نقل الجمهور من السلبية إلى التفاعلية – سعد كاظم الطائي

عصر الصحافة الألكترونية

 نقل الجمهور من السلبية إلى التفاعلية –  سعد كاظم الطائي

مدخل:

تعد العملية الاعلامية التي تقوم بها وسائل الاعلام بشكل عام عملية احادية الاتجاه تتجه من المرسل الى المستقبل (الجمهور) من دون وجود دور كبير ايجابي للجمهور فيما يتم تقديمه اليهم من رسائل اتصالية.

وقد أحدثت التكنولوجيا المتطورة المستعملة في وسائل الاعلام تغيرات كبيرة وهيكلية في عملية الاتصال بالجماهير واحدثت فيها تغيرات هائلة فوفرت  للجمهور (المتلقي) امكانية المشاركة في عملية الاتصال واعلام القائمين بالاتصال في الوسائل الاعلامية برغباته وآرائه فيما تصله من مواد اعلامية.

ومن الوسائل الاعلامية المتطورة التي ساهمت الثورة التكنولوجية في مجال الحاسبات والاتصالات من افرازها هي الصحافة الكترونية التي عملت على استغلال او اتخاذ فضاء الانترنت وسيلة او أداة للانتشار والوصول الى جمهورها بدلا من الوسيط التقليدي المستعمل في الصحافة المطبوعة (الورق).

فاستطاعت بذلك استغلال كل الامكانات المتطورة وغير المحدودة لهذا الوسيط (الانترنت) او هذه البيئة المعلوماتية الهائلة واستغلال الامكانات الهائلة جداً للحاسوب في مجال الاتصال وتبادل الاتصال مع الآخرين لتكون بذلك باكورة الوسائل الاعلامية التفاعلية والتي ستكون في وقت قريب هي الوسائل السائدة في العالم.

مفهوم التفاعلية في وسائل الاعلام:

          يقوم مفهوم التفاعلية على اساس الاتصال ذي الاتجــــــاهين                                   (Tow Way Communication)  بين المرسل والمستقبل أي ان يكون الاتصال عملية تبادلية بين القائم بالاتصال والجمهور في ادوار المرسل للرسائل الاتصالية والمستقبل لها.

حيث يتبادل الطرفان ادوار المرسل والمستقبل، فالاتصال هنا يمتاز بكونه ذا اتجاهين وليس باتجاه واحد فقط كما هو الحال عليه في وسائل الاعلام التقليدية مما يضفي على العملية الاتصالية صفة التفاعلية بين القائم بالاتصال في الوسيلة الاعلامية والجمهور المستقبل لها، فتحدث عملية تفاعل آني او حالي بينهما. فتتحول عملية الاتصال بالجماهير وكأنها عملية اتصال شخصي بين الوسيلة الاعلامية وجمهورها.

التفاعلية: صفة وسائل الاعلام المستقبلية:

احدث التطورات المتلاحقة والهائلة في التقنيات المستعملة في وسائل الاعلام طفرات كبيرة في هيكلية العملية الاعلامية ونقلتها الى آفاق واسعة تضاف الى السمات والمميزات التي كانت تمتاز بها تقليدياً.

ومن التطورات الجوهرية التي أحدثتها التقنيات الحديثة في عملية الاتصال بالجماهير امكانية مشاركة الجمهور للقائم بالاتصال في صياغة الرسائل الاتصالية والتوقيت المناسب له في استلامها وسرعة إيصال تعليقاته وآرائه وملاحظاته ورغباته الى مرسل الرسالة الاتصالية (القائمون بالاتصال في الوسائل الاعلامية) بفعل التطور التقني الهائل في مجال تكنولوجيا وسائل الاعلام التي مكنت المتلقي ووفرت له كل اسباب المشاركة الفاعلة في استلام الرسائل الاعلامية ونقلته من حالة السلبية التي أضفتها عليه وسائل الاعلام التقليدية الى حالة الايجابية عن طريق المشاركة وايجاد الدور الفاعل له في العملية الاتصالية. والتي افتقدها سابقا بسبب عدم توفر عوامل المشاركة له كما هو الحال في وسائل الاعلام التقليدية.

            وبسبب عدم توفر المشاركة الفاعلة بين القائم بالاتصال والجمهور في وسائل الاعلام فان الرسائل الاتصالية الموجهة الى الجمهور كثيراً ما كان لا يعرف مدى تأثيرها عليه او مدى تقبله او رفضه لها بسبب صعوبة او بطئ معرفة آرائه وردود افعاله ورغباته وتعليقاته (رجع الصدى لهذه الرسائل) وإرجاعها الى المرسل من اجل ان يعرف مدى نجاحه في ايصال المادة الاعلامية المراد ايصالها اليه وبالطريقة المخطط لها.

ان محدودية امكانات وسائل الاعلام التقليدية في توفير خصائص وادوات التفاعل مع الجمهور او بطء هذه الأدوات، هي التي ساهمت بشكل كبير في عدم ايجاد التفاعل الحقيقي والمشاركة الفاعلة في العملية الاتصالية بين المرسل التكنولوجي الحديث في مجال التقنيات الاعلامية. والجمهور كما هو عليه الحال في وسائل الاعلام ذات الخصائص التفاعلية التي افرزها التطور.

الخصائص التفاعلية في الصحافة الالكترونية:

          تعد الصحافة الالكترونية احد اهم الانجازات التي تحققت بفعل ظهور النشر الالكتروني الذي كان احد إفرازات  ظهور شبكة المعلومات العالمية (الانترنت) وما وفرته من سهولة نشر النصوص المقروءة والصور واستعمال الوسائط المتعددة التي مكنت من نقل الصحافة من الامكانات المحدودة (الصحافة الورقية) الى امكانات غير محدودة وخصائص واسعة جدا لا يمكن تحديدها بفعل التطور المذهل والهائل في مجالات تكنولوجيا وسائل الاعلام والاتصالات. وتعد الخصائص التفاعلية احد اهم الامور التي وفرتها الصحافة الالكترونية لقرائها بفعل استعمالها للحاسبات الالكترونية المرتبطة بشبكة الانترنت وسيطاً للوصول الى جمهورها، وما تملكه الحاسبات الالكترونية من امكانات مميزة في مجال الاتصال واسترجاع المعلومات وامكانية التواصل من قبل المستفيد (الجمهور) مع الوسيلة الاعلامية التي تقدم الخدمات الاعلامية.

          ان سهولة الاتصال بالقائمين بالاتصال في الصحافة الالكترونية التي توفرت بفعل شبكة الانترنت عملت على نقل وتغيير هيكلية العملية الاتصالية بالجمهور من المرحلة السلبية التي كانت تمتاز بها، بفعل طبيعتها وخصائص عملها التي تتجه باتجاه واحد من المرسل الى الجمهور بدون توفر الخصائص والادوات اللازمة التي توفر عوامل التفاعل مع الجمهور او أعطائه فرصة التواصل بسهولة وآنية مع الوسيلة الاعلامية.

          وتتعدد الخصائص التفاعلية التي توفرها الصحافة الالكترونية لقرائها وتشمل عناوين البريد الالكتروني للمحررين الذين يقومون بكتابة الموضوعات المنشورة في الصحيفة فضلا عن العنوان الالكتروني لإدارة الصحيفة، مما يمكن القراء من سهولة ابداء آرائهم وتعليقاتهم وملاحظاتهم على الموضوعات المنشورة وسرعة ايصالها الى ادارة الصحيفة والصحفيين العاملين فيها، كما انهم يمكنونهم اعلام ادارة الصحيفة برغباتهم في موضوعات الصحيفة من قبلهم، الامر الذي يمكن الصحيفة من معرفة رجع الصدى للرسائل الاتصالية التي تتوجه بها الى قرائها بسهولة ويسر وتجعلها على تواصل دائم وسريع معهم  عن طريق تنشيط القنوات التفاعلية معهم والتي وفرتها لهم التقنيات المتطورة المستعملة في وسائل الاعلام الحديثة (بشبكة الانترنت).

          كذلك فان الصحافة الالكترونية توفر لقرائها منتديات للنقاش حيث توفر لقرائها امكانية مناقشة موضوعات معينة تطرح للنقاش من اجل معرفة آرائهم وما يودون طرحه بشأنها من امور، مما يوفر لهم فرصة الاسهام بالتعليق عليها وبيان وجهات نظرهم وايصالها الى ادارة الصحيفة والمحررين العاملين في الصحيفة من اجل مراعاتها مستقبلاً عند تناول موضوعات متشابهة في الصحيفة.

          ومن الخصائص التفاعلية التي توفرها الصحافة الالكترونية لقرائها غرف الحوار الحي او الدردشة ((chat room والتي توفر للقراء التحدث مع المحررين في الصحيفة او التحدث فيما بينهم عن موضوعات الصحيفة وما تنشره مما يمكن ادارة الصحيفة من الوصول بيسر وسهولة الى قرائها ومعرفة ما يدور في خلدهم من رغبات وميول تخص مضمونات الصحيفة وما تشكله الرسائل الاتصالية التي تتوجه بها الى قرائها من تأثيرات ومعرفة ما امكن تحقيقه من اهداف وضعتها ادارة الصحيفة حين التوجه الى قرائها وبالصورة التي تعطي مؤشرا سريعاً وبسيطاً عن مدى تقبل القراء لموضوعاتها او رفضه لها وما خلفته من تأثيرات عليهم.   وتعد استطلاعات الرأي التي تنظمها الصحافة الالكترونية احد الخصائص التفاعلية المهمة التي تميزها.

          فالتصويت الذي يتاح للقراء عن طريق الموقع الالكتروني للصحيفة حول الموضوعات المطروحة للتصويت يعطي للقراء المجال لابداء آرائهم وما يرونه مناسباً في هذه الموضوعات سواء بالتأييد او الرفض.

          وتشكل سهولة الاتصال بالصحيفة والسرعة في الاتصال وقلة التكاليف المالية عواملٍ هامة جداً في زيادة مشاركة القراء في هذه الاستطلاعات الامر الذي يوفر معرفة اكبر حجم ممكن من آراء القراء في الموضوع المطروح للتصويت وبما يوفر لإدارة الصحيفة تصوراً اكثر وضوحاً عن قرائها بفعل زيادة اعداد المشاركين في هذه الاستطلاعات.

          فكلما كانت اعداد المشاركين في الاستطلاعات اكثر واكبر حجماً زادت قاعدة المعلومات عن القراء وما يرغبون بشأنه ويوفر رؤية اكثر وضوحاً واتساعاً عن آرائهم وميولهم ورغباتهم حول الموضوعات المطروحة.

          وتعد الاستطلاعات الالكترونية أداة معممة للتواصل مع جمهور هذه الوسائل كذلك هي في الوقت نفسه أداة من ادوات التفاعل معه عن طريق توفيرها المجال له في ايصال ما يراه مناسباً لادارة الصحيفة وللمحررين فيها بالشكل الذي يجعله كأنه جزءاً من ادارة التحرير في الصحيفة.

          ويعطي سجل عدد الزائرين موقع الصحيفة الالكترونية مؤشراً عن مدى تفاعل الجمهور مع الموقع.

          فعن طريق معرفة عدد الزائرين لموقع الصحيفة الالكترونية يمكننا التعرف على اعداد القراء الذين اطلعوا على الصحيفة واوقات زيارتهم للموقع في اليوم، مما يعكس مدى تواصل القراء مع الصحيفة واكثر المواد او الفنون الصحيفة اطلاعاً من قبل القراء، الامر الذي يوفر لادارة الصحيفة قاعدة معلومات معممة عن اعداد القراء ورغباتهم في موضوعات والفنون التحريرية التي تقدمها الصحيفة.

          وتتعدد الخصائص التفاعلية التي تقدمها الصحافة الالكترونية لقرائها وتأخذ إشكالا متعددة فالبعض منها ادوات تفاعلية تزامنية  أي انها توفر الاتصال المباشر الآني الذي يحدث في نفس الوقت بين المرسل (المحرر) وبين المستقبل (القراء) مثل غرف الحوار الحي (الدردشة) والمنتديات والتي توفر اتصالاً آنياً بين الطرفين في نفس وقت الاتصال مما يزيد من فرص التفاعل بين الوسيلة الاعلامية والجمهور بالشكل الذي يجعل من الاتصال الجماهيري وكأنه اتصال شخصي بكل ما يميز الاتصال الشخصي من مميزات التحاور والتفاعل وامكانات التأثير بين المصدر والمتلقي في بعضهما الآخر وبما يجعل من عملية الاتصال الجماهيري اكثر تأثيرا واكثر قرباً من المتلقي وبالنتيجة اكثر نجاحاً في تحقيق الاهداف الموضوعة لعملية الاتصال بالجماهير والتي لا يمكن تحقيقها لولا نجاح التواصل مع الجمهور وتقبله للرسائل الاتصالية من الوسيلة الاعلامية والذي يفرز عملية التفاعل معها.    وقد تكون الادوات التفاعلية غير تزامنية أي انها لا تشترط وجود المرسل والقراء في نفس لحظة الاتصال مثل رسائل البريد الالكتروني الموجهة من القراء الى ادارة الصحيفة او الى عناوين المحررين الالكترونية للادلاء بالتصويت في استطلاعات الرأي التي تطرحها الصحيفة على القراء لإبداء آرائهم في موضوعات الاستطلاعات.فهي لا تشترط الوجود الآني لطرفي عملية التفاعل في نفس اللحظة لكنها في الوقت نفسه تعد عملية تفاعلية بين الصحيفة الالكترونية وبين قرائها لانها تشير الى مدى التفاعل الحاصل بينهما في عملية اتصال فهي مستمرة عملية ارسال رسائل اتصالية بين الطرفين يتم تبادل ادوار المرسل والمستقبل بينهما. الغاية منها الوصول الى توفير كل العوامل والمتطلبات اللازمة لنجاح العملية الاتصالية بالشكل الذي يحافظ على تواصل الجمهور مع صحيفته.

الخلاصة

          تعد الخصائص التفاعلية احد اهم الخصائص المميزة لوسائل الاعلام المستقبلية، والتي ستوفر للجمهور مشاركة اكبر واوسع في صياغة الرسائل الاتصالية الموجهة اليهم من قبل وسائل الاعلام.

          والتفاعلية تقوم على اساس استجابة المتلقي لرسائل المرسل أي توفر عنصر التغذية العكسية لهذه الرسائل او رجع الصدى الى المرسل سواء كانت تزامنية او غير تزامنية.      وقد وفرت الصحافة الالكترونية الكثير من الخصائص الالكترونية لقرائها بفعل استعمالها للحاسبات الالكترونية المرتبطة بشبكة الانترنت، وما تملكه الحاسبات الالكترونية من امكانيات كبيرة في سهولة تبادل الاتصال بين بشبكة الحاسبات المرتبطة بعضها.         وقد ارتبطت التفاعلية بالصحافة الالكترونية بفعل التطور المطرد الحاصل في التقنيات المستعملة في العمل الاعلامي وتوسعه باشكال متعددة على الجمهور سواء كمياً او نوعياً. والذي نقل العملية الاتصالية من الصفة الاحادية الاتجاه من المرسل الى المستقبل وجعلها عملية تبادلية بين الطرفين ووفرت للجمهور امكانية السيطرة بشكل كبير على العملية الاتصالية عن طريق التأثير في مصدر الرسائل الاتصالية في كيفية الصياغة والعرض واختيار الموضوعات وذلك بفعل سهولة وسرعة الاتصال به واعلامه بارآئه وملاحظاته ومآخذه على الرسائل الاتصالية التي تصل اليه، مما يجعل له دورا في صياغة هذه الرسائل.  ان الخصائص التفاعلية التي وفرتها الصحافة الالكترونية لقرائها نقلت الصحافة التقليدية (الورقية) من حالة الجمود والسلبية التي تتصف بها، الى حد كبير، الى حالة الايجابية والتفاعل مع القراء بصورة واسعة وغير محدودة.

          فقد اضافت هذه الخصائص للصحافة الكثير من صفة الحيوية والمشاركة والتواصل مع القراء وجعلتهم يشتركون مع ادارة الصحيفة والمحررين في صياغة مضمون وشكل ومواد الصحيفة عن طريق الادلاء بأرائهم وايصالها الى ادارة الصحيفة فجعلت منهم مع الادارة والمحررين كأنهم اسرة تحرير واحدة فنقلت بذلك الاتصال من صفة الاتصال باتجاه واحد الى التبادلية في ادوار المرسل والمستقبل بين الصحيفة والقراء.

          بينما تفتقر الصحافة التقليدية (الورقية) لهذه الخصائص والسمات فهي تقوم بعملية اتصالية باتجاه واحد الى القراء وتمتاز بشكل كبير بالرتابة وافتقاد عوامل الحيوية كما هو عليه الحال في الصحافة الالكترونية.

          فهي عبارة عن مجموعة أوراق تسطر عليها النصوص بشكل جامد تحمل بعض الصور والرسوم لاضافة بعض الحيوية عليها عكس الصحافة الالكترونية التي تمتاز بالكثير من الصفات والعوامل المتوفرة لها والتي تجعل منها بحق وسيلة اعلامية تفاعلية فهي تضم الكثير من النصوص والصور وافلام الفيديو والرسوم الايضاحية وخلفيات عن الموضوعات المنشورة وعناوين البريد الالكتروني لادارة الصحيفة والمحررين فيها واتاحة فرصة التصويت على الكثير من الموضوعات عن طريق الاستطلاعات التي تجريها الصحيفة وتوفر فرصة المناقشات والحوارات عن طريق المنتديات وغرفة الحوار وغيرها من الخصائص الكثيرة التي تجعل منها وسيلة اعلامية متعددة الخصائص والسمات ومتامشية مع التطورات الحاصلة في مجالات العملية الاعلامية في الوقت الحاضر.ان التفاعلية هي السمة المميزة لوسائل الاعلام المستقبلية فكما بدأت تنتشر وتزداد استعمالاً في الصحافة الالكترونية فانها في المستقبل القريب ستكون السمة المميزة لغالبية وسائل الاعلام الاخرى فهي الصفة المميزة لوسائل الاعلام المستقبلية.