مسرحية وادي الموت

مسرحية وادي الموت       (3-3)

 

 

الأول : خيم الليل.. بثقله المظلم ..والعصافير لا تعرف النوم ..والنعيب يسري ..

 

في البيوت المهجورة ..وهناك أغنية حزينة .. تشبه الأنين ..ووجوه شاحبة ..

 

وعيون جاحظة ..في كل مرقب ..

 

الفتاة : وكم وضيع تغنى بمجد لم يصنعه وكم زنيم تبوء مقعدا ليس مقعده ..

 

الثاني : (جالس في مكانه يشرب الخمر) ..أيها الحاجب ..نادي على أولئك الكلاب.

 

الثالث : (يجسد شخصية الحاجب) أدخلوا يا أنتم ..(يدخلون بنسق واحد)

 

الثاني : ماهي مظلمتك ؟

 

الأول : أريد العهد والأمان من مولانا ملك الزمان .

 

الثاني : لك ما أردت ..تكلم .. فلك منا العهد والأمان .

 

الأول: نحن بحاجة للعدالة يا مولاي..بحاجة لدستور يحافظ على أرواحنا ويحترمنا ويحفظ حقوقنا ..ويجعلنا نعيش بكرامة وأمان .

 

الثاني :من أنت ؟

 

الأول : أنا رجل من عامة الوادي.. أستقبل الآتين وأودع الراحلين ..كل الذين مروا من هنا أعرف عنهم كل شيء ..منهم من كان هدفه البناء والتضحية والإيثار ونكران الذات.. يتحدث بكلمة نحن ..لا أنا .. لم ينصفه أحد ..لافي حياته ولا في مماته.. ومنهم من كان هدفه هدم الانسان وتدميره و. (يقاطعه)

 

الثاني : كفى كفى ..يا سياف .

 

الثالث : مولاي(يحني قامته بخشوع) ذو الألقاب التي لاتعد ولا تحصى .

 

الثاني : خذ هذا الكلب وأقطع لسانه وأذنه وسلخ فروة رأسه ومن ثم أكرمه بقطع رقبته وعلق جثمانه في السوق ليراه القاصي والداني ويتعظ .

 

الثالث: سمعا وطاعة مولاي .. (الى الأول) إن العبيد يتوقون للحرية.. وهم يشتهون السوط في كل حين سر أمامي.

 

الأول : (وهو خارج) هذا الوادي أكلت أبنائه الضباع ولعقت دمائهم الثعالب وبالت على ضريح الجندي المجهول الخنازير.

 

الرابع : (الى الأول) ترجلوا من الخيل المسرجة.. فأنتم ليس لها.. هي نار موقدة.. وأنتم حطبها.

 

الأول : لن يستمر الطغاة في تهميشنا والغاء هويتنا نحن أقوى منهم .

 

الرابع :اخرج هذا المهذار من حضرة مولانا .

 

الثاني :وأنت .. ما حاجتك .

 

الرابع : أنا يا مولاي .. في ذمتي نذر ..نذرته منذ زمن بعيد ولم أوفي به .

 

الثاني : (بغرابة) نذر .

 

الرابع : أجل يا مولاي .. يوم ما أراك وجه لوجه أخر لك راكعا ساجدا (يركع أمامه ويسجد) هنيئا لي أوفيت نذري يا مولاي المعظم .

 

الثاني : أيها الحاجب .

 

الثالث : مولاي المعظم .

 

الثاني : اكرم هذا العبد الصالح واحسن مثواه (يخرجان ..يرنو الى الفتاة) وأنتِ أيتها اللذيذة ..ما حاجتكِ.

 

الفتاة : أنا يا مولاي (تصمت).

 

الثاني :نعم أنتِ ..من أنتِ؟.

 

الفتاة : أنا من هذا الوادي المنعم بالخير .. وادي المسلات والأساطير، هذا الوادي انطلقت منه أول شعلة في الظلام واستنارت الدنيا من وهج ضيائه.

 

الثاني :جميل جدا هذ الكلام .. وبعد .. ألم تذاكري التأريخ جيدا ؟.

 

الفتاة : أنت تأريخنا مولاي .

 

الثاني : لصدقك وحسن صوتك وجمال جسدك.. أكرمناك بليلة في مخدعنا..خذها للجنة.

 

الأول: الذين شربوا من وحل الرذيلة أنجاس لا يتطهرون من أدران الخطيئة ولو سقيتهم من بحر القداسة ..

 

الفتاة : يولد الانسان وبذرة الشر في روحه .. فتنمو بنموه .

 

الثاني: تضامنت العقول المشبعة بالحقد والكراهية والنفوس المريضة والمعارف السفيهة ..وشقت نهر الدم .

 

الثالث : نحن البناة ..نحن الأحرار..نحن نريد غدا أفضل ..

 

الأول : لا يكون لنا غد أفضل وأعواد المشانق في الطرقات ..

 

الثاني : (ينهض من مكانه يترنح وقارورة الخمر في يده) أنتم البناة..أنتم الذين تعرفون أنفسكم كما تعرفون أبناءكم ..ماذا قدمتم لأرضكم ، لسمائكم ؟ ماذا قدمتم للناس ؟ ..عددوا انجازاتكم ..أنا أختصرها بدلا عنكم .. أنتم قدمتم اللاشيء ..لا شيء ..أنتم هنا بلا تأريخ يذكر ..وإن ذكر فهو تأريخ ميت ، لأنكم أموات متحركة..أنتم هذيان لا أكثر أنتم اللاشيء.. عذرا أيها الرفاق ..أنتم كنتم ولا زلتم عالة على المجتمع ونضالكم وهم ..نضالكم خرافة لا مكان لها من الصدق .. منجزكم يكمن في قصيدة نثرية دفعتم خمرة قائلها في احدى قاعات النوادي الليلية الرخيصة ..أنا لا أجامل ..تلك هي الحقيقة ..أنتم حثالة.. وكل ما تقولون هذيان.. تتغنون بالمعتقلات وتفتخرون بالسجون وأغلبكم كان مخبرا سريا يوشي برفاقه ولم يتركهم إلا وحبل المشنقة في رقابهم هل أنتم حقا رفاق درب أم بعرر كبش ؟

 

الثالث: الويل لك مني إذا غضبت ، أيها السكير الرعديد .

 

الثاني : وماذا تفعل أ باستطاعتك أن تفعل أكثر مما يحدث الآن في الوادي  أغرب عن ناظري أيها الوغد ..(يهذي مع نفسه يكلم الفأرة يخيل اليه أنه يراها) لست أنتِ أفضل مني أيتها الفأرة الحكيمة تعلمين ما سيحدث بعد حين .. أنا أيضا أعرف ما سيحدث هنا..هنا موت زؤام..(للجميع) ألا يمكن لنا أن نخرج من هذا القبر الكبير أحياء أو أمواتاً ..يا أصحاب الأفكار النيرة ألا تخرجونا من هنا ..أنا كرهت هذا المكان كرهت الزمان لا أطيق الحياة بعد أشعر بالغثيان ..لِمَ لم أولد في مكان آخر وزمان آخر غير هذا المكان والزمان؟ أريد أن أهاجر من هذا العصر الموبوء بالحقد والكراهية ، المليء بالقتل والدماء، سأترك ما كان يساورني هنا وأمضي وحيدا إلى هناك..

 

(يهم بالخروج)

 

الأول : الى أين وجهتك ؟

 

الثاني: لا أعلم .. إن مصيري مجهول ربما أذهب الى نهايتي وهي أفضل بكثير منها في هذه القذارة .. الوداع أيها الأصدقاء يختفي)

 

الفتاة : لا ترحل في هذا التيه ..لا تمضي عنا .. لا ترحل ..عد الينا (تتبعه ثم تختفي)

 

الاول :يا أنتما الى أين تذهبان .. قفا..الطريق محفوفة بالمخاطر(يتبعهما ثم يختفي).

 

الرابع : ليرحل هذا الوغد ..شارب الخمر .. للتو مات الشيطان الذي كان يرافقني ترك لي قمامته النتنة ،حفنة من المريدين والمنافقين القابعين في الجحور والظلام ..

 

الثالث: الى أين مضوا ..

 

الرابع : (يرتقي الصخرة الوسطى يفتح يديه) الى الجحيم ..

 

(وميض ساطع يتبعه صوت إنفجار شديد ويتصاعد دخان في فضاء المسرح  يدور الرجل العجوز بين الأشلاء والدخان) ..

 

: تحت جنح الليل تسبت الكائنات .. تستريح من سعيها المضني.. تنعم بالأمن والأمان ..لكن هنا في وادي الموت.. تموت وهي نائمة ..

 

إنها لمؤامرة كبرى .. مؤامرة كبرى .. (يختفي) .

 

. إظلام .