مفارقات فنزويلا ذات التجربة الحيوية

مفارقات فنزويلا ذات التجربة الحيوية

عبد الحسين شعبان

تشهد فنزويلا التي حكمها الضابط الثوري  هوغو تشافيز (1998-2013) احتجاجات شعبية معارضة، وخصوصاً في العاصمة كاراكاس وعدد من المدن الساحلية، وطابع هذه الاحتجاجات يميني على خلاف مع الكثير من الاحتجاجات التي شهدتها دول أمريكا اللاتينية، ذات الطابع اليساري، ولعلّ سبب تحفّز اليمين الفنزويلي، هو خشيته على ما تبقى من مصالحه، خصوصاً وأن الحكم اليساري لا يتورّع بجملته الثورية وشعاراته الصاخبة، من إعلان إجهازه على القوى المحافظة والمُستغِلة في فنزويلا وفي الخارج أيضاً، لاسيّما الولايات المتحدة.

وقد جابه اليسار الحاكم التظاهرات الكبيرة التي قادها اليمين خلال الشهرين الماضيين بتظاهرات مضادة، وذلك لإدراكه أن الهدف من هذه التظاهرات هو الإطاحة بحكمه، خصوصاً بعد غياب زعيمه الكاريزمي هوغو تشافيز، الذي ظلّ هدفاً لسهام القوى المحافظة منذ تولّيه الرئاسة وحتى وفاته. وإذا كانت العديد من دول أمريكا اللاتينية قد نجحت فيها حركات تغيير يسارية عبر صندوق الاقتراع، كما حصل في الأسابيع الأخيرة للسلفادور، حيث فازت جبهة فارابوندو مارتي بقيادة شانسيز سيرين، (غونزاليس) وهي الجبهة التي كان يترأسها شفيق جورج حنظل (الذي توفي العام 2006)، مثلما فاز اليسار في تشيلي والبرازيل ونيكاراغوا والأكوادور وغيرها، فإن الاستقطاب اليميني بدا حاداً جداً في فنزويلا على عكس دول عديدة في أمريكا اللاتينية.

لقد انقسم المجتمع الفنزويلي على نحو عمودي منذ فوز هوغو تشافيز بين مؤيد ومعارض، خصوصاً بشعور الطبقة الرأسمالية الحاكمة سابقاً، بأن الحكم الجديد بما يطرحه من شعارات للعدالة الاجتماعية يهدّد مصالحها الراهنة والمستقبلية، ناهيكم عن مصالح حلفائها، الأمر الذي أعطى مبرراً للتدخل الخارجي، ولاسيّما الأمريكي في الشؤون الداخلية الفنزويلية، والهدف هو إعادة فنزويلا إلى سابق عهدها، ولاسيّما أن توجهاتها الجديدة أثارت ضدها قوى مختلفة ومتنوعة، خصوصاً نبرتها العالية ودعوتها للاشتراكية ومناصرة حركات التحرّر، على النحو الذي يذكّر بالحركات الثورية في الستينيات، ولهذا السبب فإن التظاهرات الاحتجاجية المندلعة لا تستهدف مطالب محددة، بل إن هدفها الأساسي هو الاطاحة بالنظام الحالي أو دفع البلاد نحو الحرب الأهلية والفوضى، إنْ لم تتمكن من إسقاطه!

ثمة مفارقة أولى في المشهد الفنزويلي، تلك التي تتعلّق باستبدال التكتيك الثوري بتحويل البندقية من الكتف اليسرى إلى الكتف اليمنى، وبدلاً من توجيهها للصدور، فإن فوهتها استبدلت بورقة الانتخابات، وإحراز تأييد الناس ورضاهم، هكذا تحوّل التكتيك من الكفاح المسلح إلى الانتخابات ومن العنف الثوري إلى التطور السلمي ومن التغيير الانقلابي، إلى التغيير التدرّجي التراكمي، فأصبح هوغو تشافيز الذي ألقي القبض عليه لقيادته عملية تمرّد عسكري في (شباط/فبراير/1992) ضد حكومة كارلوس اندريس بيريز، منذ إطلاق سراحه في آذار (مارس) 1994 إلى داعية لخوض الانتخابات، عبر حزبه ” حركة الجمهورية الخامسة” وتمكّن من الفوز في كانون الأول/ديسمبر العام 1998، وحصل على 63 بالمئة من الأصوات.

لكن تشافيز أدرك أن قوته ليست باستخدام القوة، بل تكمن في ثقة الجمهور بنهجه وسياساته وتوجّهاته الاجتماعية، وإعتقد أن حكمه يحتاج إلى المزيد من الشعبية في ظل الانقسام السياسي، وكان برنامجه الانتخابي واعداً بإصلاحات اجتماعية، ولذلك سعى لإجراء استفتاء شعبي بعد شهرين من وصوله إلى السلطة حصل فيه على 71 بالمئة، والهدف إضفاء شرعية أكبر على الانتخابات العامة وعلى السلطة المنبثقة عنها، ليس هذا فحسب بل إنه سعى خلال حكمه الذي دام أربعة عشر عاماً ونيّف، أي لغاية آذار (مارس) 2013، للحصول على تأييد شعبي أكبر، بإجراء انتخابات بلدية وبرلمانية، وهي تجربة تكاد تكون فريدة ومتميّزة في دول أمريكا اللاتينية.

لكن التأييد الشعبي الذي حصل عليه هوغو قابله غضب المعارضين ومعهم وخلفهم واشنطن التي قرّرت القضاء على نظام كاراكاس عبر العصيان المدني وإثارة التظاهرات والقيام بأعمال تخريب، وذلك بدعمهم أحزاب المعارضة، ليس هذا فحسب، بل كان اللجوء إلى الخيار العسكري حاضراً، وذلك بالقيام بانقلاب عسكري (فاشل) في نيسان (ابريل) العام 2002 لإسقاط الرئيس تشافيز، المنتخب بطريقة ديمقراطية وشفّافة ونزيهة حسب اعتراف المنظمات الدولية، مثلما حصل للرئيس التشيلي المنتخب والشرعي سلفادور أليندي الذي أطيح به بانقلاب عسكري مدعوم من الولايات المتحدة الأمريكية في أيلول (سبتمبر) العام 1973.

لم يكمل تشافيز تحقيق برنامجه، حيث فاز للمرّة الثالثة في تشرين الأول (اكتوبر) العام 2012، وذلك لأن الموت داهمه بعد أقل من عام على فوزه، ومع ذلك فقد تمكّن اليسار بقيادته من تحقيق بعض المنجزات الاجتماعية والاقتصادية لصالح الفقراء والعمل على إلغاء التمييز بسبب العرق أو الجنس أو العقيدة، إضافة إلى تحقيق مواطنة متكافئة ومتساوية، مع تعديل في سلّم الرواتب والخدمات الاجتماعية وتوزيع الثروة، حيث تعتبر فنزويلا واحدة من أهم البلدان المصدّرة للنفط والغاز في العالم، وهي عضو نشيط في منظمو الأوبك، وعلى الرغم من امتلاكها ثروات كبيرة، لكن شعبها كان يعاني من شظف العيش.

من أهم إنجازات حكم اليسار أنه استطاع خلال السنوات الخمسة عشر ونيّف الماضية القضاء على الأمية بالكامل وإقرار قانون الضمان الاجتماعي وتحقيق قدر متقدّم من الخدمات الصحية، وإطلاق حرية التعبير على الرغم من مشكلاتها، وقد لعب تأسيس حزب موحد له (اشتراكي التوجه، ديمقراطي الأسلوب) مع تحالفات لقوى وطنية، دوراً في عملية التغيير وخارطة السياسة، خصوصاً بتقليص دور الطبقة المستغِلّة التي سبق أن تحكّمت بمصائر البلاد ومصادر قوتها، وهكذا انحسرت نسبياً حالة الفقر المدقع، بفضل الإجراءات الاجتماعية والاقتصادية التي اتخذها. وعند وفاة تشافيز انتخب نائبه نيكولاوس مادورو موروس، في حين فشل منافسه  إنريكي كابريليس الذي كان مرشّحاً عن اليمين المعارض. وإذا كان تشافيز بكارزماتيته قد غاب، فإن الحزب الاشتراكي الذي أسسه والمنجزات التي حققها هي التي بقت وراءه، فلم تعد فنزويلا احتياطياً للولايات المتحدة كما كانت قبل مجيء اليسار، بل أصبحت إحدى دول أمريكا اللاتينية والدول النامية المؤثرة أمريكياً وعالمثالثياً، خصوصاً بتراجع معدّلات الفقر على نحو كبير ناهيكم عن دورها الاقتصادي والتعاوني مع دول القارة الامريكية، ومدّ بعض دولها بالنفط والغاز، إضافة إلى دورها العالمي كجزء مهم من حركة التحرّر الوطني.

انتقل اليسار الفنزويلي من نهج الكفاح المسلح، إلى الإيمان بالانتخابات وسيلة للتغيير، ومن العنف إلى السلم وسيلة أساسية للانتقال الديمقراطي وتحقيق العدالة الاجتماعية، لكن هذا التوّجه قابلته واشنطن بالمزيد من المؤامرات والدسائس والعراقيل، لتمنع فنزويلا من تحقيق التنمية المستدامة ولتحدّ من دورها على المستوى الأمريكي اللاتيني أو العالم ثالثي.

إن دور فنزويلا وبقية دول أمريكا اللاتينية تدفعنا إلى المزيد من التفكير: لماذا نجح اليسار عندهم وفشل عندنا؟ هل ثمة أسباب موضوعية، كأن يكون تأثير الدين أقل هناك مثلاً وعدم وجود “إسرائيل”، والتي ساهمت في تعطيل التنمية وإحباط مشاريع الإصلاح والدمقرطة، ولاسيّما من خلال ” العسكرة” و”التسلّح” والتهديد الخارجي، وتلك مسألة مؤثرة، موضوعياً وذاتياً. وإذا كانت تلك أسباب ينبغي أن نأخذها بنظر الاعتبار، لكنها غير كافية لفشل “يسارنا”، ولعلّ مثل تلك الظروف والعوامل يمكن أن تكون مساعدة ومحفّزة ليسارنا وليس العكس، وذلك أن السير في طريق المنجز التنموي- الديمقراطي يمكن أن يسهم في عملية تحرير الأرض، أي الربط بين الثورة الوطنية والثورة الاجتماعية، وليس سبباً في تعطيل التنمية والإصلاحات الديمقراطية بحجة الصراع العربي- ” الإسرائيلي”، كما هو حاصل فعلياً ومنذ نحو ستة عقود ونيّف. إن تجربة فنزويلا جديرة بالدراسة، مع تجارب شعوب أمريكا اللاتينية، ليس لغرض الاستنساخ أو التقليد أو الاقتباس الحرفي أو النصي، بل للإفادة منها لمعرفة نقاط ضعفنا، مستفيدين من أن بلداً بعيداً وغير متضرر مباشرة من “إسرائيل” يضع في برامجه دعم القضية الفلسطينية وإدانة مجازر ” إسرائيل” وسياستها الاستيطانية، ويقف ضد عدوان تموز العام 2006 والعدوان على غزة في العام 2008-2009، بل ويعتبر استمرار السياسة العدوانية “لإسرائيل” تهديداً خطيراً لسلم المنطقة وأمنها وتقدمها، فكيف الحال ونحن نتحدث عن بلداننا وشعوبنا وهم ضحايا العدوان، أوليس الأجدر بنا و”بيسارنا” أن نتّخذ الموقف المناسب؟

إن التجربة الفنزويلية بقدر حيويتها، لا بدّ أن تُقرأ بما لها وهو كثير وما عليها أيضاً، وقد يكون تعزيز العلاقات العربية- الأمريكية اللاتينية، مهمة جداً لجهة تبادل الخبرة والتجربة، على صعيد الحكومات أو المنظمات غير الحكومية، بما فيها مجلس التعاون العربي مع دول أمريكا اللاتينية، وأولاً وقبل كل شيء للمشترك الإنساني الذي يجمعنا وأهداف شعوبنا في التحرّر والتنمية والعدالة الاجتماعية.

{ باحث ومفكر عربي