ‬حبّة‭ ‬الأرز‭ ‬نشأ‭ ‬كأحد‭ ‬أشكال‭ ‬فن‭ ‬المنمنمات،‭ ‬وهو‭ ‬من‭ ‬الفنون‭ ‬الدقيقة‭ ‬التي‭ ‬تعود‭ ‬إلى‭ ‬عدة‭ ‬قرون‭ ‬في‭ ‬عدد‭ ‬من‭ ‬الدول‭ ‬الآسيوية،‭ ‬ولا‭ ‬سيما‭ ‬الصين‭ ‬والهند‭ ‬واليابان،‭ ‬دون‭ ‬تحديد‭ ‬تاريخ‭ ‬دقيق‭ ‬لبدايته‭. ‬و‭ ‬جاء‭ ‬هذا‭ ‬الفن‭ ‬ضمن‭ ‬تقاليد‭ ‬أوسع‭ ‬للنقش‭ ‬والكتابة‭ ‬على‭ ‬المواد‭ ‬الصغيرة،‭ ‬مثل‭ ‬العاج‭ ‬والحبوب،‭ ‬قبل‭ ‬أن‭ ‬يتطوّر‭ ‬لاحقاً‭ ‬ليشمل‭ ‬حبّات‭ ‬الأرز،‭ ‬نظراً‭ ‬لرمزيتها‭ ‬وسهولة‭ ‬توفرها‭. ‬وفي‭ ‬العصر‭ ‬الحديث،‭ ‬ازداد‭ ‬انتشار‭ ‬هذا‭ ‬الفن‭ ‬خلال‭ ‬القرن‭ ‬العشرين،‭ ‬ولا‭ ‬سيما‭ ‬في‭ ‬منطقة‭ ‬الشرق‭ ‬الأوسط،‭ ‬حيث‭ ‬أصبح‭ ‬يُستخدم‭ ‬لكتابة‭ ‬الأسماء‭ ‬والعبارات‭ ‬القصيرة‭ ‬داخل‭ ‬حبّات‭ ‬الأرز،‭ ‬التي‭ ‬تُحفظ‭ ‬غالباً‭ ‬في‭ ‬زجاجات‭ ‬صغيرة‭ ‬للزينة‭ ‬أو‭ ‬كهدايا‭ ‬تذكارية‭. ‬ويُعدّ‭ ‬فنّ‭ ‬الكتابة‭ ‬على‭ ‬حبّة‭ ‬الأرز‭ ‬تجسيداً‭ ‬لبراعة‭ ‬الحرفي‭ ‬السوري‭ ‬وقدرته‭ ‬على‭ ‬تحويل‭ ‬المساحات‭ ‬متناهية‭ ‬الصغر‭ ‬إلى‭ ‬أعمال‭ ‬فنية‭ ‬تؤكد‭ ‬أن‭ ‬الإبداع‭ ‬قادر‭ ‬على‭ ‬تجسيد‭ ‬الجمال‭ ‬حتى‭ ‬في‭ ‬أدق‭ ‬التفاصيل‭.‬

‭ ‬