من دفتر ضابط شرطة مستر بركلي في العمارة.. سحبنا سيارة القنصل البريطاني التي غرزت في الطين فكافأني بكورس دراسي بالمراسلة

من دفتر ضابط شرطة مستر بركلي في العمارة.. سحبنا سيارة القنصل البريطاني التي غرزت في الطين فكافأني بكورس دراسي بالمراسلة
ذكريات عراقية
شاكر العاني
مستر بركلي هو القنصل البريطاني غير المقيم بالعمارة، وغير المقيم تعني انه غير مستمر الاقامة وهذا المستر بنفس الوقت هو القنصل البريطاني في الناصرية. أما انا المفوض شاكر العاني من الدرجة الرابعة في سلم صنف المفوضين في مسلك الشرطة.
قد لايصدق احد هذا الذي سآتي على ذكره.
كان ذلك في ربيع عام 1949 وكنت مسؤولا عن ادارة مايسمى شرطة القضاء أي الريف الواقع حول بلدة العمارة تمتد الى الحدود الايرانية وبمسؤوليتي ادارة ثلاثة مخافر حدودية هي الطيب وأبو غرب والبجلية، وكانت الخيل وسيلة تنقلنا وفي تلك السنة زودت شرطة لواء العمارة بسيارتين، سيارة جيب واخرى بيك آب طراز بايولت صناعة بريطانية وكنت يومها في ريعان شبابي دفعني الى الفنطزة حصولي على شهادة الدراسة الثانوية التي تؤهلني الخروج من صنف المفوضين الذي توصف بخانة الشواذي التي سأتكلم عنها في مقال مستقل واصبح الطريق امامي سالكا للدخول الى مدرسة الشرطة العالية كلية الشرطة او اكمال دراسة الحقوق التي انتسبت الى كليتها وهذه الخيارات جعلتني اشعر بنشوة اخرى تفوق فنطزة الشباب وهذه جعلتني لا اتقيد بدقة الاجراءات التي تنظمها اوامر صارمة في تلك السنين ومنها استعمال هاتين السيارتين الجديدتين اللتان كانتا ظاهرة جديدة في حياة شرطة اللواء واصبحت من ضمن وسيلة تنقل شرطة الخيالة التي اصبحت آمرا لها الى جانب الخيول. وجاءت مناسبة توزيع الرواتب على شرطة تلك المخافر وحصلت على موافقة مدير الشرطة الذي لا تتحرك تلك السيارتان إلا بموافقته المكتوبة. وأضيف إليها فنطزة اخرى سياقة سيارة الجيب التي كنت اختار استخدامها في كل واجب اخرج فيه وفي كل مرة وبعد الخروج من نطاق البلدة ورقابة من قد يشي بي اني اقوم بسياقة تلك السيارة اتولى سياقتها وزاد من نشوتي امتلاك بندقية صيد ذات فوهة واحدة اشتريتها مستعملة اكسبتني شهرة المهارة في صيد الطيور في تلك الجزيرة منها الحبار والدراج والقطا وفي بعض الاحيان مغامرة في مطاردة قطيع غزلان الميش التي تنحدر من جبال بشتكو الى ذلك السهل الذي يعد جنة من جنان الله على ارضه في ايام الربيع للتوالد واقول مغامرة لان مطاردتها بالسيارة على تلك الارض المملوءة بالحصى الذي تحتمي به تلك القطعان فيه مخاطرة انقلاب السيارة وهلاك من فيها. عندما وصلت مخفر شرطة الطيب ضحى ذلك اليوم واثناء توزيع الرواتب اخبرني عريف المخفر ان مستر بركلي المعروف لدينا نحن رجال شرطة القضاء لاننا مسؤولين عن اخراج دورية ليلية من الخيالة لحراسة بيته مع بيوت اخرى تقع على شارع السبع قصور الممتد على جانب الايسر من نهر دجلة شط العمارة .
ومسألة وجود مستر بركلي بسيارته في رحلة صيد في جزيرة الطيب مألوف لدينا نحن رجال شرطة تلك المخافر.
القنصل وزوجته
أتممت توزيع الرواتب على المخفرين الباقيين وقمت بجولة صيد تجنبت فيها التقرب من المكان الذي تلوح لي فيه سيارة المستر بركلي ولكني في طريق عودتي وجدت سيارته قد غرزت في نهر الطيب وكان رجال شرطة المخفر يحاولون اخراجها دفعا من ذلك النهر وسواءا كان بمقدورهم ذلك وان لم يكن فان وصولي اصبح هو وسيلة النجدة لذلك المستر وزوجته وسيارته بعد اداء التحية استأذنته في سحب سيارته سيارة الجيب ووافق مع الشكر المتكرر وتم ذلك بسهولة ويسر، حاولنا اعادة تشغيل سيارة المستر بركلي ولكن دخول الماء في اجزاء محركها عطل تشغيلها وقد تداركنا المساء وعرضت عليه ان اوصله هو وزوجته بسيارة الجيب التي كانت ستتسع لنا نحن الاربعة هو وزوجته وانا وسائق السيارة، ركبت زوجته الى جانبي وانا اسوق السيارة وجلس هو والشرطي سائق السيارة على المقعد الخلفي واوصلتهما الى باب دارهما في وقت مبكر من تلك الليلة ومن الجدير بالذكر ان زوجته كانت لا تتكلم اللغة العربية ولكن بركلي كان يتكلمها بطلاقة وقضينا الطريق من مخفر الطيب الى داره بما يمكن ان نسميه دردشة، طلبت المدام من زوجها ان يخبرني بأن فيّ شبه كثير من ابنها الضابط في الجيش البريطاني العامل في سنغافورا ولا شك انها تدرك هي وزوجها الدرجة المتدنية التي كنت عليها في السلم الوظيفي. وكرر الرجل شكره ومضيت في سبيلي لأن له من المكانة والمعارف في العمارة ما يمكنه إرسال من يسحبها او يصلحها له و يعيدها ومنذ تلك الليلة لم يصادف ان حصل لي لقاء معه مع ان شرطتنا كانت تلبي طلبه وترسل له جوادين مع شرطي خيال يمارس عليهما رياضة ركوب الخيل في الريف القريب من مسكنه.
وكان معتادا ان يزور المتصرف ومدير الشرطة في ذهابه وإيابه من كل سفرة ولان غرفتي تشرف على الساحة التي تقع عليها دائرة المتصرفية ومديرية الشرطة فكنت الحظ دخوله اما بمفرده او معه زوجته في هذه المرة التي قدما فيها الى سراي الحكومة توجه هو وزوجته نحو غرفتي مباشرة قاطعين ساحة قد يبلغ طولها حوالي ستين الى سبعين مترا واذا هما في باب غرفتي بدون دليل، نهضت من مكاني واديت التحية العسكرية وفي الحقيقة لم يكن في غرفتي ما يمكن ان يكون صالحا لجلوسهما ولا لجلوسي إلا تلك التشبثاب التي كنا نقوم بها لان الحكومة كانت في ضائقة مالية بعيد انتهاء الحرب العالمية الثانية واثاث الدوائر الرسمية ترف لا يبلغه من هو في مستواي.
بوكس فايل
كان مستر بركلي يحمل في يده ما يمكن ان نسميه لفافة صغيرة قدمها لي وقال انه هدية عيد رأس السنة الذي سينوي اقامته ولاني لن احضر ذلك الاحتفال على ماهو مقرر لدرجات ومكانة الرجال الذين سيدعون اليه، ذلك تفسيري طبعا لان الرجل لم يصرح به، وفي يد زوجته ملف بوكس فايل فيه اوراق سلمني اياه المستر بركلي وقال لي لقد وجدت فيك رغبة في التعلم وهذا مفيد لك فاقرأه وكان برنامج لدراسة بالمراسلة لها تسمية مترو كليشن يؤدي دارسها الامتحان في دوائر العلاقات العامة البريطانية الموزعة في جميع أنحاء العراق وكانت تعرض كتبا ومجلات وتعرض افلام للتعرف على بريطانيا وخاصة افلام المعارك التي انتصرت فيها بريطانيا.
وكان مقر الامتحان الرئيسي لهذه الدراسة في منطقة الوزيرية ببغداد وفعلا اشتركت في الامتحان الاول ولم احصل على ما يؤهلني الدخول الى احد الجامعات البريطانية التي يقبل بها المتخرج من هذه الدراسة وأصبت النجاح في الدور الثاني ولكن ظروف اسرية منعتني من ذلك وفي مقدمتها حرص امي على ان أكون الشجرة التي تريد ان تستظل بظلها لاني كنت وحيدها وهي الزوجة الرابعة لابي، لم أأسف على ما فاتني لاني والحمد لله اوفيت بالتزاماتي الاسرية التي هي ورغبة امي التي منعتني من السفر ثم الهجرة الى الخارج لان من يذهب لا يعود منهم إلا القليل.
/7/2012 Issue 4242 – Date 4 Azzaman International Newspape
جريدة الزمان الدولية العدد 4242 التاريخ 4»7»2012
AZP07