الشعر والألتزام لادريان ريتش
نظرة خاطفة إلى ضباب الدخان
ترجمة: فضيلة يزل
من محاضرة ألقاها عام 2006 في جامعة ستيلنغ (سكوتلاند) في مؤتمر عن الشعر والسياسة.
في “كتابه دفـاع عن الشعر” ( 1821 ) قـال شيلي ان ” الشعراء مشرعون غير معترف بهم في العالم”. وهذا يُأخذ بنظر الأعتبار لأنه يتوضح ببساطة من خلال فضيلة كتابة الشعر، يمارس بعض الشعراء تأثيراً أخلاقياً نموذجياً ـ على نحو مبهم لكنه غير مؤذٍ. في مقالته الفلسفية الأولى: “نظـرة فلسفية الى الأصـلاح” كتب شيلي ” كان الشعراء والفلاسفة غير معترف بهم” وكان يتحدث عن الفلاسفة الذين كانوا ذوي عقول ثورية أمثال : توماس بين، وليم غودون، فولتير، ماري ولستونكرافت.
كان شيلي، بلا شك، بعيداً عن تغير القوانين التشريعية في زمانه. بالنسبة له لا يوجد أي تناقض بين الشعر والفلسفة السياسية، والمجابهة المؤثرة مع السلطة غير الشرعية. وبالنسبة له، كان الفن يحمل علاقة متكاملة في الصراع بين “الثورة والأضطهاد” فقصيدته “الرياح الغربية” كانت “صرخة نبوءة، “فهي تسوق الأفكار الميتة … مثل الأوراق الذابلة، كي تعجل بولادة جديدة”.
انا في كلتا حالتّي، شاعر، وواحد من بين الأشخاص الذين يعيشون في وطني، اعيش مع الخوف والجهل والتشوش الثقافي والتناحر الأجتماعي الذي يتلاعب بنا، ويجثم مع كل ما ذكرنا على قواعد العجز في اية امبراطورية. آمل ان لا نجعل الشعر مثالياً ـ فقد عانى من ذلك بما يكفي، فالشعر ليس مرهماً شافياً، وليس رسالة عاطفية، ولا نوعاً من المعالجة اللغوية، وليس مخططا ولا كراسة تعليمات ولا لوحة اعلانات. وليس هناك شعراً عالمياً، على أية حال، بل هناك أشعار وأحاسيس شعرية فقط، تعود للقصص المتشابكة المتدفقة لسيرة حياة الناس. وهناك متسع، ضروري في الواقع، ولكل من نيرودا وفاليغو، لبايير باولو باسوليني و الفونسينا ستورني، ولكل من عزرا باوند ونيلي ساتيشز، إذ لم تكن قصائدهم الشعرية أكثر نقاءً وبساطةً من سيرة حياة الناس النقية والبسيطة. وهناك أيضاً قواعد الشعر الكولينيالي وقواعد الشعر المرن وتنقلاته عبر الحدود التي لا يمكن اقتفاؤها بسهولة. لم يفصل ولت وايتمان شعره عن رؤيته للديمقراطية الامريكية قط. ففي وقت متأخر من حياته، اسماها بـ “المعرفة الشعرية التقليدية … محادثة تسمع مصادفة في الغسق، من متحدثين بعيدين أو محجوبين، نلتقط منها فقط تمتمات بسيطة متقطعة” يحيطها الغموض، فقد نفكر الآن بالديمقراطية نفسها. ونفكر أيضا بتلك ” العصور المظلمة” التي أكد لنا بيرتولت بريخت انه ستكون هناك اغنيات فيها وعنها . لقد كان الشعر متهما بـ “التجميلية aestheticizing ” وهذه الخاصية كانت واضحة فيه، ودعائم القوة الصارمة لممارسات تشبه العقوبة الجماعية والتعذيب والسلب والنهب والأبادة الجماعية. كان هذا الاتهام يستحضر بشدة في مقالة أدورنو “بعد أغنية المحرقة، الشعر كان مستحيلاً” ـ التي تَتَبع اثرها لاحقاً مَنْ خلفه من شعراء اليهود في استخدامات كانت مرفوضة. ولو استمر الشعر صامتاً بعد حدوث كل الابادات الجماعية في التاريخ، فلن يبقى هناك شعر في العالم. ولو ان “صفة جعله جمالياً aestheticize” كانت لتنزلق عبر حالات الوحشية والقساوة، التي تعاملت معها على نحو مجرد بوصفها أحداثاً دراماتيكية بالنسبة للفنان بدلاً من تراكيب قوى وصفية وتجريدية ـ لذا اعدم الكثيرون شنقاً بسبب كلمة “مجرد”. ان اغتنام الفرصة أو تحينها لا يشبه الأهتمام المقصود. لكن يمكننا ايضاً ان نعرف كلمة “الجمالي”، ليس بوصفها تفسيراً متميزاً أو منعزلاً عن معاناة الإنسان، بل كونها قصصاً عن الوعي والمقاومة التي تريد الأنظمة الشمولية قمعها: فالفن يصل إلينا من أجل شيء لا زال وجدانياً، ولازال صميمياً ولا زال لا يمكن أخماده. لقد كان الشعر يقضي على كل الحسابات الآخرى: فهو ليس “منتجاً” للسوق الجماهيرية، ولم يكتب كي يباع في أكشاك الصحف على متن الطائرات او في اروقة السوبرماركتات؛ انه “عسير” على العقل العادي؛ فهو منتخب جداً ولا يراهن عليه الأثرياء في مراهنات سوثبي؛ انه، بإختصار، نتاج ثر. وهذا ما قد يسميه البعض بالسوق الحرة لنقد الشعر . في الواقع هناك علاقة غريبة بين هذه الأفكار: فالشعر اما انه غير ملائم وغير أخلاقي أيضاً، في مواجهة المعاناة الإنسانية، أو انه غير مجدٍ، ومن هنا فهو عديم الفائدة. وعلى أية حال، كان الشعراء ينصحوننا فيقولون أما ننكس رؤوسنا أو نترك الشعر، على الرغم من انه في الواقع، وفي كل انحاء العالم تعمل انتقالات اللغة الشعرية بشكل موضعي وتتمكن من المحافظة على الجسد والروح سويا كما يمكنها ان تعمل الكثير. ان الخطاب النقدي حول الشعر قال القليل حول الظروف اليومية لوجودنا المادي في الماضي والحاضر: وكيف تدمغ حياتنا بالمشاعر، والأستجابات الإنسانية اللاأرادية، وكيف اننا نلقي نظرة خاطفة على ضباب الدخان في الهواء، وكيف ننظر الى مجموعة من الرجال في زاوية الشارع وكيف نسمع تساقط المطر على السطح او الموسيقى تنبعث من راديو في الطابق العلوي، كيف نلاقي او نتجنب عيني جارنا أو الغريب. هذا الضغط يشد زاوية النظر فينا سواء نحن ميزنا الشيء أم لا. عدد كبير من الكتابات الجيدة والقصائد المبتذلة حالها حال أن عدداً كبيراً من المقالات عن الشعر وعلم العروض كتبت وكأن مثل هذه الضغوطات غير موجود. لكن هذا يكشف عن وجودها فحسب. لكن عندما يضع الشعر يده على اكتافنا نشعر بدرجة مادية تقريباً ان شيئاً ما لامسنا وحركنا. ان طرقات الخيال مفتوحة امامنا، وهي مُفندة لذلك القول البوهيمي “ما من خيار “. بالتأكيد، مثلما هو الوعي الذي يقع وراءها ووراء أي فن، يمكن ان تكون القصيدة عميقة ويمكن ان تكون ضحلة، عفوية أو كثيرة الرؤى، كثيرة التبصر والأدراك أو ملتزمة باتجاه ثابت مسبق. هل ان ما يحث النحو والاعراب والاصوات والصور ـ
هل هو الافتقار الى الموضوعية او الأصولية او الحرفية ـ اللغة الجسورة؟ او هل هو قوة الأستعارة والقوة المرسومة من التشبيه بشكل مختلف؟ يملك الشعر القدرة على ان يبقينا متعلقين بشيء نحن ممنوعون من رؤيته. مستقبل منسي: موقع لم تتكون هندسته الأخلاقية بعد، ولا يوجد في الملكية وعدم الملكية، اضطهاد المرأة المنبوذة وقبيلتها، لكن في اعادة تقييد الحرية المستمرـ تلك الكلمة التي تقبع الآن داخل كل بيت تحتجزها الخطب البلاغية في السوق الحرة. هذا سيندثر شيئا فشيئا في المستقبل القادم لكنه لا زال الآن ضمن مجال الدراسة. فالعالم كله بطرقاته سيعيد اكتشافه ويعيد ابتكاره مرة أخرى. أن هذا موجود في الشعر دائماً وهو ما لا يمكن الأمساك به، ولا يمكن وصفه، فهو حي في اهتمامنا المتحمس ونظرياتنا النقدية ومناقشات آخر الليل.
وهناك ايضاً ما لايمكن الحديث عنه أذ، ربما هو نواة لعلاقة حية بــــين القصيدة وســــكان العـــــالم.























