مقتنيات الراحلين في البيوت الأردنية..جسر مع الماضي

عمان‭ (‬بترا‭) ‬أمل‭ ‬الدهون‭: ‬خلف‭ ‬أبواب‭ ‬الخزائن‭ ‬الموصدة‭ ‬في‭ ‬كثير‭ ‬من‭ ‬البيوت‭ ‬الأردنية،‭ ‬تقبع‭ ‬حكايات‭ ‬ما‭ ‬تزال‭ ‬تنبض‭ ‬رغم‭ ‬الغياب‭: ‬معاطف‭ ‬صوفية‭ ‬تحتفظ‭ ‬بعبق‭ ‬الراحلين،‭ ‬وساعات‭ ‬توقفت‭ ‬لحظة‭ ‬الفقد،‭ ‬ومقتنيات‭ ‬يضفي‭ ‬عليها‭ ‬الأحياء‭ ‬هالة‭ ‬من‭ ‬التبجيل‭ ‬الصامت،‭ ‬ليتشكل‭ ‬ما‭ ‬يسمى‭ ‬الاكتناز‭ ‬العاطفي‭ ‬الذي‭ ‬يربط‭ ‬الحاضر‭ ‬بالماضي،‭ ‬لكنه‭ ‬في‭ ‬الوقت‭ ‬ذاته‭ ‬يقيّد‭ ‬أو‭ ‬يؤجل‭ ‬إمكانية‭ ‬التصرف‭ ‬بهذه‭ ‬المقتنيات‭ ‬لمنفعة‭ ‬قد‭ ‬تمتد‭ ‬إلى‭ ‬آخرين‭.‬

فهذا‭ ‬الاكتناز‭ ‬العاطفي‭ ‬يطرح‭ ‬تساؤلات‭ ‬متزايدة‭ ‬حول‭ ‬الموازنة‭ ‬بين‭ ‬قيمتين‭: ‬الوفاء‭ ‬للراحلين‭ ‬من‭ ‬جانب‭ ‬وبين‭ ‬دعوات‭ ‬لإعادة‭ ‬توظيف‭ ‬هذه‭ ‬المقتنيات‭ ‬في‭ ‬أعمال‭ ‬خيرية‭ ‬تُبقي‭ ‬الأثر‭ ‬حيًا،‭ ‬وتحقق‭ ‬نفعًا‭ ‬يتجاوز‭ ‬حدود‭ ‬الذكرى‭.‬

وعن‭ ‬سؤال‭ ‬دوافع‭ ‬احتفاظ‭ ‬البعض‭ ‬بمقتنيات‭ ‬المتوفى،‭ ‬تباينت‭ ‬الآراء‭ ‬بين‭ ‬الارتباط‭ ‬الشخصي،‭ ‬والقيمة‭ ‬الرمزية،‭ ‬والرغبة‭ ‬في‭ ‬التصرف‭ ‬بها‭ ‬بما‭ ‬يحقق‭ ‬المنفعة‭ ‬أو‭ ‬إعادة‭ ‬توزيعها؛‭ ‬فقد‭ ‬قال‭ ‬أحمد‭ ‬بشايرة‭ ‬إنه‭ ‬يحتفظ‭ ‬بساعة‭ ‬والده‭ ‬لأنها‭ ‬تذكره‭ ‬به‭ ‬في‭ ‬كل‭ ‬وقت،‭ ‬فيما‭ ‬أوضحت‭ ‬سمر‭ ‬بني‭ ‬يونس‭ ‬أنها‭ ‬تبرعت‭ ‬بملابس‭ ‬والدتها‭ ‬لأن‭ ‬ذلك‭ ‬ينسجم‭ ‬مع‭ ‬ما‭ ‬كانت‭ ‬تحبه‭ ‬من‭ ‬فعل‭ ‬الخير،‭ ‬لكن‭ ‬خالد‭ ‬عبيدات‭ ‬أشار‭ ‬إلى‭ ‬أنه‭ ‬يحتفظ‭ ‬بالأغراض‭ ‬ذات‭ ‬القيمة‭ ‬الرمزية‭ ‬مثل‭ ‬الصور،‭ ‬ويعمل‭ ‬على‭ ‬توزيع‭ ‬باقي‭ ‬المقتنيات‭ ‬ليستفيد‭ ‬منها‭ ‬الآخرون‭. ‬وفي‭ ‬إجابتها‭ ‬تقول‭ ‬أم‭ ‬فارس‭ ‬الخطيب‭ ‬إنها‭ ‬اكتفت‭ ‬ببعض‭ ‬المقتنيات‭ ‬بعد‭ ‬أن‭ ‬رأت‭ ‬أن‭ ‬الاحتفاظ‭ ‬بجميع‭ ‬الأغراض‭ ‬يسبب‭ ‬عبئًا‭ ‬نفسيًا،‭ ‬فيما‭ ‬رأى‭ ‬أبو‭ ‬ليث‭ ‬أن‭ ‬مقتنيات‭ ‬الكبار‭ ‬تمثل‭ ‬جزءًا‭ ‬من‭ ‬تاريخ‭ ‬العائلة،‭ ‬أما‭ ‬روان‭ ‬بشايرة‭ ‬فقد‭ ‬شددت‭ ‬على‭ ‬أهمية‭ ‬تحقيق‭ ‬التوازن‭ ‬بين‭ ‬الاحتفاظ‭ ‬بما‭ ‬يحمل‭ ‬ذكرى‭ ‬والتصرف‭ ‬ببقية‭ ‬المقتنيات‭ ‬بما‭ ‬يحقق‭ ‬نفعًا‭ ‬مستمرًا‭. ‬ومن‭ ‬وجهة‭ ‬نظر‭ ‬الباحثين‭ ‬بعلم‭ ‬الاجتماع‭ ‬وعلم‭ ‬النفس‭ ‬يرى‭ ‬الأستاذ‭ ‬الدكتور‭ ‬حسين‭ ‬محادين‭ ‬أن‭ ‬الاحتفاظ‭ ‬بمقتنيات‭ ‬الراحلين‭ ‬يعكس‭ ‬طبيعة‭ ‬راسخة‭ ‬في‭ ‬العقل‭ ‬العربي‭ ‬الذي‭ ‬يميل‭ ‬إلى‭ ‬استحضار‭ ‬الماضي‭ ‬واستلهام‭ ‬رموزه‭ ‬في‭ ‬الحاضر،‭ ‬موضحًا‭ ‬أن‭ ‬هذه‭ ‬المقتنيات‭ ‬تتحول‭ ‬مع‭ ‬الزمن‭ ‬إلى‭ ‬جسر‭ ‬وجداني‭ ‬يربط‭ ‬الأحياء‭ ‬بجذورهم،‭ ‬وإلى‭ ‬وقود‭ ‬رمزي‭ ‬يعزز‭ ‬الشعور‭ ‬بالفخر‭ ‬والانتماء،‭ ‬خاصة‭ ‬إذا‭ ‬كان‭ ‬الراحل‭ ‬صاحب‭ ‬مكانة‭ ‬اجتماعية‭.  ‬وأضاف‭ ‬محادين،‭ ‬إن‭ ‬هذا‭ ‬الإرث‭ ‬يتفرع‭ ‬إلى‭ ‬مادي‭ ‬ومعنوي،‭ ‬إلا‭ ‬أن‭ ‬المادي‭ ‬غالبًا‭ ‬ما‭ ‬يُستثمر‭ ‬في‭ ‬إبراز‭ ‬المكانة‭ ‬الاجتماعية،‭ ‬خاصة‭ ‬في‭ ‬السياق‭ ‬الذكوري،‭ ‬حيث‭ ‬يتم‭ ‬الاحتفاء‭ ‬بمقتنيات‭ ‬الآباء‭ ‬والأجداد‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬غيرهم،‭ ‬لافتًا‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬هذه‭ ‬الممارسات‭ ‬تظهر‭ ‬في‭ ‬المناسبات‭ ‬الاجتماعية،‭ ‬كارتداء‭ ‬عباءة‭ ‬الجد‭ ‬أو‭ ‬استحضار‭ ‬مكانته‭ ‬الرمزية‭. ‬بدورها،‭ ‬أوضحت‭ ‬الأخصائية‭ ‬النفسية‭ ‬سهى‭ ‬أبو‭ ‬غوش‭ ‬أنه‭ ‬من‭ ‬ناحية‭ ‬التفسير‭ ‬العلمي،‭ ‬يرتبط‭ ‬شعور‭ ‬بعض‭ ‬الأشخاص‭ ‬بالذنب‭ ‬عند‭ ‬التعامل‭ ‬مع‭ ‬مقتنيات‭ ‬المتوفى‭ ‬بعدد‭ ‬من‭ ‬التفسيرات‭ ‬النفسية،‭ ‬من‭ ‬بينها‭ ‬نظرية‭ ‬التعلّق،‭ ‬حيث‭ ‬تتحول‭ ‬هذه‭ ‬الأغراض‭ ‬إلى‭ ‬امتداد‭ ‬رمزي‭ ‬للمتوفى،‭ ‬ويصبح‭ ‬فقدانها‭ ‬وكأنه‭ ‬فقدان‭ ‬له‭ ‬مرة‭ ‬أخرى،‭ ‬مشيرة‭ ‬الى‭ ‬ظهور‭ ‬مفهوم‭ ‬الروابط‭ ‬المستمرة،‭ ‬حيث‭ ‬لا‭ ‬ينفصل‭ ‬الإنسان‭ ‬عاطفيًا‭ ‬عن‭ ‬الراحل،‭ ‬بل‭ ‬يحافظ‭ ‬على‭ ‬علاقة‭ ‬داخلية‭ ‬معه،‭ ‬وتصبح‭ ‬المقتنيات‭ ‬وسيلة‭ ‬رمزية‭ ‬لهذه‭ ‬العلاقة‭. ‬وتوضح‭ ‬أبو‭ ‬غوش‭ ‬أن‭ ‬فك‭ ‬الارتباط‭ ‬بالمتوفى‭/ ‬الراحل‭ ‬يتم‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬تصحيح‭ ‬الفكرة‭ ‬المشوّهة‭ ‬التي‭ ‬تربط‭ ‬التخلّص‭ ‬من‭ ‬أغراض‭ ‬المتوفى‭ ‬بالنسيان،‭ ‬في‭ ‬حين‭ ‬أن‭ ‬العلاقة‭ ‬الحقيقية‭ ‬مع‭ ‬الراحل‭ ‬موجودة‭ ‬داخل‭ ‬الإنسان‭ ‬وليست‭ ‬في‭ ‬الأشياء،‭ ‬مشيرة‭ ‬الى‭ ‬أن‭ ‬الاحتفاظ‭ ‬بالمقتنيات‭ ‬لا‭ ‬يُعد‭ ‬دليلًا‭ ‬على‭ ‬حب‭ ‬أقوى،‭ ‬بقدر‭ ‬ما‭ ‬يعكس‭ ‬صعوبة‭ ‬الانتقال‭ ‬من‭ ‬الارتباط‭ ‬المادي‭ ‬إلى‭ ‬الارتباط‭ ‬النفسي‭ ‬الداخلي‭. ‬وفي‭ ‬إجابتها‭ ‬عن‭ ‬سؤال‭ ‬الاكتناز‭ ‬العاطفي‭ ‬تقول،‭ ‬إنه‭ ‬يُنظر‭ ‬إليه‭ ‬في‭ ‬البداية‭ ‬كآلية‭ ‬دفاعية‭ ‬طبيعية،‭ ‬حيث‭ ‬يمنح‭ ‬شعورًا‭ ‬بالتهدئة‭ ‬والسيطرة‭ ‬وسط‭ ‬تجربة‭ ‬الفقد،‭ ‬مبينة‭ ‬أنه‭ ‬مع‭ ‬مرور‭ ‬الوقت‭ ‬يتحول‭ ‬إلى‭ ‬عائق،‭ ‬يقود‭ ‬إلى‭ ‬ما‭ ‬يُعرف‭ ‬بتعقيد‭ ‬الحداد،‭ ‬حتى‭ ‬يصبح‭ ‬من‭ ‬الصعب‭ ‬تقبّل‭ ‬الفقد‭ ‬وإعادة‭ ‬بناء‭ ‬الحياة،‭ ‬ويظل‭ ‬الشخص‭ ‬عالقًا‭ ‬في‭ ‬الماضي‭.‬

وتشير‭ ‬الى‭ ‬أن‭ ‬بناء‭ ‬ذاكرة‭ ‬بديلة‭ ‬غير‭ ‬مادية‭ ‬ممكن‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬الاعتماد‭ ‬على‭ ‬أساليب‭ ‬أخرى‭ ‬مثل‭ ‬العلاج‭ ‬السردي‭ ‬والعلاج‭ ‬بالمعنى،‭ ‬ومن‭ ‬خلال‭ ‬استراتيجيات‭ ‬علمية‭ ‬فعالة،‭ ‬من‭ ‬بينها‭ ‬الاستمرار‭ ‬الرمزي،‭ ‬ككتابة‭ ‬رسائل‭ ‬للشخص‭ ‬الراحل‭ ‬والحوار‭ ‬الداخلي‭ ‬معه،‭ ‬إضافة‭ ‬إلى‭ ‬استحضار‭ ‬ما‭ ‬كان‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬يقوله‭ ‬في‭ ‬مواقف‭ ‬مختلفة،‭ ‬موضحة‭ ‬أن‭ ‬هذا‭ ‬يشمل‭ ‬إرث‭ ‬القيم،‭ ‬بحيث‭ ‬لا‭ ‬يتم‭ ‬الاكتفاء‭ ‬بحفظ‭ ‬الأشياء،‭ ‬بل‭ ‬الاحتفاظ‭ ‬بما‭ ‬كان‭ ‬يمثله‭ ‬الشخص‭ ‬في‭ ‬حياته،‭ ‬فإذا‭ ‬كان‭ ‬داعمًا‭ ‬يتم‭ ‬استحضار‭ ‬هذا‭ ‬الدعم‭ ‬وممارسته،‭ ‬وإذا‭ ‬كان‭ ‬كريمًا‭ ‬يتم‭ ‬تجسيد‭ ‬هذا‭ ‬الكرم‭ ‬في‭ ‬السلوك‭.‬