المرأة‭ ‬الخمسينية‭ ‬واحتياج‭ ‬الزوج- نوال الجراح

تصل‭ ‬المرأة‭ ‬الخمسين‭ ‬من‭ ‬عمرها‭ ‬وهي‭ ‬ام‭ ‬مُحمّلة‭ ‬بسنوات‭ ‬طويلة‭ ‬من‭ ‬العطاء،‭ ‬أمومة،‭ ‬مسؤوليات‭ ‬كبيرة‭ ‬،‭ ‬تعب‭ ‬جسدي‭ ‬ونفسي،‭ ‬ظرف‭ ‬صحي‭ ‬،‭ ‬تجارب‭ ‬وتحديات‭ ‬ومواقف‭ ‬لم‭ ‬تكن‭ ‬دائمًا‭ ‬سهلة‭.‬

وفي‭ ‬هذه‭ ‬المرحلة،‭ ‬قد‭ ‬يتسلل‭ ‬إلى‭ ‬حياتها‭ ‬نوع‭ ‬من‭ ‬البرود‭ ‬تجاه‭ ‬العلاقة‭ ‬الحميمية،‭ ‬ليس‭ ‬عن‭ ‬قسوة‭ ‬أو‭ ‬رفض،‭ ‬بل‭ ‬غالبًا‭ ‬نتيجة‭ ‬تراكمات‭ ‬صامتة‭ ‬قد‭ ‬لايفهمها‭ ‬الشريك‭ .‬

المرأة‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬العمر‭ ‬قد‭ ‬تواجه‭ ‬تغيّرات‭ ‬جسدية‭ ‬طبيعية،‭ ‬مثل‭ ‬الإرهاق‭ ‬أو‭ ‬تغير‭ ‬الهرمونات‭ ‬وغالباً‭ ‬ما‭ ‬يغفل‭ ‬عنها‭ ‬الزوج‭ ‬،‭ ‬لكنّها‭ ‬في‭ ‬الوقت‭ ‬ذاته‭ ‬تعيش‭ ‬تحولات‭ ‬نفسية‭ ‬أعمق،‭ ‬شعور‭ ‬بأنّها‭ ‬أدّت‭ ‬دورها‭ ‬تجاه‭ ‬أُسرتها،وعليها‭ ‬أن‭ ‬تهتم‭ ‬بنفسها‭ ‬وراحتها‭ ‬،وهذه‭ ‬العلاقة‭ ‬لم‭ ‬تعد‭ ‬أولوية‭ ‬بالنسبة‭ ‬لها‭ ‬،‭ ‬أو‭ ‬قد‭ ‬يكون‭ ‬فقدان‭ ‬الرغبة‭ ‬نتيجة‭ ‬غياب‭ ‬الإهتمام‭ ‬والتقدير‭ ‬من‭ ‬الشريك‭ ‬عبر‭ ‬السنوات‭. ‬وأنّ‭ ‬رصيده‭ ‬بدأ‭ ‬ينفذ‭ ‬تدريجياً‭ ‬في‭ ‬قلبها‭ ‬وهو‭ ‬غافل‭ ‬عن‭ ‬هذا‭ ‬،‭ ‬وهنا‭ ‬تبدأ‭ ‬المسافة‭ ‬غير‭ ‬المرئية‭ ‬بينها‭ ‬وبين‭ ‬زوجها‭ ‬بالإتساع‭.‬

الرجل‭ ‬من‭ ‬جهته‭ ‬قد‭ ‬لا‭ ‬يُفسّر‭ ‬هذا‭ ‬الفتور‭ ‬بشكل‭ ‬صحيح،‭ ‬فيراه‭ ‬رفضًا‭ ‬له‭ ‬أو‭ ‬تقليلًا‭ ‬من‭ ‬قيمته‭ ‬أوعدم‭ ‬الإهتمام‭ ‬باحتياجاته،‭ ‬فينشأ‭ ‬صمت‭ ‬وتوتر‭ ‬غير‭ ‬مُعلن،‭ ‬وقد‭ ‬يتحول‭ ‬هذا‭ ‬الفراغ‭ ‬إلى‭ ‬فجوة‭ ‬عاطفية‭ ‬تُهدد‭ ‬إستقرار‭ ‬العلاقة‭ ‬الزوجية‭.‬

إنّ‭ ‬العلاقة‭ ‬الحميمية‭ ‬ليست‭ ‬مجرد‭ ‬تلبية‭ ‬حاجة‭ ‬جسدية،‭ ‬بل‭ ‬هي‭ ‬لغة‭ ‬تواصل‭ ‬عميقة،‭ ‬تُعيد‭ ‬وصل‭ ‬ما‭ ‬انقطع،‭ ‬وتمنح‭ ‬كلا‭ ‬الطرفين‭ ‬شعور‭ ‬القرب‭ ‬والأمان‭. ‬حين‭ ‬تُهمِل‭ ‬المرأة‭ ‬هذا‭ ‬الجانب،‭ ‬وإن‭ ‬كان‭ ‬دون‭ ‬قصد،‭ ‬فهي‭ ‬لا‭ ‬تُهمل‭ ‬لحظة‭ ‬عابرة،‭ ‬بل‭ ‬قد‭ ‬تُضعف‭ ‬أساساً‭ ‬مهما‭ ‬من‭ ‬أسس‭ ‬العلاقة‭ ‬الزوجية،‭ ‬خاصة‭ ‬أنّ‭ ‬العلاقة‭ ‬الحميمية‭ ‬تُشكل‭ ‬حاجة‭ ‬أساسية‭ ‬وضرورية‭ ‬للزوج‭ ‬مهما‭ ‬تقدّم‭ ‬في‭ ‬العمر‭ ‬وأغلب‭ ‬الزوجات‭ ‬تقيس‭ ‬الأمر‭ ‬وفق‭ ‬رغبتها‭ ‬وطبيعة‭ ‬تكوينها‭ ‬والمُختلفة‭ ‬تماماً‭ ‬عن‭ ‬طبيعة‭ ‬ورغبة‭ ‬الزوج،‭ ‬وهذا‭ ‬ناتج‭ ‬عن‭ ‬تقصير‭ ‬كلا‭ ‬الطرفين‭ ‬في‭ ‬القراءة‭ ‬وفهم‭ ‬عالم‭ ‬المرأة‭ ‬والرجل‭.‬

وعلى‭ ‬الزوجة‭ ‬أن‭ ‬تعي‭ ‬هذا‭ ‬وتسعى‭ ‬الى‭ ‬خلق‭ ‬التوازن‭ ‬قدر‭ ‬الإمكان‭ ‬لاسيما‭ ‬إن‭ ‬كان‭ ‬الاهمال‭ ‬دون‭ ‬قصد‭ ‬وكان‭ ‬شريك‭ ‬حياتها‭ ‬نموذج‭ ‬جيد‭ ‬في‭ ‬تحمل‭ ‬مسؤولياته‭ .‬

إنّ‭ ‬هذه‭ ‬المرحلة‭ ‬ليست‭ ‬نهاية‭ ‬الود‭ ‬والإهتمام‭ ‬،‭ ‬بل‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬تكون‭ ‬بداية‭ ‬مُختلفة‭ ‬وأكثر‭ ‬نضجًا‭. ‬فالحب‭ ‬في‭ ‬الخمسين‭ ‬لا‭ ‬يُقاس‭ ‬بالحماس‭ ‬الأول،‭ ‬بل‭ ‬بالوعي‭ ‬والاحتواء‭. ‬والحميمية‭ ‬هنا‭ ‬لا‭ ‬تعني‭ ‬الجسد‭ ‬فقط،‭ ‬بل‭ ‬بالكلمة‭ ‬الطيبة،‭ ‬الّلمسة‭ ‬الحانية،‭ ‬والإهتمام‭ ‬الصادق‭ ‬بكل‭ ‬تفاصيل‭ ‬الآخر‭.‬

إعادة‭ ‬إحياء‭ ‬هذا‭ ‬الجانب‭ ‬لا‭ ‬تتطلب‭ ‬جهدًا‭ ‬خارقًا،‭ ‬بل‭ ‬تحتاج‭ ‬إلى‭ :‬

حوار‭ ‬صريح‭ ‬بلا‭ ‬خجل‭ ‬أو‭ ‬لوم

فهم‭ ‬متبادل‭ ‬للتغيرات‭ ‬النفسية‭ ‬والجسدية‭ ‬للمرأة

تجديد‭ ‬في‭ ‬المشاعر،‭ ‬ولو‭ ‬بأبسط‭ ‬الطرق

إدراك‭ ‬أن‭ ‬الزواج‭ ‬لا‭ ‬يعيش‭ ‬على‭ ‬الذكريات،‭ ‬بل‭ ‬على‭ ‬الإستمرار‭ ‬وهذه‭ ‬مسؤولية‭ ‬الطرفين‭.‬

فالمرأة‭ ‬الخمسينية‭ ‬ليست‭ ‬أقلُّ‭ ‬عطاءً،‭ ‬بل‭ ‬أكثر‭ ‬عمقًاً،‭ ‬وإن‭ ‬إختارت‭ ‬أن‭ ‬تعيد‭ ‬التوازن‭ ‬لعلاقتها‭ ‬مع‭ ‬شريكها‭ ‬،‭ ‬فإنّها‭ ‬قادرة‭ ‬على‭ ‬خلق‭ ‬دفء‭ ‬جديد،‭ ‬مُختلف،‭ ‬وأكثر‭ ‬نضجًا‭ ‬واستقرارًا‭.‬

في‭ ‬النهاية،‭ ‬ليست‭ ‬المشكلة‭ ‬في‭ ‬العمر،‭ ‬بل‭ ‬في‭ ‬الإستسلام‭ ‬لفكرة‭ ‬أنّ‭ ‬بعض‭ ‬الأبواب‭ ‬قد‭ ‬أُغلقت‮…‬‭ ‬بينما‭ ‬الحقيقة‭ ‬أنّ‭ ‬بعضها‭ ‬ينتظر‭ ‬فقط‭ ‬من‭ ‬يطرقهُ‭ ‬بلُطف‭ ‬وذكاء‭ ‬عاطفي‭ ‬من‭ ‬جديد‭. ‬