بديل ثقافي يتجاوز المؤسسات الراكدة والمتراصفة على الهامش

الزمان – عدنان أبوزيد
تفاعلت نخب ثقافية وأدبية مع دعوة الروائي العراقي المغترب د. فاتح عبد السلام، لـ «تأسيس مجلس أعلى للثقافة والفنون يتولى رسم السياسات العامة التي تخص الثقافة العراقية».
وكان عبد السلام قد قال في عموده اليومي المعروف بعنوان (توقيع) في صحيفة الزمان بطبعتيها العراقية، والدولية، أن «العراق يحتاج الى تأسيس المجلس الأعلى للثقافة والفنون الذي يتولى رسم السياسات العامة التي تخص الثقافة العراقية التي لا تحظى برؤية استراتيجية حكومية عبر تقافز الجالسين على كرسي الثقافة وهم بالكاد يلامسون القشرة الخارجية لأوليات السياسات الثقافية الأساسية التي ينبغي ان يكون العراق أحد المنافسين القارين الإقليميين في استقطاب الكفاءات والمواهب وابتكار الأطر الكفيلة بانتشال الثقافة العراقية من عمل موظفين روتينيين طمسوا معالم صورة تاريخية التصقت ببهاء البلد عقوداً طويلة».
واعتبر عبد السلام انه « ينبغي أن تكون الثقافة العراقية بألوانها وتصنيفاتها، قطاعاً انتاجياً، ومورداً من موارد الدخل القومي لبلد عريق قامت فيه أولى حضارات هذا الكوكب»، مؤكدا على أن «المجلس الأعلى للثقافة والفنون، قد يكون بديلاً عن وجود وزارة الثقافة التي كانت طوال عقدين على الهامش».
حاجةٌ ملحةٌ
واعتبر الفنان سامي قفطان إنه يأمل في إن «تأسيس مجلس اعلى للثقافة والفنون سيكون مفيدا ومثمرا، وهذه يتوقف على اصحاب القرار في المجلس وما يحملوه من ثقافة متنوعة ويخططون له من هدف سامي».
رسم الاستراتيجية
واعتبر الفنان والمخرج، نزار شهيد الفدعم، أن «دعوة الدكتور فاتح عبد السلام، فكرة صائبة ومهمة وجديرة بالدراسة والنقاش من اجل الحفاظ على الهوية الوطنية».
يشير الفدعم إلى إن «وجود مجلس اعلى للثقافة والفنون لرسم الاستراتيجية والسياسة العامة لوزارة الثقافة التي يجب ان تلتزم بها حتى لو تغير الوزير الذي هو نتاج محاصصة، واجب وطني، حتى يأخذ دوره الفاعل في التصدي للهجمة التي يتعرض لها المثقف والفنان والثقافة والفنون والعلوم من قبل بعض الجهات الرجعية».
وترى الفنانة العراقية ميلاد سري في تصريحها لـ الزمان أن «الدولة وللأسف رفعت يدها عن الجهد الثقافي، كما إن وزارة الثقافة لم تنصف الفنان، فيما المسارح مغلقة، وأوضاع الفنان العراقي في أسوأ أحوالها، وكل ذلك يستدعي إقامة مجلس أعلى للثقافة والفنون».
وقال الروائي العراقي نزار عبد الستار إن «تأسيس مجلس اعلى للثقافة والفنون هو حاجة ملحة مع حالة الفوضى التي تعم البلاد والدور المخجل لوزارة الثقافة وايضا لكل النقابات التي زادت الطين بلة وحولت الثقافة والفنون الى سلوكيات فجة تسيء لمكانة العراق وثقله الثقافي الإبداعي»
واسترسل: «ادعم هذه الفكرة شرط ان يكون المجلس هيأة مستقلة وتكون سياساته ملزمة وان يستقطب المثقفين العراقيين في المهجر من الذين يمتلكون الخبرة ويؤمنون بالتعددية الثقافية والتنوير وتتوفر فيهم معايير السمو الفكري ونزاهة العمل وان توكل لهذا المجلس كل الاختصاصات ذات العلاقة وان يشرع له قانون في مجلس النواب وتكون الدولة ملزمة في الاخذ بقراراته».
وقالت الكاتبة والشاعرة، فينوس فائق، إن «ما يطرحه الدكتور فاتح عبدالسلام في مشروع (المجلس الأعلى) مهم للغاية، خصوصا أننا جميعا على علم بالوضع الراهن للثقافة العراقية وحالة التردي والإهمال والفوضى الثقافية، إضافة إلى عدم وجود إستراتيجية حكومية تهتم بالشأن الثقافي خارج الصراعات السياسية والعقائدية والمذهبية».
وزادت في القول «في حال تأسيس المجلس الأعلى للثقافة والفنون سنجد أنفسنا، بتقديري الشخصي، أمام مشاكل كثيرة منها النفس الحزبي والديني والمذهبي والعقائدي في تشكيلة مثل هكذا مجلس وإدارته. وبطبيعة الحال لن يكون هذا المجلس بديلا عن وزارة الثقافة، لأن من المفروض أن وظيفة وزارة الثقافة كبيرة ومتنوعة وشاملة لا يمكن الإستغناء عنها»
وتابعت: «السؤال الجوهري هو فيما اذا اتحادات ونقابات المثقفين، الكتاب، الصحفيين، الفنانين، المسرحيين، المطربين، ستقبل بالمشروع، خشية أن يقعوا تحت مظلة مثل هذا المجلس، ولا ننسى أنه يتم تحريكهم ولا أقول دعمهم، من قبل الأحزاب إن لم يكن لكل حزب نقابات خاصة بها في المجالات الثقافية».
وقالت: «عن نفسي أدعم إنشاء مثل هذا الإطار أو المجلس الثقافي، من أجل أن يستعيد العراق اسمه كمهد للحضارات، وأن يعود كسابق عهده مزارا ثقافيا و أن يصبح بلدا سياحيا يجذب السياح والمثقفين والناشطين في مجالات الثقافة وأن تزدهر الحياة الثقافية».
وفي تفاعله مع دعوة عبد السلام، قال الشاعر والكاتب، باقر صاحب، المدير السابق للصفحات الثقافية في صحيفة الصباح العراقية، إن «تأسيس مجلس أعلى للثقافة والفنون، حاجةٌ ملحةٌ وضرورية».
وقال صاحب أن «تأسيس مثل هذا المجلس له أهميةٌ استراتيجيةٌ في رسم السياسات الثقافية في البلاد، سياساتٌ لها سقوفٌ زمنيةٌ بعيدةُ المدى، مثل الخطط الخمسية والعشرية التي تضعها حكومات البلدان ذات الاستقرار السياسي والاقتصادي، خطط استراتيجية في جميع المجالات السياسية والاقتصادية والثقافية والاجتماعية، ويتحتم على جميع الحكومات المتعاقبة أن تسيّر سياساتها التنفيذية على هدي تلك الخطط».
واسترسل «بل وبإمكان الحكومات المتعاقبة، تطوير السياسات الثقافية من منطلق عدم تحجّر الخطط الاستراتيجية التي وضعها المؤسسون الأوائل للمجلس المقترح».
وتابع «هذا ما نستطيع أن ندعوه بالاستثمار الثقافي، وهو ما نلاحظه في السياسات الثقافية البعيدة المدى للبلدان المتقدمة، وحتى لدى بعض دول الشرق الأوسط، فنجد واضعي الخطط الاستراتيجية الثقافية فيها يشددون على توجيه سلطات بلدانهم على إقامة معارض الكتب والمهرجانات السينمائية والمعارض التشكيلية، وتأسيس الجوائز الادبية ذات المردودات المالية الكبيرة».
واعتبر صاحب إن «ما ذكرناه وغير ذلك من النشاطات الثقافية والإبداعية ينبغي أن تكون تقاليد سنوية وموسمية ثابتة، لا تتغير بتغير حكومة أو من هم على سدة الحكم، أي أن يسير اللاحقون على نهج السابقين، وطبعاً هذا متاحٌ أو جائزٌ في البلدان ذات النهج الديمقراطي، أما في حال تغيّر نظام الحكم تغييراً جذرياً من الدكتاتورية إلى الديمقراطية فإن الأمر يستدعي استراتيجيات ثقافية جديدة نابعة من النهج الديمقراطي، فضلاً عن أنّ السياسات الثقافية ذات البعد الاستراتيجي تعلي من شأن المواطنة والوطنية، أي رفع شعار مصلحة الوطن أولاً، وليس مصالح الأجندات الخارجية ولا المكونات الداخلية الفرعية، لأنّ من شأن هذه المصالح المختلفة شقّ الطريق إلى تجاذبات مختلفة تتقاطع مع المسار الوطني السامي للثقافة والفنون».
وكان عبد السلام قد قال في المقال الذي تضمن دعوة التأسيس، إن «المجلس المقترح قد يتمثل فيه اتحاد الادباء والكتّاب ونقابة الفنانين الى جانب شخصيات لها وزنها الثقافي المحلي والدولي، تعمل على ضمان حق المثقفين الضائع في الوجود الحقيقي والانتشار، ليس من باب نقابي، فذلك له مجالاته الأخرى، ولكن من حيث الحضور الفعلي في مدار الثقافة العربية الفاعلة في المستويات المحلية والعربية والدولية».
و يذكّر عبد السلام في مقاله كيف إن «فرقا فنية خاصة أو شخصيات معدودة من لبنان أو مصر غير ممولة من الدولة تهز مسارح أو برامج استعراضية وثقافية عالمية، وتنقل اسم بلدها الى مجال واسع لمئات الملايينـ فيما العراق يستعيد ستة الاف قطعة اثرية من المتحف البريطاني وكأنه ينقل صناديق بطاطا وطماطة سراً من علوة أبو جويسم الى علاوي الحلة، من دون ان تكون هناك وقفة عظيمة مصحوبة بورشة عمل ومؤتمر حول آثار حضارة وادي الرافدين المتسربة في متاحف العالم، وعبر مد الصلات مع جميع الهيئات الثقافية والصحف والقنوات البريطانية والغربية لتغطية حدث من خلال اكثر من لغة، وتتجلى فيه القدرات العراقية الحقيقية في التعامل مع هذا الحدث الذي نحن نصنعه وليس ننتظر أحداً لكي يصنعه ويسوقه لنا، وندرك كم له تأثير في العقلية الغربية اذا احسنا مخاطبتها».
البيئة المناسبة
ودعا الأديب والكاتب العراقي علي حسن الفواز، إلى «إيجاد البيئة المناسبة لمثل هكذا مشروع، مع تحديد التوصيف القانوني له، وفيما اذا سيكون حكوميا ام مدنيا، فضلا عن تعريف السياق والاليات التي سيعمل بها، والجهات الداعمة له، والتي ستسنم المسؤوليات الادارية والتنظيمية له».
وكشفت الشاعرة والكاتبة سلامة الصالحي، عن إن «النخب الثقافية طالبت منذ زمن طويل، بمجلس اعلى للثقافة يضم عراقيين بعيدا عن الانتماءات العرقية والطائفية والاثنية»، داعية إلى «مجلس يهتم بتفاصيل ودقائق الثقافة العراقية المادية والمعنوية لان الثقافة هي آخر المعاقل والحصون التي تحمي هوية الاوطان وحضورها العالمي وهي التي توثق تاريخ وتحولات البلاد وتعمل على نقلها من حالة التخبط الى موقف واضح من الحضور العربي والاقليمي والعالمي».
وفي سياق دعوته إلى التأسيس، ضرب الدكتور فاتح عبد السلام، المثل في «آثار العراق المُعارة مائة عام الى المتحف البريطاني من دون أن يعرف العراقيون وأصحاب الاختصاص في الجامعات، لماذا كانت الاعارة قبل قرن، وما الذي ساق الى اعادتها، وماذا عن ريع استخدامها وعرضها والإفادة منها في خلال قرن كامل، وهل عادت الينا الأبحاث التي قامت عليها مع صناديقها».
وقال الكاتب بسام البزاز إن «مثل هذه التجارب موجودة في دول مثل مصر والكويت».
وحدة التنوع
ورأى الأكاديمي والمؤرخ الدكتور إبراهيم العلاف انه «دعا أيضا إلى انشاء مجلس اعلى للثقافة في العراق بعد 2003، ودعوة عبد السلام اليوم، أمر مهم وضروري يأخذ بيد الثقافة الوطنية ويعززها بين جماهير العراقيين ويحول دون وقوع البعض اسرى لتوجهات غير وطنية او مذهبية او عنصرية والحكمة».
واعتبر العلاف إن «المشروع يجب إن يأخذ في نظر الاعتبار، الثقافة الوطنية والثقافات الفرعية من خلال التأكيد على الوحدة ضمن التنوع، وفي خلال افتتاح المركز الثقافي العربي – الكردي، في 18 من ايار 2023، دعوت إلى ادوات للنهوض بالثقافة الوطنية العراقية بعيدا عن اية تأثيرات اخرى وان المجلس الاعلى للثقافة في العراق لابد ان يظهر وان تكون له كلمة في واقع ومستقبل الثقافة في العراق». ويكشف الروائي العراقي شوقي كريم حسن عن إن «دعوى مماثلة كانت قد طرحت من قبل ولم تنل الموافقة الحكومية»، محذرا من إن «تاسيس هكذا مجلس واعتباره منظمة مجتمع مدني سوف يجعله يصاب بالعجز والإهمال».
وعبد السلام في مقال دعوة التأسيس، قال انّ «هذه الرؤية في الوقوف المتأمل في تصريف شؤون الثقافة لا تحتاج وزيراً قادماً من جيوب محاصصة القوى والأحزاب والمليشيات اليوم او مستقبلاً، إذا أردنا ان نعطي العراق حق اسمه، ولا نجعل الاخرين يسخرون منا او ينظرون بعين الشفقة على تردي احوالنا، واذا طمحنا الى أن نزاحم الساحات الثقافية العالمية بما نمتلك من إمكانات لن ترى النور بعد مئات السنين اذا كانت الحكومات المتعاقبة لا تعرف ما أهمية الثقافة وما عناوينها الأساسية خارج مسمى الحقيبة المحددة بالمنصب، اضعف الحلقات المتغيرة». وقال الكاتب عبد الأمير المجر انه «دعا من قبل إلى تسلم وزارة الثقافة بجميع مؤسساتها للمثقفين بعيدا عن اي مؤثر حزبي او جهوي».
وقال إن «تشكيل (المجلس الاعلى للثقافة والفنون) يجب ان ينبثق من بين الادباء والفنانين، ويتمتع باستقلالية على غرار ما موجود في مصر والكويت، ولعلنا احوج اليه اكثر من غيرنا، لان الوزارة تبقى في كل الاحوال خاضعة لمعايير رسمية صارمة، ليتكامل مع الوزارة ولا يلغيها، مع اني اميل الى الاكتفاء به وحل الوزارة، وان تشكل لجان من كبار المعنيين».
وأضاف: «مهمتها تقييم الواقع الثقافي بشكل شامل، ووضع خطة مناسبة بعد مناقشتها مع المثقفين، لتكون دليلنا في المرحلة المقبلة، في اعادة بناء المؤسسات وتفعيل دورها، لان الخراب كبير ومتراكم».
ويتحدث المخرج والكاتب رضا المحمداوي عن «محاولة مجموعة من الفنانين والاكاديميين وممثلي النقابات والاتحادات والجمعيات الفنية إلى عبور حاجز الكونكريت الثقيل الجاثم على صدر الفنون والآداب العراقية، اذ شهد العام 2018 اجتماعا تشاوريا في مبنى المسرح الوطني من اجل التأسيس لورشة ثقافية عامة، وتقدمتْ بورقة عمل تضمنتْ عدة نقاط ومجموعة مقترحات لغرض صياغة مشروع ثقافي فني عام لإحياء الثقافة العراقية وإنقاذها من أزمتها الخانقة».
واستطرد: «الخلاصة انتهت إلى العمل على صياغة مقترح مشروع ثقافي ذي تصوّر مستقبلي طموح يُلبّي جزءاً من طموح منتجي الثقافة والفن والادب في العراق ثم يُصار الى عقد مؤتمر عام للفنون والآداب وتُوجّهُ الدعوة للرئاسات الثلاث ونأمل ُ ان تستجيب الرئاسات لهذه الدعوة ومن ثم تبني هذا المشرع الثقافي الإستراتيجي، ودعمه، والعمل على تهيئة الارضية القانونية وتوفير التخصيصات المالية اللازمة له».
وقال انه «من اجل إحياء فكرة هذا المشروع الإستراتيجي الذي يحفظ للثقافة والفنون العراقية مكانتها وهيبتها، ومن اجل عدم ضياع الجهود التي بُذلتْ طوال المدة الماضية، ادعو كافة النقابات والاتحادات والجمعيات الى تجديد المطالبة بتفعيل مشروع قانون هذا المجلس الوطني للثقافة والفنون والضغط على مجلس النواب وخصوصاً لجنة الثقافة والاعلام النيابية من اجل تحريك المشروع والبدء بالخطوات والاجراءات الكفيلة بالانتهاء من اقراره ووضعه موضع التنفيذ».























